البيان الأدبي
د. عمر عبد الله
توقف مفاجئ ومرعب أيقظ صاحبنا من نعاسه الثقيل، ليستيقظ على صوت
الكابح المزعج، وقاصطدم رأسه في النافذة الجانبية لسيارة الأجرة، سائق سيارة
الأجرة يتحفز وهو غاضب، ويلقي بسيل من الشتائم والكلام السوقي القذر لصاحب
السيارة التي كادت تصطدمه، سائق السيارة الأخرى يخرج ليلقن سائق الأجرة درسًا
في القيادة والأخلاق، لكن سائق سيارة الأجرة يتلافاه ويمضي في طريقه ليكمل
إطلاق عبارات الشتائم والسباب، التي انتشلت من الراكب وزوجته التي ترافقه طعم
النوم، والنعاس، حتى «معاذ» الطفل الصغير أخذ يطلق معزوفة من البكاء
المتواصل، جعلت من الصعب على «جمال» أن يلتقط سيل الشتائم المنطلق من
في السائق الزنجي المتوتر،.. لقد كانت رحلة مضنية، غير خلالها ثلاث مطارات، وقضى 15 ساعة في الجو خلال اليوم الماضي، حتى وصل إلى نيويورك في
هذا الصباح الخريفي المتثائب، وبعد أن طار النوم من عينيه أخذ يتأمل في ما حوله، إنه يعبر الآن إلى «مانهاتن» ، وكأنه يمر على هذا الجسر المتهالك لأول مرة،
كلا لقد عبره مرات ومرات، لكن المرة الأولى التي مر عليه فيها لازالت ملتصقة
بذاكرته بوضوح، كانت المرة الأولى التي يغادر فيها وطنه مع أبيه وهو ابن خمس
سنين، لازال يذكر حالة الذهول والانبهار التي انتابته حينما وصل إلى نيويورك،
كان الوقت قريبًا من عيد رأس السنة المسيحية والمدينة غارقة في بحر من الأضواء
والزينات، زادت من حالة التحديق التي انتابت ذلك الصبي الذي انتقل من مدينته
الصغيرة الصحراوية، والتي كانت وكأنها تعيش عصرًا آخر لا يمت بصلة لهذه
المدينة، الحلم، ومنذ أن لامست قدماه أرض المطار الضخم وصالاته الواسعة وهو
لا يستطيع إلا أن يعيش حلم اليقظة الجميل، حتى الطرق السريعة التي لم يع حقًا
ضخامتها وسرعتها، كانت بمثابة طائر عملاق يطير بأجنحة متعددة، أما الفندق
الذي نزل فيه وأبوه وأمه فإنه كان آية في الفخامة والرقي المادي، الذي بدا خياليًا
لابن الخامسة، بل حتى بالنسبة لأبيه وأمه اللذين حاولا التكيف مع هذا الكم الهائل
من المشاهد والصور والمتغيرات بصورة بدت مبالغًا فيها حينًا، ومضحكة أحيانًا
أخرى، مضحكة له الآن.. لكنها لم تكن تعني شيئًا كثيرًا من معاني السخرية
والتناقض لذلك الصبي..، مضحكة تلك اللحظات والمواقف التي تفرض على
مخلوق لا يملك حيالها سوى المضي والانكسار، مضحك ذلك المنظر عندما كانت
أمه تحاول أن تظهر بمظهر «غربي» متحضر حينما «فرض» عليها من والده، كانت المرة الأولى التي تلبس ملابس غربية، وهي التي لم تفارق عباءتها
وخمارها قط، مضحك أن يقلد عصفور النورس طاووسًا حينما يستعير بعض
الريش الملون، عله يكون مألوفًا في مجتمع الطواويس، كذلك بدا له المنظر باعثًا
للحيرة والاضطراب لوجه ألفه لسنوات في وضع معين ليجده فجأة وبدون مقدمات
وكأنه لا يمت للمخلوق الذي أحبه بشدة، وعشقه بإخلاص، لم يكن ذلك المنظر
سوى صورة واحدة لمشاهد صدم بها وظلت في ذاكرته مختزنة لسنوات طويلة،
صوت الكابح يقطع حبل تفكيره مرة أخرى.. لكنه يكتشف سبب الخطأ هذه
المرة..، إنه سائق سيارة الأجرة، وليس السيارة «المظلومة» التي كال لها السائق الزنجي سيلًا من شتائمه العنيفة مرة أخرى، كاد أن يرد على سائق الأجرة اللامبالي، لكنه فضل أن يستمر في تداعياته، لاسيما وأنه لا يملك النشاط ولا الرغبة في الحوار، لقد ضبطتك سائق الأجرة، هذه المرة، قال لنفسه: إن سائق الأجرة ينظر إلى ذلك المنظر العجيب الذي جري في المقعد الخلفي، وهذا هو السبب في أصوات المكابح المتكررة، لقد بدت على سائق سيارة الأجرة علامات الدهشة الصامتة، وصور التساؤل المحير الذي عصف بجمال وهو صبي، حينما تعرض لمواقف من التناقض، والحيرة المتتالية، سائق الأجرة لازال يسترق النظر إلى الراكب ومرافقيه، وعيناه تكادان تنفجران بالتساؤل الملح الذي لم يترجم إلى كلمات، بل إلى أخطاء قيادية كادت أن تودي بالمركبة إلى جانب الانحدار الخطر. فجأة نطق السائق:
-من أي بلد أنتم؟
جانب الحذر الذي انغرس في التعامل مع الآخرين علم جمال أن يكون لطيفًا
بحذر.
-من الشرق الأوسط.
-أين يقع الشرق الأوسط.. أفي إسرائيل؟
-كم هو عجيب أن تكون صورة العالم مشوهة إلى هذا الحد في ذهن
الأمريكي، لم يتغير الحال حتى بعد عقدين من معاشرته للقوم، وبعد أحداث صاغت
حياة كثير منهم ودفعتهم للاهتمام بهذا الجزء من العالم، رد بصورة نمت عن رغبة
في إنهاء الحوار.
-ليس قريبًا منها إنها جزء يبدو أنها منه!
لقد فهم مغزى السؤال، فمنظر زوجته التي تخمرت ولم يبد من وجهها سوى
العينين كان مبعث السؤال ولا شك.. وتنهد.. تنهد حينما قارن بين وضع أمه قبل
عقدين وهي تحاول أن تبدو «منسجمة» مع المحيط الجديد، ومنظر زوجته وقد
تميزت بذلك الزي الذي يبعث على التساؤل، ويصر على الذاتية، كلا الوضعين
مثير، ويبعث التساؤل والاستفهام، لكنهما يمثلان تصورًا لجيلين، وعهدين،
وموقفين، جيل أبيه الذي كان يحاول أن يجد الجواب في «الذوبان» في الآخر،
المنتصر، وجيله الذي رأى خسارة الرهان على المشروع المجلوب بوضوح، رآه
هزائم، وانكسارات، وتبعية، وتسلطًا، من الآخر المنتصر، للضعيف المغلوب
على أمره المسحور بلب العدو وطبوله، وكأنه تداو بسم بدا لذيذًا وشهيًا، مرة
أخرى، صوت الكابح وتوقف مستمر، لكن إيذانًا بالوصول إلى الفندق هذه المرة،
أخذ جمال عائلته الصغيرة وتوجه نحو موظفة الاستقبال؛ ليسجل المعلومات
الضرورية، ويأخذ طريقه نحو الغرفة، ومرة أخرى انتابه شعور آخر يختلف تمامًا
عن الشعور الذي أحس أنه يجتاح أباه وأمه وطفلهما ابن الخمس، فحينما أتوا
نيويورك قبل عشرين عامًا كان كل شيء ساطعًا، وكل مكان يرونه باهرًا، وكل
لحظة يمرون بها أقرب للحلم، أما اليوم فإن هذه المدينة لا تثير في نفسه شيئًا من
ذلك، فلا الشعور بالصدمة الحضارية يغشاه، ولا الضخامة المادية تثيره، فليس
هناك أمر مادي يقرب نحو دائرة العجب، ولا لحظة يراها تثير فيه الانبهار، لقد
تقلص الحاجز كثيرًا بين مدينته الصحراوية، ومدينة الخرسانة العملاقة التي أخذت
في دخول عصر الشيخوخة، وتعرض آلامها وأمراضها، نيويورك تلك لا تمت
بصلة إلى هذه، لا شعورًا، ولا واقعًا، وبالتالي تحجم الدهشة، والتحديق،
والانبهار، والإعجاب، قد تقلص كثيرًا وكثيرًا، ولم يبق لديه في تلك اللحظة
سوى رغبة ملحة لأن ينال قسطًا من الراحة بعد هذه الرحلة المرهقة، سرعان ما
تحققت حينما ألقى بجسده المنهك على الفراش ليغط في نوم عميق ...