فهرس الكتاب

الصفحة 4852 من 5925

المسلمون والعالم

حرب المقاومة الشعبية

خيار الضعفاء لمواجهة اختلال موازين القوى

عاطف الجولاني

مع أن هذا النمط من المواجهة معروف على المستوى العالمي، واستخدمته

كثير من الشعوب التي خضعت لاحتلال عسكري من أطراف أقوى منها عدة وعتادًا؛

فإن الجديد في الأمر هو اعتماد عدة شعوب عربية وإسلامية لهذا الأسلوب في

الوقت الراهن، في مواجهة قوى متغطرسة تمارس ضد العرب والمسلمين سياسة

القهر والقمع والعدوان.

ويمكن الحديث حاليًا عن خمس ساحات عربية وإسلامية تشهد مثل هذا النوع

من المواجهة، أبرز تلك الحالات في فلسطين التي يخوض شعبها حرب مواجهة

شعبية متصاعدة ضد الاحتلال الصهيوني.

وما ميَّز المقاومة التي تمارسها شعوب عربية وإسلامية هذه الأيام عن غيرها

من القوى الشعبية؛ أنها تمتلك عنصرًا مهمًا وحيويًا لا يتوافر للمقاومات الأخرى،

هو عامل الإيمان والعقيدة وروح التضحية، والذي يفجّر طاقات المجاهد

واستعداداته للتضحية؛ طمعًا في الشهادة والجنة والفوز برضوان الله.

في حين افتقدت مقاومات الشعوب الأخرى العامل الديني والبعد العقائدي الذي

يجعل المجاهد يضحي بنفسه غير هيّاب أو متردد، لا يبحث عن غرض دنيوي أو

متاع زائل، ولا تحركه دوافع أرضية.

وقد أثبتت تجارب الواقع مدى تأثير هذا العامل بالغ الأهمية في تفجير

الطاقات، وتحصين المجاهد ضد عوامل اليأس والإحباط التي تصيب الآخرين في

لحظات الضعف والشدة، فالمجاهد يدرك أن أجره يقع ويتحصل، تحقق النصر أو

تأخر، وإن كانت شهادة فهي غاية المطلوب.

والملاحظ أن المقاومات الإسلامية الشعبية تحقق هذه الأيام نجاحات متراكمة؛

في سعيها نحو التحرر والتخلص من الاحتلال والهيمنة الأجنبية، يأتي ذلك فيما

انتهت غالبية الحروب التي خاضتها جيوش عربية رسمية خلال العقود الأخيرة إلى

الهزيمة وخسارة المزيد من الأرض، إذا ما استثنينا حرب عام 1973م التي يمكن

القول بأنها كانت نصف هزيمة ونصف انتصار، وحرب الكرامة عام 1968م التي

كانت في حقيقتها مزجًا بين خيارين: العسكري الرسمي الذي مثله الجيش الأردني،

والمقاومة الشعبية التي مثلتها المنظمات الفلسطينية الشعبية آنذاك، وهو ما أثمر

في حينه انتصارًا معقولًا رغم أفضلية القوة للجانب الصهيوني المهاجم.

هذا الأمر أفقد الشعوب العربية والإسلامية ثقتها بالخيار العسكري الرسمي،

في ظل تعامل الحالة الرسمية العربية بصورة غير جادة مع قضية مواجهة قوى

الاحتلال خلال العقود الماضية، ووصل بها الأمر في السنوات الأخيرة إلى إعلان

التخلي الكامل عن الخيار العسكري، وتبنِّي التفاوض والسلام كخيار استراتيجي.

وجاءت الهزيمة السريعة لقوات الجيش العراقي في شهر نيسان (أبريل)

الماضي؛ لتعزّز القناعة لدى الشعوب بأن المؤسسة العسكرية الرسمية العربية لم

تعد قادرة على الصمود وإنجاز انتصار في مواجهات عسكرية تقليدية. في المقابل

كان أداء المقاومة الشعبية في العراق متميزًا، ودفع قوات الاحتلال الأجنبي

للاعتراف بأنها تكبدت في المواجهة مع المقاومة، في مرحلة ما بعد احتلال العراق،

خسائر تزيد كثيرًا عن تلك التي تكبدتها في الحرب الرسمية.

ولم يعد مستغربًا هذه الأيام أن يعبّر كثير من المثقفين والقطاعات الشعبية؛

عن قناعتهم بأن حرب المقاومة الشعبية باتت تشكل عنصرًا مكافئًا وبديلًا لخيار

المواجهة الرسمية التي أثبتت إخفاقها بجدارة، بل إن بعض الناس بات يتحدث

بصوت مرتفع عن أن هذه المقاومة ربما باتت تمثل خيارًا استراتيجيًا، يوازن ويسد

الخلل المترتب على سقوط أو تراجع الخيار العسكري الرسمي.

* ما هي حرب المقاومة الشعبية؟

تسميات عديدة أطلقت على هذا النوع من المواجهة، فبعضهم يسميها «حرب

العصابات» ، وآخرون يطلقون عليها اسم «حرب الاستنزاف» .

وهناك تعاريف متعددة لهذه المقاومة، ويمكن تعريفها بصورة مبسطة على

النحو التالي: القيام بعمليات هجومية صغيرة بعدد محدود من المقاتلين، بهدف

استنزاف العدو وحرمانه من الاستقرار، وتكبيده خسائر فادحة في الأرواح والعتاد

والمعدات والمعنويات، بما يقنعه بعدم جدوى مواصلة عدوانه واحتلاله.

ويتم اللجوء إلى هذا الأسلوب من المواجهة في العادة عند اختلال موازين

القوى العسكرية بين طرفين متحاربين، وحين يتعرض شعب لاحتلال وقهر قوة

عسكرية تفوقه قوة وعتادًا. وغالبًا ما تم اللجوء لهذه المقاومة الشعبية إثر خسارة

مواجهة عسكرية تقليدية بين الجيوش نظرًا لتفوق الخصم.

وتقوم نظرية حرب المقاومة الشعبية على أساس حرمان العدو من استخدام

قوته الهائلة وأسلحته الثقيلة من طائرات وقنابل ودبابات وقوة صاروخية،

واستغلال نقاط ضعفه، وحرمانه من الأمن والاستقرار، واستنزافه بصورة طويلة

المدى، تجعل من استمرار احتلاله أمرًا مرهقًا بالغ التكلفة. بمعنى آخر؛ هي

تحرم العدو من ميزة التفوق العسكري، وتمكّن الطرف الضعيف من تجاوز مشكلة

اختلال موازين القوى لصالح الخصم.

ولا تحتاج حرب المقاومة الشعبية إلى إمكانات مادية كبيرة، كما لا تحتاج إلى

أعداد كثيرة من المقاومين، وتستخدم أسلحة خفيفة من بنادق أتوماتيكية، وأسلحة

رشاشة، وقنابل يدوية، وعبوات ناسفة، وألغام مضادة للإنسان والآليات، وقذائف

هاون، وقد يتطور الأمر إلى استخدام القذائف الصاروخية المضادة للدروع

والطائرات. أما الأسلحة الثقيلة التي تُستخدم في الحروب التقليدية فنادرًا ما يتم

اللجوء إليها، وإن حصل ذلك ففي مراحل متقدمة من المواجهة، حين يشتد ساعد

المقاومة الشعبية وتتحول إلى جيش شبه نظامي.

ويتجنب المقاومون من رجال حرب العصابات خوض مواجهات تقليدية

مباشرة مع قوات الخصم، ويعتمدون على محدودية العنصر البشري مع كثافة

النيران، حيث تعمل مجموعات المقاومة على استغلال الفرص في توجيه ضرباتها

لأهداف محددة، فتضرب الأطراف العسكرية للعدو ثم تختفي على قاعدة «اضرب

واهرب» ، فهي تلدغ كالنحلة ثم تتوارى سريعًا عن الأنظار، ولا تتمسك بالأرض

التي تحررها.

وتعتمد حرب المقاومة الشعبية على التخطيط المحكم، والمعلومات الدقيقة

حول تحركات العدو، والمقاوم في حرب العصابات يحدد هو زمان المواجهة

ومكانها بما يناسب ظروفه وإمكاناته. وتستغل المقاومة الشعبية عنصر المفاجأة

والمباغتة الذي يُعَدّ عاملًا أساسيًا مهمًا في نجاح هذا النوع من المواجهة، وهو ما

يفسر استفادة المقاومين من الليل كساتر لتحركاتهم وتنفيذ هجماتهم.

وتستفيد مجموعات المقاومة الشعبية بصورة جيدة من عامل الجغرافيا

والديموغرافيا، فهي تستغل ميزة معرفتها الجيدة بالأرض مقابل جهل العدو بها،

وتستغل كذلك قدرتها على الذوبان في أوساط الشعب، وكلما تعاطف الشعب مع

المقاومة وتفاعل معها؛ وفّر لها محضنًا آمنًا تكون في أمسّ الحاجة إليه لحماية

تحركاتها.

ولحرمان رجال المقاومة الشعبية من هذه الميزة تلجأ القوى المحتلة في العادة

إلى إحداث اختراقات في أوساط الشعب، من خلال تجنيد عيون من الشعب نفسه

ترصد له تحركات المقاومين، وتزوده بالمعلومات اللازمة لملاحقتهم وإحباط

عملياتهم، وهذا واضح في الساحة الفلسطينية التي يولي فيها الجيش الصهيوني

اهتمامًا كبيرًا لقضية تجنيد العملاء بوسائل الإغراء والضغط والإسقاط الأخلاقي.

وعادة ما ترتبك الجيوش التقليدية المدججة بالأسلحة عند مواجهتها حروب

مقاومة شعبية، والسبب في ذلك أنها تكون مدربة على مواجهة جيوش نظامية

واضحة في حرب تقليدية. أما في الحرب مع مقاومة شعبية؛ فإن العدو يكون

مجهولًا ومختفيًا، ويستخدم تكتيكات عسكرية مختلفة عن تلك التي تستخدمها

الجيوش النظامية.

* هل يمكن القضاء على المقاومة الشعبية؟

يتفق الخبراء العسكريون على صعوبة القضاء على أي مقاومة شعبية تملك

قدرًا من الإرادة وإمكانات متابعة هذا النمط من الحرب، فيكفي لاستمرار المواجهة

أعوامًا وأعوامًا؛ أن يبقى حفنة من المقاومين المصرّين على مواصلة طريقهم.

وهو ما يزيد من أزمة الجيوش المحتلة التي تضطر للبقاء في حالة تحفز واستنفار

طويلة ومرهقة لمواجهة أعداد محدودة من المقاومين المجهولين.

وفي غالب الحالات انتهت حروب المقاومة الشعبية باستنزاف وإنهاك الجيوش

الضخمة المحتلة، والتي تضطر للهرب من وحل المستنقع الذي تورطت به، بعد

أن تسلم بعجزها عن القضاء على تلك المقاومة، وبعد أن تتكبد خسائر بشرية

وسياسية واقتصادية فادحة لا تقوى على احتمالها.

خبير عسكري صهيوني متخصص في دراسات مستقبل الحروب يدعى

البروفيسور «مارتين فان كرفيلد» قال: «إن مقاتلي الحرية دائمًا ينجحون..

لذلك ليس أمام الجيش النظامي الذي يواجههم إلا الإخفاق» .

ورأى أن المواجهة الحالية في فلسطين في ظل انتفاضة الأقصى محسومة

لصالح الفلسطينيين، فمن «الصعوبة بمكان أن نجد جيشًا نظاميًا نجح في مواجهة

انتفاضة كالتي نواجهها. ما يحدث معنا اليوم حدث مع الأمريكيين في فيتنام، ومع

الجيش الإسرائيلي في لبنان، ومع الروس في أفغانستان، وهذا ما سيحدث معنا

مرة أخرى، وهذا ما سيحدث مع الأمريكيين في أفغانستان» .

ويضيف كرفيلد: «أنا لا أعرف مثالًا مخالفًا، إننا ندير حربًا للطرف الثاني

فيها كل الإيجابيات، فنحن نقاتل في ملعبه.. نحن في الجهة غير الصحيحة. إن

الجيش اليوم موجود في الجانب غير الصحيح، في الجهة التي سيُحكم عليه فيها

بالإخفاق» .

ويؤكد كرفيلد أن القوة لا تكفي وحدها لحسم المعركة لصالح الطرف القوي في

مواجهة مقاومة شعبية: «لدينا قوة، ولكن معظم هذه القوة لا يمكننا أن نستعملها،

وحتى لو استعملناها فثمة شك في نجاحها، فالأمريكيون أنزلوا ستة ملايين طن من

القنابل على فيتنام، ولا أذكر أن هذا الأمر ساعدهم. ونحن كنا نملك قوة هائلة في

لبنان ولكننا هربنا من هناك، إن هذه مواجهةٌ الذكي لا يقتحمها، ومَنْ اقتحمها فعليه

أن يجد الطريق بسرعة للخروج من وحلها، فإسرائيل دخلت في مواجهة خاسرة

ضمنًا، وهذه المواجهة ستُنهينا» .

ويرى كرفيلد أن سقوط خسائر كبيرة في صفوف الشعوب الخاضعة للاحتلال

مقارنة بالقوات المغتصبة لا يؤثر في حسم نتيجة المعركة، ولا يعطي أفضلية للقوة

المحتلة، ويضرب مثالًا على ذلك ما حدث للألمان في يوغسلافيا، حيث قتل

الألمان في الحرب 800 ألف مواطن يوغسلافي، ويضيف كرفيلد أن الألمان

«قتَّلوا وحرَّقوا وفجَّروا، ولا أعتقد أن هذا الأمر ساعدهم، فلقد حدث مع

جيشهم النظامي ما يحدث اليوم مع جيشنا (الصهيوني) ، وهناك شهادات من قبل

الجنود الألمان تؤكد ذلك» .

ويعطي كرفيلد أمثلة أخرى على أن حجم الخسائر ليس العامل الحاسم في

حرب المقاومة الشعبية، فقد «قُتل خمسون ألف أمريكي مقابل 3 ملايين فيتنامي،

وقتل عدة آلاف من الفرنسيين مقابل 300 ألف جزائري» ، لكن ذلك انتهى

بهزيمة القوات المحتلة.

ويرى كرفيلد أن الأفضلية في الحرب هي دائمًا لرجال حرب العصابات،

«إن القوي الذي يقاتل الضعفاء مصيره إلى الضعف، ومن يتصرف كخائف

ويقاتل ضعفاء؛ مصيره أن يتصرف كجبان وخائف» .

ويرى كرفيلد أن نتائج المواجهة الدائرة حاليًا بين الفلسطينيين والصهاينة

تميل لصالح الفلسطينيين رغم فارق القوى الكبير بين الطرفين، مؤكدًا «إننا

نقترب من نقطة سيفعل الفلسطينيون بنا ما فعله المجاهدون (الأفغان) بالجنود

السوفييت في أفغانستان» . ويضيف: «عندما بدأنا نحارب من هم أكثر منا

ضعفًا؛ فإننا نسير من إخفاق إلى إخفاق» .

* خيار للمستقبل:

وفي ظل المعادلة القائمة في المنطقة العربية والإسلامية: إخفاق الخيار

العسكري الرسمي، ونجاحات المقاومة الشعبية، والتي أثبتت أن هذا النمط من

المواجهة هو خيار الضعفاء المناسب لإلغاء موازين القوى العسكرية مع أطراف

متغطرسة مدججة بقدرات تدميرية هائلة؛ فإن سؤالًا مهمًا يطرح نفسه: ألا يمكن

الاستفادة من خيار المقاومة الشعبية إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس، وبعد أن تخضع

البلاد والعباد لاحتلال أجنبي؟ بكلمات أخرى: هل بإمكان الدول العربية

والإسلامية الاستفادة من ميزات حرب المقاومة الشعبية في تصديها لاعتداءات

وتهديدات خارجية؟

ليس هناك ما يمنع أبدًا أن تكون المقاومة الشعبية جزءًا من الخطط الدفاعية

للدول العربية والإسلامية المهددة بأخطار خارجية، بل إن هذا الأمر بات جدّ ملح

بعد كل التجارب القائمة، وتخطئ الدول العربية والإسلامية إن هي أصرت على

مواجهة العدوان الخارجي بجيوشها النظامية وحدها. وأهمية المقاومة الشعبية حين

تُخاض المعركة بخطة تمزج بين نمط المواجهة التقليدية التي تخوضها الجيوش

الرسمية ونمط المواجهة الشعبية التي تخوضها مجموعات المقاومة الشعبية تأتي في

مرحلتين:

الأولى: تعزيز قدرات الدولة على الصمود في المواجهة العسكرية، ووضع

المزيد من العراقيل أمام العدو في سعيه لحسم المعركة المباشرة لصالحه.

الثانية: لو تمكن العدو من كسب المعركة الرسمية نتيجة تفوقه العسكري

الهائل؛ فإن المقاومة الشعبية تحرمه من السيطرة والاستقرار، وتخوض ضده

حرب استنزاف طويلة تدفعه في النهاية إلى التراجع يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة.

إن تجربة (أبو بصير) في التعرض لقوافل قريش بعد صلح الحديبية؛

شكلت نوعًا من حرب العصابات والاستنزاف أرهقت قريشًا آنذاك، ودفعتها لتطلب

هي بنفسها إلغاء شروط مجحفة كانت أصرت على تضمينها في وثيقة الصلح.

وهي تؤكد أن المقاومة الشعبية لها نماذج في تاريخنا الإسلامي، وليست أمرًا طارئًا.

كما أن المتطوعين كانوا جزءًا مهمًا من جيوش الفتح الإسلامي، وكان دورهم

فاعلًا ومؤثرًا؛ نظرًا لما يتميزون به من إقدام وتضحية وطلب للشهادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت