مصطلحات ومفاهيم
د. محمد يحيى
مع تزايد نفوذ الولايات المتحدة وقوتها وغُدُوِّها مؤثرًا يكاد يكون وحيدًا في
توجيه مجريات السياسة الدولية من نواحٍ متعددة أبرزها: الإعلامية، والاقتصادية،
ومع تزايد التحليلات الفكرية التي تطرح لتفسير أبعاد هذا النفوذ وشرحه - كثر
ترديد مصطلح «الفكر البراجماتي» باعتباره يمثل الفلسفة السائدة في المجتمع
الأمريكي والبعد الفكري لقيم ذلك المجتمع ومفاهيمه ولسياسات أجهزة الحكم والقرار
وتوجهاتها هناك، وتراوح الحديث عن البراجماتية أو PRAGMATISM
(وهي اشتقاق يعود إلى الكلمة اليونانية بمعنى العمل أو الفعل أو الممارسة أو
المزاولة) في وصفها بأنها الفلسفة الأصلية التي تميز العقل الأمريكي عن مدارس
الفلسفة الأوروبية الكبرى المعروفة، من المثالية وحتى الوجودية مرورًا بالماركسية
والظواهرية ... إلى القول الدارج في المقالات الصحفية من أن ذلك المذهب لا
يعدو أن يكون توجهًا انتهازيًا يرتكز على اتباع الوسيلة - أية وسيلة - المحققة
للغرض موضع الاهتمام في لحظة معينة.
والحق أن الفكر البراجماتي يحتمل هذين التأويلين على تباعد البون بينهما من
الجدية إلى الاحتقار الهازئ؛ فالفكر البراجماتي الأمريكي يدين في تشكله إلى
مجموعة من العقول الفلسفية الأمريكية التي من أبرزها: ويليام جيمس وجون
ديوي منذ أواخر القرن الميلادي الماضي إلى أواسط الحالي، وصحيح كذلك أن
البراجماتية من هذه الناحية تعد إسهامًا فكريًا مهمًا يميز أمريكا عن أوروبا؛ ولكن
الصحيح كذلك أن البراجماتية امتداد أصيل لروافد رئيسة في الفكر الأوروبي
أبرزها الفكر التجريبي المستند إلى فلسفة العلوم الطبيعية الذي يحتوي على مكون
مادي مهم.
كذلك فإن جون ديوي وهو الركن الثاني في تكون البراجماتية وتطورها بعد
ويليام جيمس أو معه كان متأثرًا في مطلع حياته الفكرية وإلى أواسطها بالفكر
المثالي الألماني وإن تخلى عنه تحت تأثير جيمس. وأيًا كان الحال فقد طورت
البراجماتية الفكر التجريبي العلمي المادي الأوروبي النشأة، وجعلت منه الأساس
لمذهب يتجاوز نطاق الفكر الفلسفي المتخصص في مباحث علم المعرفة أو
الميتافيزيقا إلى المجالات الاجتماعية والسلوكية وميادين القيم والدوافع، وقبل كل
شيء الأخلاق.
ولعل الذي يصم البراجماتية بأنها مجرد مذهب يكرس نسبية الأخلاق والقيم
والانتقاء من القيم كما يناسب اللحظة أو الغرض أو الميل ينظر إلى المحصلة الذاتية
التي قد ينتهي إليها هذا المذهب دون أن يعبأ كثيرًا بينابيعه الفكرية الكبرى؛ ولكنه
لا يخطئ كثيرًا.
إن البراجماتية إذا لخصنا فكرها الجوهري ترفض ما تسميه بالمبادئ المطلقة
العامة، وترى أنها - في أهم ميدان فكري أو حياتي - جاءت نوعًا من الجمود
الذي لا يتفق مع المنهج التجريبي العلمي الذي حددته (بشكل مطلق كذلك!)
أفضل المناهج العقلية البشرية، وإذا كان المنهج التجريبي يقوم - كما يدل اسمه -
على التجربة والاختبار والتحقق باعتبارها وسائل وأدوات للوصول إلى المعرفة،
ويرفض الأفكار المسبقة ذات الطابع المطلق والعمومي باعتبارها مصادرة على
مرونة العقل ودقة المعرفة؛ فإن البراجماتية تتخذ من هذا المنهج ووفق هذا الفهم
نبراسها في وضع كافة المباحث الفلسفية الكبرى - كما أسلفنا - من علم المعرفة
والميتافيزيقا إلى الأخلاق والتعليم.
فالأفكار والقيم والمبادئ لا ينبغي أن تُعتَنَق بشكل مجرد وعمومي ومطلق
بمعزل عن واقع الحياة وممارستها (أي: المحك التجريبي العملي) وهذه الأفكار
والقيم والمبادئ التي يجب ألاَّ تكون منعزلة أو مفصولة عن واقع الحياة وممارساتها
ينبغي - وهذا هو ما يعنيه عدم الانفصال - أن تسهم في سيولة النشاط البشري
وتدفقه في سعيه الدائب والدائم إلى تحسين المعيشة (بالمعنى الأوسع لهذا المصطلح)
وحل المشكلات وتذليل العقبات التي تحول دون تحقيق السعادة للمجتمع.
والواقع أن كُنه البراجماتية نجده في هذا المبدأ المادي العلماني القديم، وهذا
المبدأ مستمد من الفلسفات الوثنية (اليونانية) القديمة؛ لكنه عاد يهيمن على مباحث
علم النفس الحديث بعد انفصاله في أواخر القرن الماضي عن الفلسفة، واصطناعه
للمنهج العلمي التجريبي. والمبدأ بسيط للغاية؛ فهو ينظر إلى الوجود البشري
بمعزل عن أي وجود أوسع؛ أي بمعزل عن الألوهية ووحيها وسننها ولا يرى
سوى هذا الوجود البشري، كما يرى أن هدفه وسعيه ومغزاه إنما هو تحقيق السعادة
للبشر في هذا العالم (وليس في الآخرة التي هو في شك منها) سواء أكانوا أفرادًا
أم جماعات، وسواء أكانت تلك السعادة كمًّا يقاس، أو كيفًا يذاق، وسواء أكانت
مادية خالصة أم مادية ونفسية معًا.
والسلوك البشري في سعيه لتحقيق تلك الغاية الكلية والغايات الفرعية الكثيرة
المؤدية إليها لا يسير في خط واحد سهل؛ بل يقابل المشاكل والعقبات التي يحاول
التغلب عليها، والمبادئ المطلقة أو الجامدة - في نظر البراجماتية - لا تساعد في
هذه العملية الحاكمة للسلوك البشري بل تعينها؛ لأنها تفقدها المرونة اللازمة،
والبديل عن هذه المبادئ أو القيم أو الأفكار الجامدة المعوقة (المطلقة المجردة)
والمنفصلة عن الواقع هو القيم والمبادئ والأفكار المجربة والمختبرة في نار الواقع؛
والصحيح منها هو ما أثبت الواقع والخبرة أنه يؤدي إلى النجاح؛ بمعنى: حل
المشكلات وتجاوز العوائق وصولًا إلى غايات السعادة البشرية.
أما الباطل والخاطئ فهو الذي يثبت الواقع والخبرة أنه لا يؤدي إلى النجاح
في ذلك، ومن هنا اشتهر عن البراجماتية أنها تحكم على الأفكار والقيم والمبادئ
بالصحة والبطلان لا بمعايير المنطق أو «الحق» .. إلخ؛ بل بمعايير النجاح أو
الإخفاق في تسهيل حركة السلوك البشري نحو غاية السعادة، ومن هنا كذلك اشتهر
عن البراجماتية اعتناقها للنسبية في القيم والأخلاق وسهولة التحول عن المبادئ لدى
معتنقيها دورانًا مع المصلحة كما يفهمونها بالمعنى المادي الدنيوي للسعادة.
والبراجماتية في جوهرها الذي عرضنا له هنا هي في الحقيقة التجسيد الحي
(أو أحد التجليات الكبرى) للفكر العلماني الغربي. إن القضية الحاسمة هنا هي أن
الوجود البشري يساس ويجري التفكير فيه في نطاق مغلق عن الله وسننه وأمره في
كونه، وما دام الوجود البشري قد عزل عن المصدر الإلهي فإن الباقي يصبح سهلًا
أو بالأصح: واضحًا وحتميًا؛ فالوجود البشري المعزول عن الله لن يفكر في آخرة
أو وحي أو شريعة إلهية تحدد له مساره، والهدف الأسمى سيكون هو السعادة
الدنيوية التي ستنحصر تعريفاتها المختلفة في المادة بدرجاتها. والقيم أو المبادئ أو
الشرائع المعتمدة في كل الميادين وأولها الأخلاق ستكون هي المؤدية بالسلوك
البشري بصورة أو بأخرى إلى الوصول لتلك الغاية الكبرى مرورًا بالغايات الفرعية
وحلول المشاكل وتذليل العقبات.
وما دام الأمر كذلك فلا مجال للقيم المطلقة العامة التي تقول البراجماتية إنها
ترفعها لصالح النسبية؛ لأنها لا تنبع من الواقع ولا تساعد بالأوْلى على حل مشاكله
والوصول بالنشاط البشري إلى تحقيق السعادة؛ لكن «الواقع» يقول: إن
البراجماتية ترفض ما تسميه بالمبادئ المطلقة في علوم الميتافيزيقا والأخلاق؛ لأن
تلك المبادئ مستمدة من الأصول الدينية التي ترفضها (المسيحية) استنادًا إلى
المنهج المادي المسمى بالتجريبي، أو العلمي الذي تعلي البراجماتية من شأنه.
قد تكون للبراجماتية أصول أوروبية رغم الزعم بأنها ذات أصول أمريكية
بحتة، وقد تكون لها دعاوى فكرية عالية المستوى تمثلت في طروحات فلسفية؛
لكنها عند التطبيق على مجال الأخلاق والسياسات والسلوكيات الاجتماعية - وهو
مجالها النهائي حسب تعريفها هي - نجدها ولَّدت لنا الاتجاهات النسبية الكبرى التي
زعزعت ميدان الأخلاق نفسه، وجعلت منه عبثًا بلا طائل؛ لأن القيم فيه متغيرة
تغير الواقع الذي يزداد تغيرًا كل يوم مع تراكم التغيرات بشكل مطرد، ولا نبالغ
إذا قلنا: إن أدواءًا تعاني البشرية منها اليوم كثيرًا في مجال القيم والأخلاق في كل
منحى من مناحي الحياة تعود في أصولها إلى سريان الفكر البراجماتي واستشرائه
في أفق التفكير الفلسفي المنعزل عن الحياة ليصبح هو الشريعة والقانون الذي يهدي
السلوك البشري ويحكمه، ولعلنا نضيف أن واسطة الانتقال من ذلك المجال إلى هذا
كان هو التعليم ومؤسساته.
ولعلنا نذكر أن أكبر مؤسسي الفكر البراجماتي (جون ديوي) كان له باع
كبير في ميدان التعليم، ووضع أسسه وسياساته في أمريكا ومنها إلى سائر دول
العالم بحكم التأثير الأمريكي المعروف والرغبة في تقليد الأقوياء على أمل الوصول
إلى قوتهم بالتقليد الأعمى، ولعل في ذلك ما يفسر لنا ما لاحظناه في العقود الأخيرة
من استماتة العلمانيين في البلاد الإسلامية في السيطرة على حقل التعليم في سعي
للوصول من خلاله إلى السيطرة على العقول بنشر فكرة العلمانية التي من أهم
أبوابها مبادئ نسبية القيم والأخلاق والأفكار.
ولعلنا كذلك نلاحظ في عبارة: «إن الفكر البراجماتي قد ظهر في بعضه
وفي آخر تجلياته في البلاد الإسلامية في الفكرة التي نسمعها كثيرًا حول تطوير
الشريعة أو في مفهوم الاجتهاد الفقهي لا باعتبار ذلك أداة لبسط سلطان المبادئ
الشرعية على نواحي الحياة؛ بل أداة لهدم عمومية مبادئ الشريعة الإسلامية نفسها
وفرض النسبية والتغير العشوائي عليها، كما يؤدي في النهاية إلى إلغاء تلك
المبادئ ذاتها؛ وذلك كله تحت شعارات: مجاراة العصر، واللحاق بركب التقدم،
والتحلي بروح العلم، والتمشي مع الواقع» وكلها من الأفكار التي تنضح بروح
البراجماتية، وقبلها بروح العلمانية أو اللادينية.
ومن اللافت للنظر أن الفكرة العلمانية التي تريد بسط مفاهيم النسبية على
الجميع حتى الدين المقدس والمطلق بطبعه لا تفكر أبدًا في أن تكون هي نفسها
نسبية أو بنت عصرها؛ لأنها جعلت من المنهج التجريبي - وهو اسم يدل على أنه
ليس مطلقًا - إلهًا مقدسًا يُعبد!