علياء بنت عبد الله
منذ أن عرفا الطريق تعاهدا على السير معًا حتى النهاية، بحماسة الشباب وعزم المتوكل على الله مضيا في الطريق، لا تثنيهما عن ذلك العوائق ولا الصعوبات.
مضت بهما السنون.
والعهد هو العهد، لكن القِوى ما عادت هي القِوى.
نظر أحدهما إلى الآخر فرآه وقد أنهكته مشقة الطريق، حدّق به، فإذا الشيب قد خط في عارضيه، التفت صاحبه إليه متسائلًا:
يا صاح! أترانا نصل؟
فكانت من صاحبه هذه الكلمات:
كيف تجد قلبك!
جاء عمار بن ياسر فزعًا، خائفًا، وهو يقول: يا رسول الله! قد هلكت، قد كفرت، فيلتفت النبي -صلى الله عليه وسلم - إليه، ويسأله: كيف تجد قلبك؟ فيجيب عمار: مطمئن بالإيمان.
وتمضي بـ (عمار بن ياسر) الحياة. عن أم سلمة قالت: «لما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يبنون المسجد جعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين: لبنة عنه، ولبنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم - فمسح ظهره، وقال لابن سمية: للناس أجر، ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية» (1) .
وتختزل حياة عمار في كلمتين: تعذيب في بداية إسلامه، واستشهاد في آخره؛ وبين ذا وذا قلب مطمئن ومشاش مليء إيمانًا ويقينًا.
إن الطريق إلى الجنة لا يمكن أن يكون على أطباق الذهب، وفوق سرائر النوم. إن الطريق شاق طويل يبدأ من بدء نبض الإنسان، وينتهي بتوقف أنفاسه، يتقلب فيه الإنسان بتقلب أحواله وأيامه؛ فتارة يُبتلى بأقسى أنواع الضراء من جهد ومرض وتعذيب واعتقال وحروب، وتارة يبتلى بأترف أنواع السرَّاء من مال وفير ومركب هنيء ومنزل واسع، وامرأة جميلة، وإقبال واشتهار، ويبقى على المسافر ذلك التحدي الكبير أن لا تطغيه السراء، ولا تلهيه الضراء، يحمي قلبه من الذنوب والآفات كما يحمي قطعة الزجاج في يديه يخاف عليها من الخدش؛ فللخدش آثار قلّ أن تمحى.
كيف تجد قلبك؟
سؤال لكل مسافر في كل خطوة من خطوات الطريق، إذا علا فوق الجبال واشرأبت إليه الأعناق والرؤوس، وإذا نزل في السهل فلا يكاد يبين رأسه من بين أكوام الصخور.
صلى أحدهم عشرين سنة في الصف الأول، فلما صلى يومًا في الصف الثاني اعترته خجلة من الناس، فتعلَّم أنها لم تكن يومًا لله!
إن الحرمان الحقيقي أن تمضي مسرعًا في خطواتك، قويًا قطعت الفيافي والقفاز، ثم تلتفتُ فإذا أنت قد خلَّفت قلبك عند بدايات الطريق.
فاحمل قلبك دومًا معك، تنافح عن إخلاصه وحياته، ارفق به رفق الأم الحنون، واشدد عليه شد الحازم الحكيم، فخطوة دون قلب مهما عظمت، كأنها لم تكن، وتذكر دومًا أن سفرنا من نوع خاص لا يقطع بالأقدام ولكن بوجيب القلوب.
تعلّم الدرس من السنابل:
انظر إلى السنابل كيف لا تغلبها الريح على ضعفها، فتتمايل معها يمنة ويسرة وتأتيها من كل جانب، فلا تستطيع لها اجتثاثًا أو كسرًا.
لقد كان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ واضحًا حكيمًا حين شبَّه المؤمن بالسنبلة، والكافر بالأرزة، فقال: «مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة، ومثل الكافر مثل الأرزة لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر» (1) . فالعهد عهد العمر كله، والبيعة بيعة الحياة؛ فالدين لم يكن يومًا موقفًا حماسيًا لا يلبث صاحبه أن ينكسر ويختفي بين الأكوام. إن المؤمن ثابت على الحق الذي معه، هين لين سهل، يعلم أن تلك صفات أهل الجنة. يجمع بين رسوخ الإيمان واستمرارية العمل، وبين اليقين ووضوح الغاية، لا يهمه عامل الزمن؛ فذلك أمر قد تكفَّل الله به، فالزمن عنده أمر نسبي ينتهي عند أناس بانتهاء حياتهم، ويبدأ عند آخرين بانتهائها، فتكون تلك المفارقات الغريبة بين موازين البشر وميزان رب البشر.
يقولون مات!
فإذا هو لتوه قد عاش، ويصرخ بها (حرام بن ملحان) والدم ناضح على وجهه، والرمح قد غرس في ظهره، وخرج من صدره وهو يقول: فزت وربِّ الكعبة!!
يقول أحدهم للإمام أحمد وهو يُعذَّب ويُجلد: أهلك وعيالك! فينظر إليه الإمام مستغربًا ويقول: إذا كان هذا عقلك فقد استرحت.
وتدمع عيون الصحابة لرؤيتهم مُصْعَبًا في ثيابه المرقعة، ومصعب هو مصعب مكة! الفتى الفتيّ الغني؛ فإذا الرسول -صلى الله عليه وسلم - يبتسم ويقول: «ما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير» ، ويترك ذلك كله حبًا لله ورسوله. أتراه خسر شيئًا حين لم يجدوا ما يكفنونه به إلا الإذخر؟ أم تراه قد فاز؟ لا شك أنها الثانية.
إن الحياة كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولذا كان المؤمن الحق لا يعطيها من قلبه أكثر من هذا القدر، تجد همه كله مستغرقًا في الثبات على الدين، يقض مضجعه أخبار المنتكسين والمتساقطين على جنبات الطريق، يمشي الهوينى ويتوخى الحذر، يحسب خطواته جيدًا؛ فالأمر أمر دين لا أمر شخص.
لا يهمه أن يكون جذعًا خشبيًا يلتفت إليه الناس لطوله وبروزه وهو أجوف تأتيه الريح فتخلعه من مكانه؛ فإذا هو صفر، يكفيه أن يكون سنبلة من بين السنابل تحمل في طياتها القمح، تذود عنه، ولا تسقطه مهما عصفت بها الريح وكذلك المؤمن، لا يسقط دينه مهما ادلهمت الفتن.
ولو دفن بعضنا بعضًا:
يمضي أبو بكر بخطى ثقيلة إلى غرفة عائشة ـ رضي الله عنها ـ فينظر إلى حبيبه وصفيه وفِدى روحه -صلى الله عليه وسلم - مسجى على الحصير، فيكشف عنه الغطاء، ويقبل جبينه، ويمسح وجهه ويقول: «طبت يا رسول الله حيًا وميتًا!» .
أي قوة تحمَّلهَا أبو بكر وهو يرى رفيق عمره ونبيه قد فارق الحياة! يخرج من عنده ليعلنها للجميع: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» فيجثو القوم على رُكَبهم من هول الحقيقة، ويمضي أبو بكر واثق الخطى لنصرة الحق الذي آمن به فيقول: «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه» إنه الحزم البعيد عن الضعف وأنصاف الحلول، وذلك هو الحق الأبلج لا غبش الأوهام والتقديرات.
إن أخوة الدين ورفقة السفر لم تكن يومًا توافق طباع أو هوى نفس، بل هي أخوة تربطها عقيدة صلبة وحبل متين، تتسامى فوق أخذ الحقوق وتصفية الحسابات ورد الاعتبارات، يمنعهم نقاء قلوبهم من إساءة الظن، وإشاعة الذنب، وتقليب صفحات الماضي.
إنه حب حقيقي استمد قوته ومتانته من حب الله الذي ألّف تلك القلوب على دينه، لا على أشخاص وأشكال، إنها أخوة السفر، والسفر طويل.
تتعلم فيه كيف تدفن أخاك، تهيل فوق جسده التراب، وتبتلع حزنك، ثم تسعى بكل عزم وقوة لتملأ فراغًا أحدثه غيابه.
لا تتوانَ ولا تتهاون، ولا يُلهِكَ حر المصيبة عن واجب الوقت.
صرخ الشيطان في أُحد: إن محمدًا قد قتل، فقعد أفراد من الصحابة، فمر بهم أنس بن النضر، ورمى بالحقيقة في وجوههم: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه!
نظر صاحبه إليه مبتسمًا، شد على يديه بقوة.
ومضيا يكملان الطريق
(1) صحيح ابن ماجه، 603، والمسند للإمام أحمد، (1/241) ، وانظر: تهذيب سيرة ابن كثير، للأستاذ مروان كجك، نشر دار طيبة بالرياض، الطبعة الأولى.
(1) صححه الألباني، الأحاديث الصحيحة، 3384.