انتشار الإسلام
التعليم في أفريقيا
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
انتشرت الصحوة الإسلامية بفضل الله تعالى في أقطار عديدة من الأرض
شرقًا وغربًا، وشمل هذا الانتشار قارة إفريقيا السوداء.. إلا أنَّ حظها من هذه
الصحوة لم يكن كغيرها لظروف فكرية واجتماعية وبيئية تعيشها هذه القارة، لكن
العقد الأخير أظهر انتشارًا سريعًا للوعي الإسلامي فيها؛ مما يبشر بخير كثير -إن
شاء الله-.. وإن من أبرز مجالات الدعوة الإسلامية في تلك القارة: مدارس التعليم
الإسلامي بمراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية.. إذ أن الجمعيات الإسلامية
اهتمت بهذا الجانب أكثر من غيره لأسباب كثيرة، من أهمها: انتشار الجهل
الشديد في تلك القارة، وكانت بداية تلك المدارس رد فعل للمدارس التنصيرية أو
العلمانية، التي تسعى لمسخ الهوية الإسلامية في نفوس الناس. وقد نجحت بعض
المدارس الإسلامية في حماية بعض شباب الأمة من الوقوع في براثن التغريب
والتنصير.
وقد قمت بزيارة لمدارس عديدة في دولتي السنغال وجمهورية غامبيا في
الغرب الإفريقي، ووجدت أن المدارس الإسلامية الجادة قليلة جدًا، ومع ذلك فهي
لا تخلو من عيوب كبيرة، ولمست بعض العوائق التي تؤثر سلبًا على مسيرة
التعليم في تلك المدارس، ومن أهمها:
أولًا: المناهج الدراسية:
تعتمد المدارس الإسلامية - في أغلب الأحوال - على المناهج المقررة في
الدول العربية، وخاصة مقررات المملكة العربية السعودية.. ومن هنا تبدأ المشكلة، إذ أن تلك المناهج ألفت لتتناسب مع العقلية العربية والخلفية الفكرية الاجتماعية
للطلاب، وصيغت بأسلوب يتلاءم مع أناس يعرفون العربية قراءة وفهمًا.. ومن
ثَم فإن نقل هذه الكتب إلى بيئة اجتماعية وفكرية مختلفة تمامًا سوف يؤثر حتمًا على
مستوى التعليم، خاصة أن بعض تلك الكتب ألفت لمناقشة بعض الأوضاع التي
تناسب المكان المقرر فيه.. ومن الطريف أنني دخلت أحد الفصول الدراسية
للمرحلة الإعدادية ورأيت المدرس يشرح لتلاميذه تضاريس دولة الإمارات
العربية..! ...
وفي فصل آخر: رأيت أحد المدرسين يُعلِّم تلاميذه مسألة التعصيب في علم
المواريث من كتاب مقرر في المعاهد العلمية السعودية.. مع أني أجزم بأن كثيرًا
من الطلاب لم يتعلم في تلك المرحلة أساسيات العبادات والمعاملات..!
وأحيانًا تجد في المدرسة الواحدة بل في الفصل الواحد منهجًا من وزارة
المعارف السعودية، ومنهجًا آخر من مناهج المعاهد العلمية، وثالثًا من الأزهر،
ورابعًا من الكويت.. وهكذا لينتج خليطًا غير متجانس من المقررات المبعثرة التي
قد لا يربطها رابط.. مع أن بعض المدارس قد تعتمد بعض الكتب المنهجية التي لا
تخلو من انحرافات عقدية بدعية لأنها هي المتوفرة لديهم! ! هذا إذا توفرت النسخ
للطلاب، حيث تعاني معظم المدارس الإسلامية من ندرة الكتب المقررة التي لا
توجد إلا في يد المدرس، ومعه عدد قليل من الطلاب، وأذكر أني رأيت في إحدى
المدارس السنغالية كتاب التفسير في يد أحد المعلمين من مقررات وزارة المعارف
السعودية المطبوعة في عام 1384 هـ!
وهذا التشتت في المناهج المتعلقة بالعلوم الإسلامية واللغة العربية، ولو انتقلنا
إلى العلوم التجريبية والتكنولوجية لوجدنا الكثير من المضحكات والمبكيات، إذ أن
كثيرًا من المدارس الإسلامية لا تهتم بتدريس مواد العلوم والرياضيات، وإن درست
فهي تدرس بشكل بدائي لا يكاد يؤثر تأثيرًا بيِّنا في المستوى العلمي للطلاب..
ولهذا فالغالب أن المدارس الإسلامية غير معترف بها حكوميًا. بمعنى: أن
المتخرج من المدارس الإعدادية الإسلامية لا يستطيع أن يلتحق بالمدارس الحكومية
الثانوية، وعلى ذلك فقس في بقية المراحل. بل إن المتخرج من المدارس
الإسلامية لا يُقبل للعمل في القطاعات الحكومية المختلفة، لأنه لم يدرس اللغة
الرسمية للبلد، ولم يتعلم الثقافة العصرية، فأصبح الأطباء والمهندسون
والإعلاميون والاقتصاديون من غير المسلمين، أو ممن تربى في المدارس العلمانية
أو التنصيرية.
وهذا الأمر أوجد هوَّة واسعة بين تلك المدارس وبين القطاعات الرسمية، مما
جعل المسلمين المتميزين بعيدين تمامًا عن قيادة المجتمع من الناحيتين الفكرية
والإدارية. من أجل ذلك أصبحت المدارس الإسلامية في أغلب الأحوال وقفًا على
الفقراء والمساكين الذين لا يملكون قيمة الرسوم في المدارس الحكومية، فيلتحقون
بالمدارس الإسلامية لأن الرسوم منخفضة ميسورة. أو يلتحق بهذه المدارس الطلاب
الذين لم يستطيعوا الاستمرار في المدارس الحكومية لضعف مستواهم العلمي.
وهكذا يدور الطلاب في حلقة مفرغة، يأتي الطالب من الحقل أو المرعى
ليدرس، ثم يتخرج، ليعود مرة أخرى للحقل أو المرعى.. وإن يسر الله له منحة
إلى بلد عربي وأخذ الشهادة الجامعية؛ رجع لمدرسته - إن استطاع - ليدرِّس فيها
جيلًا آخر، أو عاد كغيره للحقل أو السوق، ليعمل في التجارة الخفيفة.
وهذه المشكلة دفعت بعض الجمعيات الإسلامية إلى افتتاح معاهد للتدريب
المهني، لتدريب الشباب على النجارة والحدادة وأعمال الكهرباء.. وهذا أمر جيد
بلا شك، لكنه يبقي المسلمين بعيدًا عن معترك القيادة والتوجيه للمجتمع، فلا أظن
أنَّ المقصود فقط هو تأمين لقمة العيش فحسب - وإن كان ذلك مطلوبًا - بل
المقصود: قيادة المجتمع وتوجيهه الوجهة الإسلامية المتكاملة.
ثانيًا: المدرسون:
تعاني المدارس الإسلامية في إفريقيا من قلة المدرسين الأكفاء تربويًا وعلميًا.. ولابد أن يظهر أثر هذا الضعف على مستوى الطلاب. فبعض المدارس
الإسلامية تعتمد على مدرسين يحملون الشهادة الإعدادية لتدريس الطلاب في
المرحلة الابتدائية، ومدرسين يحملون الشهادة الثانوية للتدريس في المرحلة
الإعدادية.. وهم يفعلون ذلك لقلة المدرسين المتخصصين، ولأن أولئك أقل تكلفة
من الناحية المالية، وعلى أحسن الأحوال فهم يعتمدون على خريجي الجامعات
العربية لتدريس جميع المواد لجميع المراحل. حتى أن بعض المدرسين المتخرجين
من الجامعات الشرعية قد يكلفون بتدريس مادتي الرياضيات والعلوم.
ونتيجة لضعف المستوى العلمي للمدرسين أصبحوا يهتمون بتحفيظ الطلاب
تحفيظًا مجردًا ولا يهتمون بتاتًا بالمحتوى العلمي الشرعي أو التجريبي.. وإذا
قرنت بين مشكلة المناهج الدراسية وعجز المدرسين عن توصيل تلك المناهج على
ما فيها من العيوب.. فلك أن تتصور مدى الضعف العلمي والتردي الفكري الذي
يصيب الطلاب على وجه العموم.
ويتبع ذلك القصور الإداري والتنظيمي في كثير من تلك المدارس، فكثير
منها يفتقد التخطيط والدراسة والتنظيم.
ثالثًا: التميُّز:
التميز في المدارس الإسلامية ظاهر والحمد لله إذا قورنت بنظيراتها من
المدارس الحكومية أو التنصيرية، لكن يظهر هناك قصور في عدة جوانب، أذكر
منها:
1-الاختلاط: الاختلاط في الدول الإفريقية سمة طبيعية لتلك المجتمعات،
بسبب الخلفية الاجتماعية والظروف الاستعمارية والتغريبية التي مرت عليها.
والعجيب أن معظم المدارس الإسلامية - إن لم تكن كلها - لم تسلم من ذلك الداء،
ولا أعني المدارس الصوفية أو غيرها.. بل أعني: المدارس ذات الاتجاهات
الفكرية الجيدة.. صحيح أن بعض المدارس تلزم الطالبات بما يسمى بالحجاب
الإسلامي.. وصحيح أن الطالبات يوضعن في طرف والطلاب في طرف آخر. إلا
أن الاختلاط متحققٌ قطعًا.. وتكمن الخطورة في المرحلة الإعدادية والثانوية.
وقد لمست من حيث الجملة: قلة اهتمام من الطالبات بالحجاب، وضعف
متابعة من المدرسين لهذه القضية. وقد يحتج القائمين على تلك بحجج منها:
أ- أنهم لا يستطيعون بناء مدارس مستقلة للنساء لضيق ذات اليد.
ب - حتى لو تم بناء مدارس خاصة للنساء، فيصعب عليهم توفير معلمات
قديرات، ولهذا قد يضطرون إلى الاستعانة بالرجال.. وهذه أشد.
والقائمون على تلك المدارس يعلمون جيدًا أنهم قادرون على تجاوز هذه
العقبات لو كانوا جادين في طرح المشكلة والاهتمام بها.
2-تعتمد المدارس الإسلامية على النظام الحكومي في بداية وانتهاء العلم
الرسمي.. وبسبب الخلفية الاستعمارية اعتمدت الدولة يومي السبت والأحد عطلة
رسمية، وتبعتها على ذلك المدارس الإسلامية في السنغال، مع أنها غير ملزمة
إداريًا بذلك.. ولا أظن أن هذه المسألة هينة فيما قد يبدو، حيث إن في ذلك تذويبًا
لقضية الولاء والبراء، وتهاونًا في مخالفة النصارى.
ومع تلك الملاحظات إلا أن المدارس الإسلامية تقدم جهدًا مباركًا في توعية
الناس وتعليمهم أمور دينهم، وتحميهم من حبائل المنصرين وشراكهم. ولتجاوز
تلك العقبات؛ أطرح هذه التوصيات:
أولًا: إعداد مناهج جديدة للعلوم الشرعية وتعليم اللغة العربية، تتناسب مع
خلفيات بلادهم الفكرية والاجتماعية، لنعالج المشكلات الإسلامية والحياتية التي
يعاني منها أهل تلك المنطقة، وتحتاج هذه المناهج إلى دراسات واعية ومتعددة
تخضع لتجارب ميدانية متزنة، وبذلك نضمن نشر اللغة العربية وتعميق الوعي
الشرعي بين الطلاب، بالإضافة إلى تحصينهم من شبهات النصارى والقاديانيين.
وأقترح أن تكون هذه المناهج من المراحل الأولى، ثم ينتقل بالطلاب تدريجيًا
من مرحلة إلى أخرى، مع التقويم المستمر لكل مرحلة تربويًا وعلميًا ولغويًا.
ثانيًا: اعتماد المناهج الحكومية الأخرى في الرياضيات والعلوم وغيرها،
وتدرس باللغة الرسمية للبلد، وبذلك نضمن التواصل بين المدارس الإسلامية
والمجتمع من حولهم، وبهذا نيسر للطلاب المسلمين المتميزين الدخول في الجامعات
التكنولوجية، ليكون لهم دور في الطب والهندسة، وغيرها من المجالات التي توجه
البلد وتدير دفته.
ثالثًا: محاولة تشجيع وتبني الطلاب المسلمين المتميزين الذين تيسر لهم
الدخول في جامعة داكار لدراسة العلوم التجريبية الحديثة، وتثقيفهم بالثقافة
الإسلامية اللازمة، وتعليمهم اللغة العربية قراءة وكتابة.
رابعًا: إعداد دورات مستمرة لتدريب المعلمين وتثقيفهم في شتى مجالات
المعرفة العلمية والتربوية القادرة على الإنتاج البنَّاء في هذا المجال.
ويتبع ذلك إعداد دورات مستمرة للإداريين لنضمن حسن الإدارة والتنسيق
والتنظيم.