فهرس الكتاب

الصفحة 2853 من 5925

المسلمون والعالم

من يطفئ الأمل ... في أفغانستان؟ !

د. طارق العولقي

مدخل:

الصراع الأفغاني الذي اندلع إبان القضاء على الحكم الشيوعي في أفغانستان،

جعل المسلمين ينقسمون على أنفسهم في فهم أسباب النزاع أو في أهدافه، وقد

قدمت تحليلات كثيرة ولكنها لم تضع يدها على الأسباب الحقيقية والكاملة للصراع،

وبالنظر إلى أن فهم ما يدور الآن في أفغانستان، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتفصيلات

النزاع الذي وقع بعد تحرير كابل، فإننا بحاجة إلى تحليل مترابط وواضح يجلّي لنا

خلفيات تلك الفصول الأخيرة من القضية التي اجتمعت حولها قلوب المسلمين في

العالم في يوم من الأيام بما لم يحدث مع أي قضية أخرى، ونريد أن نؤكد من

البداية أن قضية الجهاد الأفغاني لم تنته بعد، والدروس المستفادة منها لا ينبغي أن

تدفن تحت أكوام التجاهل والنسيان بمجرد مرور سحابات سود فوق سمائها مهما

كانت داكنة؛ فآلاف الشهداء وملايين المهاجرين والمشردين، وبلايين الأموال التي

أنفقت في صناعة الأحداث هناك، لا يمكن إهدارها وعدم اعتبارها لمجرد التعبير

عن موقف (احتجاج) من المسلمين الصادقين.

نعم إننا لا نسوّغ ولا يمكن أن نسوّغ الخطأ لأحد؛ فالخطأ مردود على

أصحابه مهما كانوا، ولكننا أيضًا لا ينبغي أن نشطّب على التجربة بكاملها بسبب ما

اعتور مسيرتها من خلل في بعض مراحلها، وأخطاء واضحة في نهاية مراحلها لا

يمكن اعتبارها مجرد اجتهادات.

ونحاول الآن أن نرجع بالقارئ إلى بعض النقاط المهمة التي ربما تكون قد

نسيت في معمعة الأحداث وتداخلها مما أوجد نوعًا من الضبابية المتشائمة واليائسة

من ترقب بصيص من الأمل لاستنقاذ ثمرات أو بعض ثمرات الجهاد الأفغاني

الطويل.

وإننا نذكر القارئ بتلك النقاط المهمة لكي نفهم معًا ما الذي حدث؟ وما الذي

يمكن أن يحدث في أرض الأمل الذي يراد له أن يضيع إلى غير رجعة؟

أولًا: جذور النزاع الداخلي:

من المعروف أن المجتمع الأفغاني مجتمع قبلي مختلف في أجناسه وأعراقه

ولغاته ولهجاته، وهذا يكرس العصبية القبلية على شكل يجعل منها مقياسًا لكل

شيء في حياة الإنسان الأفغاني، ومعظم القبائل في أفغانستان تتحدث لغة (البوشتو)

وهي لغة تنتشر في جنوب وجنوب شرق وغرب أفغانستان، والقبائل التي تنطق

(البوشتو) كبيرة جدًا إذا ما قورنت بقبائل الوسط والشمال، ولذلك فإن قبائل البوشتو

ينظر أهلها إلى أهل الولايات الشمالية والوسطى على أنهم أغراب عن المجتمع

الأفغاني؛ فمعظمهم نزحوا من بلاد طاجيكستان أو إيران أو تتراستان باحثين عن

الرزق، متنقلين وراء فرص الحياة الأفضل، وهؤلاء يتحدثون اللغة الفارسية،

ونظرًا إلى أن هذه اللغة هي التي كتبت بها العلوم والثقافة لكون بلادها أكثر تقدمًا

علميًا وصناعيًا، فإن هذا جعل من قبائل الناطقين بها من أهل الشمال أقرب إلى

مراكز الثقافة والعلوم من سكان الأرض الأصليين البالغين نحو 65% من إجمالي

تعداد السكان الذين يحتلون نحو 60%من أراضي أفغانستان.

أما التعليم فنسبة المتعلمين من البوشتو (تعليمًا دينيًا ومدنيًا) تبلغ 17% من

مجموع المتعلمين، بينما تصل نسبة المتعلمين من الطاجيك إلى نحو 80%.

ويلاحظ أيضًا أن التوزيع المذهبي فيه اختلاف؛ فبينما تنتسب قبائل البوشتو إلى

مذهب أهل السنة (على المذهب الحنفي) بنسبة 100% فإن نسبة أهل السنة من

الطاجيك لا تزيد عن 70% بينما ينتمي نحو 30% منهم إلى المذهب الرافضي

الاثني عشري، ويعطون ولاءهم لإيران.

إن هذا الاختلاف في طبيعة التكوين القبلي، أوجد نظرة شبه عدائية بين أهل

الشمال وأهل الجنوب؛ فالشماليون ينظرون إلى أهل الجنوب على أنهم (متخلفون)

ليست لهم ثقافة ولا حضارة فليسوا، إلا مجرد قبائل من الرعاة.

وبطبيعة الحال فإن الأوضاع المذكورة سهلت لأهل الشمال السيطرة على

مجريات الحياة بما لا يسمح لقبائل البوشتو أن تزاحمهم عليه.

أما ما يراه البوشتو ميزة لهم على الطاجيك فهو أنهم يمثلون الأكثرية العددية،

وأصحاب المواطنة الأصلية، وعندما يتعالى عليهم الطاجيك بثقافتهم يقول لهم

البوشتو: نحن الذين آويناكم من الظلم، وأنقذناكم من التشرد، فنحن أفغانستان،

واللغة الأفغانية التي يتحدث بها شعبنا (البوشتو) نسبت إلينا.

ثانيًا: صراع القطبين على أرض أفغانستان:

لقد ألقت هذه الخلفيات ظلالها على الأحداث في تاريخ أفغانستان المعاصر؛

ففي أواخر عهد الملك ظاهر شاه (الطاجيكي) كان الخطر الشيوعي قد لاحت بوادره

في الشمال، وكان مدعومًا من الاتحاد السوفييتي (السابق) المتطلع إلى السيطرة

على أفغانستان للتسرب منها إلى جنوب غرب آسيا والتوغل إلى أواسطها؛ حيث

المياه الدافئة ومنابع النفط والدول الاستهلاكية.

وبينما كان السوفييت يضعون أعينهم على تلك الأهداف وهم يدفعون بالعملاء

الشيوعيين الأفغانيين، كان الأوزبك يرمقون تلك النوايا الشيوعية بعين الترقب

والحذر، الذي ترجم بعد ذلك إلى جهود مركزة للانقضاض على هذا المخطط

وإجهاضه.

والحاصل أن حلبة الصراع الدولي قد نصبت في شكل حرب باردة بين

السوفييت والأمريكان على أرض أفغانستان، ودار الصراع هناك على مرأى

ومسمع من الأطراف الدولية والإسلامية والعربية حيث فضل الكثيرون التمتع

بمشاهدة مباراة المصارعة بين القطبين الدوليين دون التورط في عنفها وتداعياتها.

ولم تلبث تلك الحرب الباردة في الخارج أن تتحول إلى حرب ساخنة في

الداخل، وذلك عندما خرج الملك (داوود) إلى وسائل الإعلام منتقدًا بعض تعاليم

الإسلام؛ حيث أعلن عن تأييده لسفور المرأة وانتقد ما أسماه (عهود الظلام) التي

كانت تعيش فيها المرأة الأفغانية، معرّضًا بذلك بدين الإسلام نفسه، وسخر صراحة

من الزي الإسلامي للمرأة، وسخر من اللحية والقلنسوة بأسلوب مستفز مستندًا إلى

الدعم المفتوح من القوة الكبرى الثانية في العالم (الاتحاد السوفييتي) وزاد على ذلك

أن أعلن أن النظام الذي ستتبناه الدولة طريقًا للحكم هو (الشيوعية) .

وقد وقع هذا الكلام على جماهير العلماء والمثقفين الأفغان وقوع الصاعقة،

وأيقنوا أن أفغانستان وقعت فريسة في مخالب الدب الأحمر بالفعل، ولم يبق إلا أن

يفتح فمه لابتلاعها وهضمها، وعندها لم يتردد علماء الدين في اتخاذ القرارات في

أصعب الأوقات.. لقد أعلنوا الجهاد.

ثالثًا: موقف الغرب من الصراع:

كانت دول الغرب وعلى رأسها أمريكا أول من قرر التصدي للمد الشيوعي

في أفغانستان؛ لأن مصالحهم كانت تفرض عليهم ذلك، فالتقت بذلك إرادة الشعب

الأفغاني الرافض لسيطرة الإلحاد مع إرادة الدول الغربية الرافضة لمخطط الهيمنة

الماركسية على الدول المجاورة، ولكن عكّر على هذا الاشتراك في الإرادة والهدف

أن الغرب الصليبي الحانق على السوفييت كان حاقدًا على الإسلام أيضًا؛ فهو لا

يريد أن يقال في يوم من الأيام إن الإسلام جدير بمواجهة الخطر الماركسي على

العالم، فإن هذا القول قد يأتي عليهم بخطر أكبر من الخطر الماركسي ذاته! !

لهذا قرر الغرب أن يخوض صراعًا مشتركًا مع الطرفين معًا:(الماركسية

والإسلام)ثم يتفرغ بعد ذلك للخطر الأكبر: (الخطر الأصولي) ! !

ولهذا فإن الغرب ألقى بثقله خلف الجهاد الأفغاني داعمًا ومؤيدًا، لا حبًا

للأفغان أو الإسلام ولكن حرصًا على إسقاط المعسكر الشيوعي المناوئ عبر حروب

لا تكلف الغرب خسائر جسيمة.

رابعًا: طبيعية القبائل وطبيعة الأرض:

لقد أثرت طبيعة القبائل وطبيعة الأرض في طبيعة الحرب التي اندلعت فوق

ربوع أفغانستان؛ فالأراضي هناك ذات طبيعة جبلية، وكان لذلك أثره الواضح في

رسم معالم الصراع هناك؛ حيث تنتشر الجبال الشاهقة التي من أشهرها

(الهندكوش) وسلسلة جبال (الهملايا) من الجهة الشرقية، وهي امتداد لجبال

(الهملايا) مع الحدود الصينية والكشميرية؛ هذه الطبيعة الجبلية الرهيبة جعلت

للقبائل نفوذًا كبيرًا على الأرض. وطبيعة المعركة أيضًا فرضت على القبائل

التدخل المباشر في القتال دفاعًا عن الإسلام الذي يرتبط بوجدان الإنسان الأفغاني

العادي، أو على الأقل حمية للأرض والدم والعرض والقبيلة والشرف.

وكان تدخل بعض القبائل في بعض الأحيان تدفع إليه عوامل مادية نفعية

وأحيانًا انتهازية. مما جعل مشاركتها في الجهاد عبئًا عليه؛ لأن تلك القبائل كانت

تدخل معترك الجهاد دون أدنى إدراك لمعانيه وفقهه وروحه، وفي أحيان أخرى

كانت الأعراف القبلية تفرض على أفراد القبيلة أن يدخلوا الجهاد احترامًا لقرار قائد

القبيلة؛ فعندما يقرر الزعيم انحياز قبيلته للقتال في معركة ما، فلا يستطيع أحد

أفرادها أن يعارض ذلك، ولهذا فإن شريحة لا يستهان بها من المقاتلين كانوا

يقاتلون طاعة للقبيلة وإذعانًا لرغبتها وتنفيذًا لأوامرها، وهذا كان يحصل من

التعارض بين مصلحة القبيلة وقراراتها وبين المصلحة العامة للجهاد التي كانت

تحتم النزول على رأي قيادة موحدة تقود ذلك كله.

إذن؛ لم يكن بوسع قادة الجهاد من زعماء الأحزاب والفصائل الجهادية أن

يلزموا قادة القبائل في كل الأحيان بخط الجهاد، ولم يكن بوسعهم أيضًا أن

يستبعدوهم من المشاركة في الجهاد أو يمنعوهم من القتال معهم في المعركة

المصيرية التي تحتاج إلى كل جهد وكل مشاركة، ولم يكن ثمة وقت لتعليم تلك

القبائل فقه الجهاد وروحه؛ فالأحداث كانت تتسارع بما لا يدع فرصة لالتقاط

الأنفاس أو الوقوف مع النفس للتأمل والنظر والتنظير.

خامسًا: تطور الجهاد ... إخفاق القيادة:

عندما بدأ الجهاد كان القادة الملمّون بالعلم الشرعي (المولويون) كثيرين نسبيًا، ومع استمرار المعارك، استشهد العشرات منهم، ولم يبق من العناصر الجهادية

المنضبطة بأصول الشرع إلا القليل، وبرز منهم خمسة وهم:(سياف، ويونس

خالص، ورباني، وحقاني، وجميل الرحمن)على تفاوت بينهم رسوخًا في العلم

والمنهج أما القادة الميدانيون فكانوا رجالًا مجاهدين غير علماء، ولا شك أنهم قدموا

الكثير الكثير، وكانوا السواعد القوية للقادة المولويين، ومن هؤلاء القادة الميدانيين: (أحمد شاه مسعود) من قادة رباني (الجمعية الإسلامية) و (توربلية) و (سازنور)

من قادة سياف (الاتحاد الإسلامي) وخالد الشهيد من قادة حكمتيار (الحزب الإسلامي) . هؤلاء القادة وغيرهم، قام كثير منهم بعمليات كبيرة وقدموا تضحيات عظيمة،

وكان لهيب المعركة يغيبهم في أتونه الرهيب حتى إن منهم من لا يستطيع حلق

رأسه لعدة أشهر أو يغير ملابسه لعدة أسابيع، أو يتناول طعامًا عاديًا لعدة أيام؛ كل

ذلك في مراحل الجهاد الأولى، ولكن الأحوال بعد ذلك بدأت تتغير، وهذا الزخم

الروحي الجهادي بدأت تطغى عليه عوامل الانشغال، خاصة بعد أن كبر حجم

المنظمات المجاهدة وكثر أتباعها، وتفرعت مكاتبها في العواصم المختلفة حتى

صارت كالسفارات، وقد فرض تعاظم حجم المنظمات عليها أن تنشئ لها فرقًا من

العاملين في الأنظمة المالية والإدارية والإعلامية والصحية، وكذلك ما كان بمثابة

نواة لأجهزة اتصال ومخابرات. لقد غدا كل تنظيم بمثابة دويلة صغيرة لها ما

للدولة من مقومات، وهذا كله أوجد الحاجة للوفاء بالتزامات مالية كبيرة كانت تصل

مع بعض الأحزاب إلى أكثر من 250 مليون دولار في السنة، هذا بخلاف تكلفة

شراء الأسلحة أو تصنيعها والإنفاق على المجاهدين وذويهم، وأدى كل هذا إلى

تعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق القادة الأفغانيين الكبار.

سادسًا: نشوء الفجوة بين القمة والقاعدة:

لقد أدى ذلك التطور في حركة الجهاد الأفغاني إلى نشوء فجوة قادت إلى جفوة

بين قادة الجهاد وشريحة العوام من الشعب الأفغاني، أولئك الذين هاجروا أو هُجّروا

إلى باكستان، ولم يعد القادة قادرين على متابعة شؤون هذه الجماهير مع متابعتهم

لشؤون المقاتلين على ساحة الجهاد، والمثال الواضح على ذلك كان في قطاع التعليم

والثقافة؛ حيث شمل فقر الإمكانيات ما يزيد عن 90% من الشعب الأفغاني المهاجر

وأعجزهم عن أن يوفروا لأبنائهم قدرًا من التعليم أو الثقافة فترة الحرب، وقد

تزامن هذا مع تزايد تدفق الأموال على الجهاد والمجاهدين، فبدأت جموع الشعب

المهاجر تنظر إلى المنظمات الجهادية على أنهم مرتزقة يتكسبون من الحرب

ويتاجرون بآلام الشعب، وعليه فإنهم لا يريدون نهاية لتلك الحرب، واستولت على

بعضهم ظنون بأن كل قائد يتصرف كرئيس دولة، ويفعل ما يشاء في ميزانيات

ضخمة تخص تنظيمه. وظلت مشاعر السخط هذه شبه مدفونه إلى أن حركتها

الأحداث بعد ذلك عندما دُكت المدن وصُبت النيران على رؤوس المواطنين بعد

التحرير بسبب خلافات بين أولئك القادة. أضف إلى ذلك أن مشاعر العداوة القبلية

ظلت تحرك الضغائن وتزيد من غلوائها.

سابعًا: سُنّة التدافع تتجسد في أفغانستان:

لقد كان من تدبير الله أن يقف الغرب مع الجهاد الأفغاني وقوفًا مصلحيًا فضلًا

عن دعم دول عربية وإسلامية، في البداية فزاد التعاطف الجماهيري الهائل وراء

جهاد الأفغان، وكان ذلك يصب في النهاية في اتجاه الانتقام الإلهي من إمبراطورية

الإلحاد.

وانتهت الحرب بانتصار الأفغان، وأعقب ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي، وبدا

للدول الغربية أن الجهاد الأفغاني كان له دور هام في هذه النهاية التعسة لعملاق

الطغيان الإلحادي؛ فالشيوعية كُسرت في أفغانستان، وبدأت تنحسر في أنحاء

أخرى من العالم، وأصبحت كل المؤشرات تدل على مستقبل واعد للمد الإسلامي

يحل محل المد الشيوعي، وهنا صمم الغرب على أن يتحول الصراع في أفغانستان

من معركة لإخراج الشيوعية إلى معركة لإحراج الإسلام وزلزلة أركانه والحيلولة

دون تمكينه على أرضها. لقد كبر على الأوربيين والأمريكان أن يقال: إن الإسلام

أسقط القوة الإلحادية الكبرى في العالم، فقرروا أن يدبروا فصولًا أخرى بطريقة

أخرى في المعركة ... لقد قادوا حربًا مع المجاهدين عن طريق دعم القوى المناوئة

لهم، وبعد عامين أدركوا أن القضاء على قوة الجهاد مستحيلة، فزجوا بالأمم

المتحدة لكي توجد حلًا في أفغانستان لا يتعارض مع رغبات الغرب، وأعلن الأمين

العام للأمم المتحدة آنذاك (ديكويلار) أن لديه حلًا يتمثل في تنصيب مجلس حكم

لأفغانستان، يتشكل من أربعة عشر رجلًا، والعجيب أن هذا المجلس المقترح

يتكون من أعضاء يحملون الجنسية الأمريكية! ممن لم يكن لهم طيلة سنوات

الحرب أي اهتمام بالجهاد وهمومه؛ وبذلك ظهر للجميع أن أمريكا تريد حكومة

أفغانية في مظهرها، أمريكية في توجهها.

وبدا الضغط على المجاهدين حتى يسلموا رقابهم لهذا الحل المفجع، وكان من

الطبيعي أن يرفض قادة الجهاد هذا الحل، وأن يرفضوا التوقيع على أي من بنوده، بل إنهم أعلنوا أنهم سيرحبون بأعضاء الحكومة الجديدة على طريقتهم الخاصة،

وذلك برصهم جميعًا في صف واحد ثم رشهم بالرصاص ليتم بعد ذلك دفنهم في

أربعة عشر قبرًا متجاورة.

ولكن الضغوط مورست تجاه هذا الموقف الصلب للقادة، حتى تُفَلّ حدته

وتلين شدته؛ فأمريكا استغلت الموقف الباكستاني الموالي لها، وطلبت من الحكومة

الباكستانية الضغط على بعض المنظمات الجهادية المرتبطة بها، وضغطت عليها

أيضًا بطريق غير مباشر، وبالفعل أقدمت بعض المنظمات على التوقيع على

الاتفاقية في باكستان، وبدأ التوقيع من (سميع الله) قائد الجماعة السلفية الأفغانية

خليفة الشيخ جميل الرحمن، وأعقبه في التوقيع رباني، ثم حكمتيار، وكان هؤلاء

القادة يستجيبون تحت الضغط على التوقيع، ويظهرون للناس يقينهم بأن الاتفاقية

فاشلة وغير قابلة للتنفيذ عمليًا لأسباب عديدة منها تغير الأوضاع في البلاد بعد

سنوات الحرب الطويلة، ثم طبيعة الشعب الأفغاني الرافضة تقليديًا لكل وضع

يفرض عليه قسرًا، وأظهرت الأحداث شدة ما وقع من ضغوط على القادة حتى

تسلسلوا في الاستدراج للتوقيع، ثم وقعوا جميعًا باستثناء قائد واحد أصر على

رفض الاتفاقية شكلًا ومضمونًا وهو الشيخ عبد رب الرسول سياف.

انتقلت الدول الغربية من خلال الأمم المتحدة إلى خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق

فبدأت الترتيبات لنقل أعضاء الحكومة المفروضة لتتسلم مقاليد الحكم، وتسارعت

الخطوات لتنفيذ بنود الاتفاقية الموقع عليها من جل القادة قبل أن يبدؤوا في التفكير

في وضع بدائل أو حلول أخرى تخرجهم من المأزق الذي وصلوا إليه.

وأدرك المجاهدون أن الغرب جادّ في إخضاع أفغانستان لسيطرة أمريكا

النصرانية بعد أن استنقذها الله بالجهاد من الحكم الشيوعي السوفييتي، وهنا اتخذ

القادة السياسيون والعسكريون والقادة الدينيون أيضًا قرارًا استراتيجيًا موحدًا بدخول

كابل لقطع الطريق على أمريكا قبل أن تجني هي ثمار سنوات من الجهاد المر الذي

ذهب بما يقرب من مليوني شهيد، فضلًا عن آلاف المشردين والمهجرين

والمتضررين بشتى أنواع الضرر.

ثامنًا: السقوط.. مع سقوط كابل:

لم تكن هناك وسيلة لدخول كابل إلا عن طريق مدينة جلال أباد؛ فجبال

أفغانستان الشاهقة لم تكن تسمح بدخول المدينة بسهولة من أي مكان آخر. وبعد

دراسة معطيات الواقع وضعت خطة الهجوم لفتح كابل؛ بحيث يهاجم حكمتيار من

الجهة الجنوبية الشرقية، وقوات مولوي حقاني وسياف ويونس خالص من الجنوب

الغربي، وقوات رباني بقيادة أحمد شاه مسعود من الشمال، (الشمال الشرقي لكابل)

وكانت الجبهة في شمال كابل عبارة عن بعض قوات للجيش الحكومي الشيوعي

تغلب عليها ميليشيات عبد الرشيد دوستم، وهو من مرتزقة الحرب، وقد حالف

الشيوعيين طيلة سنوات القتال، وهو من الطاجيك، ويتخذ من مزار شريف

عاصمة ولاية بدخشان مركزًا له في شمال أفغانستان؛ فقواته كانت تسيطر على

شريان الشمال وهو الطريق الواصل بين الاتحاد السوفييتي وأفغانستان وباكستان،

وقد هيأ له هذا الوضع نفوذًا كبيرًا وقوة لا يستهان بها في إدارة المعركة حيث

طريق السلاح والعتاد والمؤن.

لقد حدث أن تحالف أحمد شاه مسعود مع دوستم ضد الشيوعيين، وسلمه

الأخير مناطق مهمة، وساعده في دخول كابل من جهة الشمال، وكان حكمتيار

يحارب في ذلك الوقت في جبهات الجنوب في معارك شرسة، حيث دارت رحى

قتال رهيب استشهد فيه أكثر من عشرة آلاف مقاتل قاتلوا ببسالة نادرة لفتح جلال

أباد طمعًا في الوصول منها إلى كابل من الجنوب.

فلما تم لأحمد شاه مسعود دخول كابل من الشمال بعد تحالفه مع دوستم، أُسقط

في يد حكمتيار، وهاله أن تكون كل التضحية منه ومن حزبه، وكل الثمرة لمسعود

وحزبه، لقد وقعت كابل في يد مسعود غنيمة باردة بينما كانت الجبهات الأخرى

مشتعلة في الجنوب والشرق والغرب، وقد سقطت بالفعل مدن من أجل تحرير كابل

في تلك الجبهات مثل (جرديز) ولكنها كانت تبعد كثيرًا عن كابل، وكذلك سقطت

جلال أباد التي استمات الشيوعيون في الدفاع عنها حتى بعد سقوط كابل بيومين.

لقد كان سبق أحمد شاه مسعود إلى العاصمة يعني سبقه إلى السيطرة على كل

مرافق ومؤسسات الدولة كالمطار والطائرات والوزارات والمباني الحكومية

والمدارس والمستشفيات والمصانع ووسائل المواصلات والجسور ومحطات الطاقة

ومخازن الأسلحة؛ وبعد أن وضع يده عليها بالفعل كان حكمتيار لا يزال يقاتل في

الجنوب، وتفنى قواته في أتون معركة من أشرس المعارك في تاريخ الجهاد،

خاضها حكمتيار بإصرار لقطف الثمرة الأخيرة وفق الخطة الموضوعة.

وباختصار: يمكن القول إن حكمتيار دفع الفاتورة كاملة واستلم مسعود السلعة

كاملة، وقد كان هذا كافيًا لأن يثير الشيطان بينهما الضغائن، ولكن ما زاد الطين

بلة أن مسعود عقد اتفاقية مع دوستم أفاض فيها عليه من التكريم والمكافأة ما أطار

لب حكمتيار؛ فقد كان من بنود الاتفاق بين أحمد شاه مسعود وعبد الرشيد دوستم أن

يضمن مسعود لدوستم السيطرة على الشمال، وأن يشارك في الحكم، وأن يستلم

حقيبة رئاسة الوزراء، وأن ينصب بعض رجاله في مواقع حساسة في الدولة.

ولكل هذا لم يستطع حكمتيار أن يقاوم إرادة التمرد على هذه النتيجة المحبطة

لآماله، وأصر على إسقاط التحالف بين مسعود ودوستم بأي وسيلة ممكنة ولو أدى

ذلك إلى استخدام القوة. وفي الحقيقة أن القادة الآخرين كانوا غير راضين عن

سياسة مسعود مع دوستم ولكنهم آثروا التريث حتى تستبين الأمور، وحتى لا

تضيع ثمرة النصر.

أما حكمتيار فقد ذهب بعيدًا في التحرش بمسعود وحلفائه، بل ذهب إلى أبعد

من ذلك حيث اعتبر نفسه شريكًا رئيسًا في النصر، وقد علل ذلك بأنه كان بوسعه

أن ينسحب من المواجهة بعد دخول أحمد شاه مسعود لكابل ويترك الفرصة للقوات

الشيوعية أن تدخلها من الجنوب فتستردها من يد مسعود ودوستم فينقلب الأمر، أما

وقد انصرف عن ذلك تنفيذًا للخطة المتفق عليها، فإن هذا يعد مؤازرة منه لمسعود، ومشاركة حقيقية في النصر الذي لم يحظ منه بأي ثمرة.

ولهذا لم يجد أي غضاضة في أن يطالب بوزارات ومؤسسات في الدولة،

منها حقيبة وزارة الدفاع؛ ولكن مسعود عارض مطالب حكمتيار ولم ير له ما يراه

لنفسه، وخاصة حقه في وزارة الدفاع، ثم إنه خشي إن إجابه إلى مطالبه أن يفقد

تأييد حلفائه الآخرين من الفصائل الشيعية التي تحالف مسعود معها أيضًا، والتي

كانت تضمر وتظهر كل العداء لحكمتيار، ومن جهة أخرى كان مسعود يواجه

ضغوطًا كبيرة من شريكه في اقتحام كابل (دوستم) .

تاسعًا: الفرصة السانحة لأعداء الجهاد:

في هذه الأجواء الملبدة والنفوس المعبأة وجد الغرب أن الفرصة مهيأة للقيام

بدور آخر؛ فبدأت أمريكا تلعب بورقة دوستم الطاجيكي المرتزق، وبدأت بالفعل

اللقاءات تتم على مستوى عال بين دوستم ومسؤولين أمريكيين على الحدود

الطاجيكية، وقد أدت تلك اللقاءات إلى دفع دوستم ميلشياته للتحرش بقوات حكمتيار، مما تطور إلى مناوشات ثم اشتباكات ثم معارك كبيرة بين الشيوعي المرتزق،

وبين واحد من قادة الجهاد الرئيسيين، واستغلت آلة الإعلام الغربية المسيطرة هذه

المعارك، وضخمت من تأثيرها لتحوّل دمعة الفرح الباردة بالنصر، إلى دموع

حارة ساخنة وساخطة على ما آل إليه الأمر بين رفاق السلاح بالأمس القريب؛

حيث تحولوا بسرعة إلى فرق تتصارع على السلطة والسيطرة.

لقد وقفت الشعوب الإسلامية التي تعاطفت مع الجهاد وساندته بصدق طوال

مسيرته، وقفت تراقب الأحداث بحسرة وفجيعة، وظل الناس مشدوهين وهم

يشاهدون على الشاشات وابل الصواريخ وهي تنفجر على رؤوس المدنيين في

المدن المحررة، ودندنت الإذاعات الدولية حول التبشير بحرب أهلية شاملة في

أفغانستان، وظلت الأجهزة العالمية المغرضة في البلاد العربية تطنطن حول

المعاني التي يريد الغرب الحاقد بثها عن ما يسمى بـ (الأصولية الإسلامية) .

لقد نجحت الفتنة في تلويث سمعة الجهاد، ونجح (المجاهدون) في إعطاء

المسوغات الكافية لأعداء الإسلام للطعن فيه من خلال سلوكهم الذي لم ينضبط

للأسف بضوابط الدين الحنيف الذي قاموا من أجله.. ففي غمرة الاختلاف والفتنة

تجاهل المقاتلون جهود الوساطة والصلح، وتناسوا الهدف الذي قاتلوا من أجله،

وغضوا الطرف عن شماته الأعداء في كل الأرجاء، وجرحوا الأمة في مشاعرها

بل أدموا قلوبها حسرة على نصر طال انتظاره ثم عجل بانكساره.

حركة طلاب العلم:

في تلك الأجواء.. تكونت.. ثم تجمعت.. ثم تحركت.. ثم خرجت حركة

طلاب العلم (الطالبان) .. فمن هم الطالبان؟ ومن الذي حركهم؟ وما هي أسباب

نجاحهم الساحق على ساحة النزاع في مراحله المتأخرة؟ وما هو التقويم المبدئي

لمسيرتهم منذ بدأوا؟

هذا ما سنتعرض إليه.. إن شاء الله في لقاء قادم. والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت