دراسات في الشريعة
فهد التميمي
إذا كان للمأكولات والمشروبات نكهات فإن للأطروحات الفكرية نكهاتها أيضًا
ولقد ولقد جذبتني إحدى هذه النكهات إلى تذوقها و (تشمم) رائحتها في منظومة
من الأطروحات ولا سيما أن رائحتها قد تشم بمجرد قراءة الأسطر الأولى. فإن
شئت أن تتذوق معي تلك النكهة وتشم هذه الرائحة فإليك جملة تعاملات تعرفك بها،
ومنها:
1 -التعامل في تفسير النصوص من القرآن الكريم أو السنة الشريفة بحسب
فهم المتحدث أو الكاتب دون أن يُكلف نفسه الرجوع إلى كتب التفسير أو شروح
السنة، ودون أن يُكلف نفسه النظر إن كان ذلك مما يحتمله النص أو لا.
ذلك أنه لا سلطة لديه إلا للنص (المجرد) ، وما عداه لا يعدو أن يكون جملة
من التراكمات التاريخية، أو الأقوال المحكومة بالجمود والتقليد.
2 -التعامل مع كتب الفقه، بوصمها (كلها!) بالجمود (واجترار!) ما
كان من المسائل الميتة والتي (عفا عليها الزمن!) .. إلخ.
3 -التعامل مع بعض القواعد الشرعية؛ حيث يتناولها بعضهم بتلك الخلفية
(المشحونة) والنفسية (المتمردة) فلا يلبث أن يسقط هذه القاعدة أو يشكك فيها أو
يُحيلها أو يفرغها من معناها إلى غير المعنى ذاته.
4 -التعامل مع التاريخ الإسلامي؛ حيث يتناوله الناقد المثقل بهذه النفسية،
فيجعل منه سحابة سوداء من الأخطاء لا يرى الصواب فيها إلا كالشعرة البيضاء في
جلد الثور الأسود.
ولا بأس لديه من مصادرة جميع روايات التاريخ أو جلها بدعوى وقوع كاتبها
تحت ضغط التوجه العام لمجتمعه، أو السلطة السياسية في زمنه؛ كما فعل آخرون
بالنتاج الفقهي مدعين أنه (وتأمل هذا التعميم) انعكاس للواقع الذي فرضه
السياسيون.
5 -التعامل مع تفسير التاريخ وتحليل وقائعه؛ فمن خلفية ردة الفعل ضد
فكر معين (والتي بدورها تشكل نوعًا من التمرد) يقوم بعضهم بتفسير جميع
أحداث التاريخ تفسيرًا سياسيًا فلا تشذ عنده واقعة، ولا تفلت حادثة من منظوره
السياسي الضيق طارحًا بذلك سائر التفسيرات والتحليلات الأخرى التي قد تشكل في
بعض الحوادث نسبة عالية ربما ينعدم معها التفسير السياسي، ولو أنه جعل التفسير
السياسي ضمن تفسيرات أخرى وأعطى النسبة التي يستحقها بحسب الحادثة لكان
ذلك تفسيرًا منطقيًا معقولًا.
6 -التعامل مع الأئمة السابقين والعلماء المتقدمين بنوع من التشنج تارة، أو
بالازدراء (ولعله غير المقصود) تارة، أو وصمهم (بعبارات التعميم) بالوقوع
تحت ضغط سلطة ما سياسية أو غير سياسية، وعلى أقل الأحوال أن تساق أقوالهم
بالصيغة التي تنتهي بالقارئ إلى إسقاط أو سل عباءة الاحترام منهم أو من أقوالهم
(وليس القول المنتَقَد فحسب) .
وقفات:
وإزاء هذه التعاملات أقف بعض الوقفات:
1 -إن راية التمرد هذه سوف يتناولها آخرون ليقولوا لهؤلاء: إنكم إن
اقتحمتم بها معسكر الجمود والتقليد والتراكمات التاريخية (كما يسمونها) فإننا
بدورنا سنقتحم بها معسكركم الذي تأخذون فيه (بالنص) من السنة إذا صح ولو
كان من أحاديث الآحاد؛ إذ لا يؤخذ من السنة إلا المتواتر.
ويرفع تلك الراية من يسمون أنفسهم القرآنيين ليطرحوا السنة كلها
(ويتمردوا) عليها.
ويرفعها الرافضون لعامة الصحابة رضي الله عنهم.
بل ويرفعها الناقمون على الإسلام كله بما فيه.
ولن يعجز كل هؤلاء أن يجدوا من بقايا أسلحة (المتمردين) ما يخوضون به
معاركهم.
فإذا كان الإسلام هو أن نأخذ النصّ مجردًا عن كل شيء، ومقطوعًا من كل
فهم سوى فهمنا نحن؛ فمن السهل جدًا على من لا يأخذ بحديث الآحاد(ويمثل
النسبة العظمى من السنة)أن يطرح كل عناية الأئمة بالإسناد وتحرّيهم في الرجال؛
لأن ذلك ليس بـ (نصّ) .
ومن السهل جدًا على من لا يأخذ بالسنة جُملةً أن يشكك فيما سوى القرآن؛
لأنه ليس بـ (نصّ) فحتى قبول الحديث المتواتر ليس إلا محض آراء؛ لأن
(المتواتر) سيدَّعى أنه غير منضبط في تعريفه ولا فيما يشمله من أحاديث.
ومن السهل جدًا على رافضي الصحابة أن يرفضوهم بالحجة ذاتها؛ فليس
الدين إلا (النصّ) وما عداه قابل للنقد وإن كان صحابيًا وإن بلغ النقد ما بلغ.
ومن السهل جدًا أن يفسر (النصّ) بما لا يمت إلى (النصّ) بصلة؛ لأن
كل ما يمكن الاعتماد عليه من آليات تفسيره قابل للنقد (وإن شئت قل للنسف) ؛
ولذا فما على الرافض للإسلام والناقم عليه من أي ملة كان أو من منابذي الأديان إلا
أن يفسر (النصّ) وفق مرامه ومبتغاه.
2 -إننا بحاجة إلى التفاعل مع واقعنا، وتنزيل الأحكام على مستجدات
عصرنا ومعاملاته الحادثة، ونحن نعارض الوقوف عند حد الأمثلة الواردة في كتب
الفقه التي مثل بها مؤلفوها من واقعهم، وندعو إلى أن يتجاوزها الفقيه مفتيًا أو
معلمًا أو باحثًا إلى أمثلةٍ من صميم واقعنا؛ بل لا ينبغي إهدار الوقت في أمثلة
ذكرها السابقون ربما اندثرت في واقعنا أو أضحت نادرة الوقوع.
ولكن كل ذلك لا يعني أن ننقلب على من سبقونا، وأن نتنكر لهم، وأن
نصمهم بالخوض في تشقيقات لا واقع لها ... إلخ.
إن الاجتهاد باق، وبابه مُشرَع لأهله ولله الحمد إن كليًا أو جزئيًا؛ بيدَ أني لا
أظن أن من أمارات التوفيق والاجتهاد لطالب العلم أن ينبتَّ عن اجتهادات سابقيه أو
يتعالى على نتاجهم وعطائهم فلا ينظر إليه ولا يرفع به رأسًا؛ بل الفقه كل الفقه أن
يكون لديه من سعة المدارك ووفور العقل ما يدعوه إلى النظر في فهم من سبقه؛
ليضيف فهمًا إلى فهمه، وعلمًا إلى علمه، وعقلًا إلى عقله.
روى ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم [1] عن قتادة أنه قال: من
لم يعرف الاختلاف لم يشمّ الفقه بأنفه. ونحوه عن سعيد بن أبي عروبة، وروى
أيضًا عن عطاء قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف
الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.
وأظن أن من السهل جدًا أن نعفي أنفسنا من النظر في فقه من سبقنا وعلمه،
وأن نأخذ (مباشرةً) من النص.. لكن: هل هذا بالفعل هو (فقه النص) و(فهم
النص)؟ ! !
كم من القضايا المعاصرة (معاملات اقتصادية وغيرها) لم يهتد المجتهدون
إلى تكييفها الفقهي الدقيق ومن ثم تنزيل الحكم الشرعي عليها بعد توفيق الله تعالى
إلا بعد تأملهم في أقوال الفقهاء المتقدمين في مسائل مشابهة! بل ربما كان الشبه في
بعض صور المسألة أو بعض جوانبها فقط، ولكن توارد التفقه في تلك المسائل أنتج
خيوطًا من الفقه تذكّر الناظر فيها بما قد يكون غافلًا عنه، وتصقل الملكة الفقهية
لديه، فيهتدي إلى الصواب فيما بين يديه.
فرحمة الله على أولئك الأعلام الذين أفنوا أعمارهم في خدمة العلم وأهله:
[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا
رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (الحشر: 10)
3 -قد نفهم النقد للخلل الواقع من بعضهم (وليس الكل) في تطبيق قاعدة ما
أو تنزيلها على واقعة ما، وما أجمله إذا سلم من (نكهة ما) ، لكننا لا ندري ما
ذلك النقد الذي ينتهي بنا إلى الإسقاط التام أو شبه التام أو التعميم للتجاوزات أو
التعميم لكل من كتب في القاعدة أو استند إليها.
4 -ستشرئب أعناق لتقول باستغراب: وهل ملكتَ حق إغلاق باب النقد؟ !
وهل من نافحتَ عنهم معصومون؟ ! وهل كل ذلك (التراث) مبرأ من الخطأ؟ !
فأقول: وهل لا نقد إلا بالتمرّد؟ !
ولكن عفوًا: إن النقد بغير تمرد لن يضيف جديدًا في نظر بعضهم، ولن يثير
شهية القراء، وهذا السر في تطعيمه بنكهة التمرد؛ فنقد بغير هذه النكهة لا طعم له
لديهم ولا ذوق، وإلا فالنقد لم يزل موجودًا؛ فإنه ولد حيث ولدت تلك العلوم التي
يحلو لبعضهم تسميتها بـ (التراث) ، وما زال عطاء تلك الأجيال يحمل لنا الفكرة
ونقدها، ومناقب الرجل وما قيل فيه.
فما لنا نزعم أن النقد من روائع هذا العصر؟
إن قومًا لا يحترمون (رموزهم) وصانعي (تراثهم) خليق ألا يهتدوا لمعرفة
كلامهم.
وإنك مهما بلغت بالنقد فلست بحاجة إلى الازدراء أو التنقص أو التهكم أو
الإسقاط.
إن الاحترام والتقدير لا يستلزم التسليم لكنه يستلزم الاعتدال الذي يعني أنني
كما لا أفترض فيهم العصمة فكذلك لا أفترض الخطأ من أول وهلة وأدنى نظرة بله
التوارد على الخطأ حتى لم يعد للإجماع معنى ولا لقول عامة العلماء وزن.
لك أن تحقق أن مسألة ما لم يثبت فيها الإجماع، ولك أن تحقق أيضًا
بالبرهان أن قولًا ما ليس هو قول عامة أهل العلم، لكن ليس لك أن تضرب بحجية
الإجماع أصلًا عرض الحائط، وليس من اليسير وأقول: من اليسير ألا تعتبر قول
العامة من أهل الشأن ما دمت مسلِّمًا بأنه قول العامة.
هذا أمر، والأمر الأهم: هب أنك أدركت خطأ قول ما(واكتشفت هوة
سحيقة)فلا حاجة للتعميم، ولا داعي للتطاول، ولك ألف مندوحة ومندوحة عن أن
تصوغ نقدك بقالب التمرد.
خلطات أخرى:
ويمكن أن ينضاف إلى نكهة التمرد هذه عند بعض الناس شيء من الخلطات
الأخرى، منها:
1 -انتحال الأفكار والطروحات:
تقرأ لبعضهم أو تستمع إليه فتجده يتحدث عن أفكار وطروحات وكأنها من
بنات أفكاره وأبكار طروحاته.
نعم! إن الفكر والعلم مشاع للجميع، ولكن ثمة أفكار يكون لها كيان ونسق
منتظم فطرحها بكيانها ونسقها دون عزوها لصاحبها نوع من التدليس الذي لا يحبذه
أرباب الإنصاف والتجرد لا سيما إن كان في هذا الطرح ما يُشعر أنها مبتكرة من
قبل هذا المتحدث أو الكاتب [2] .
(أما إذا اشتمل حديث المتحدث على أفكار من هنا وهناك ولا سيما بصياغة
منه فلسنا نشترط له العزو) .
ومن سنة الله الماضية أنه ما من منتحل إلا ويقيض الله له من يكشف انتحاله
فمستقل ومستكثر.
2 -دعوى الحياد بلا حياد:
إنني أستطيع أن أدعي تناولي لقضية ما بالتجرد والحياد المطلقين لكنني أول
الموقنين بكذب الدعوى؛ لأني أعتقد (حسب رأيي القاصر) أن التجرد المطلق
والحياد المطلق كمدينة أفلاطون الفاضلة حبيس التصور العقلي فقط.
وإنما وصفت التجرد والحياد بوصف (المطلق) لأن هذا الذي أحسب أن لا
أحد يستطيعه، ولكننا لو اشترطنا تجردًا وحيادًا ما فهذا معقول ومقبول، والفرق
بينهما أن الحياد المطلق يستلزم عدم استصحاب فكر ما حول القضية المطروحة في
حوار أو كتاب أو نحو ذلك، وهذا الذي أدّعي أنه متعذر أو متعسّر، إلا أن يكون
الشخص خِلوًا من كل فكر حول القضية المطروحة؛ وهذا ما ليس مفترضًا هنا.
وأما التجرد المقيد والحياد المقيد فلا ينافيه استصحاب ذلك الفكر المشار إليه،
وإنما يشترط له أن يكون لدى الشخص استعداد لقبول الحق إذا تبين له الحق، حتى
وإن اقتحم الحوار أو شرع في الكتاب مقتنعًا بما يعتقده.
وبعضهم مع هذا قد يدعي الحياد الأول ويدعو إليه مع تعذره ثم هو في حقيقة
الأمر لا يلتزم الوفاء بالحياد الثاني الواقعي.
3 -النقد لذات النقد:
إذا كان من الناس من يحترف المعارضة لذات المعارضة لا لخدمة مبدأ ما،
فإن ثَمّ من ينتقد لذات الانتقاد، ومن كان هذا شأنه فما أسرع أن يهوي به نقده، وما
أبعده من منهج النقد السوي.
ولئن كان هذا مستبعدًا، فإنه واقع ويدل عليه لحن القول، وقد تدل عليه
4 -النقد من غير أرضية للنقد:
«إن لنا على المفهوم التقليدي للسنة تحفظات» ، أما الأرضية في علم السنة
التي انطلق منها هذا الناقد فهي أنه يعزو الحديث إلى (مسلم) ويقول: انظر
(المحلى) .
إن رجل الشارع بل الأستاذ في أي علم سوى الطب لو قال: إن لي على
تعريف مرض السرطان أو حتى الرشح (الأنفلونزا) تحفظات. لضحك منه الناس؛
فكيف بشخص لم يكلف نفسه معرفة البدهيات في علم السنة أن ينتقد تعريف
الأئمة للسنة، إنني أجزم أن لو درس السنة كما ينبغي لعرف كيف يكتب.
كأني بك تقول: وهل ستضع للنقد قيودًا من قِبَلك؟ وهل ستلزم الناس بها؟
فأقول: إنني حين أتحدث عن الأرضية الصحيحة للنقد فإنني مع ذلك لست
مقنِّنًا ولا ملزمًا؛ لأني لا أملك على الناس ذلك، غير أني ألمح بهذا إلى خطأ ذلك
الناقد الذي ينتقد من غير ما أرضية ينطلق منها (على الأقل في العنصر المنتقد)
تمامًا كذاك الذي ينتقد الطبيب من غير خلفية عن المرض الذي انتقده فيه، مع أن
الناس لا يقبلون منه ما لم يكن طبيبًا حتى وإن ملك الخلفية عن ذات المرض؛ فما
لنا لا نطبق ذلك على تخصصات أخرى؟ !
إن مجرد الإسلام واشتراك أهله فيما أوجبه الله عليهم تعلمًا وعملًا لا يؤهل
كل من كان مسلمًا أن يخوض فيما لا علم له به من أمر الدين لمجرد كونه مسلمًا،
كما أن اشتراكهم في العلم بأساسيات الصحة لا يؤهل كل أحد أن يتناول من مسائل
الطب ما شاء كيف شاء.
إنني أرمي إلى ترسيخ هذه القاعدة إذا اتفقنا عليها في مثال الطب لتعميمها
على غيره، ولا يعنيني الاتفاق على ضوابط وقيود تفصيلية، ولكن حسبي أن تتفق
معي أن ثمَّ ضوابط لا بد منها، وأن الناقد الذي ينتقد ما يشاء كما يشاء قد أخطأ
السبيل، والبرهان العقلي الذي يدعم هذا الادعاء القائل بضوابط ما للنقد هو الاتفاق
على تخطئة ذلك المنتقد للطبيب في المثال السابق.
وليس الفرق بين هذا المثال وبين غيره في وجود ضوابط أو عدم وجودها
وإنما الفرق بين الماديات والأدبيات؛ فالعلم المادي المحسوس تكون الضوابط فيه
أوضح وأدق بخلاف العلم النظري فلن تكون الضوابط فيه بتلك الدقة لكنها موجودة
لا تنكر، وهذا هو المقصود.
أما أن ينطلق النقد بغير خطام ولا زمام ولا احترام فليس ذلك من منهج
الإسلام.
5 -اضطراب المنهج:
بينما تجد بعض الناس يتلمس الأقوال الشاذة للأخذ بها لملابسات يدعيها إذا
هو يطرح بعض الآراء مجلجلًا بأنها ليست إلا رواية في مذهب ما، وتكون تلك
غاية حجته.
وبينما هو لا يقدِّر للعلماء قدرهم إذا به يرفع أحدهم ويبجِّله؛ لأنه (تمرد)
حسب فهمه على ذهنية التقليد، ولو في قضية ما، مع أنه ربما شنع عليه في
مواطن أخرى بما لا يتناسب مع ذلك التبجيل.
6 -بناء النتائج على مقدمات هشة:
ومرد ذلك في نظري إلى طائفة من الأسباب، منها: عدم الفهم والفقه العام
للنص أو القصور فيهما أو اختلال منهجية الاستدلال؛ حتى إنها أحيانًا تبقى لدى
بعضهم مضطربة بحيث لا يمكن بلورتها ضمن منهج محدد مطرد.
ومنها حمل عبارات عالم أو مؤلف على غير محملها ومن ثم الحكم عليه من
خلال هذا الإسقاط.
ومنها عدم تكامل التصور لمنهجية مؤلف أو عالم، أو للمؤلفات في فنٍّ من
الفنون، أو القصور في إدراك العلاقة الترابطية لمسائل علم من العلوم، وكل ذلك
يحمل الكاتب على استنتاجات لا تخلو من غرابة.
وأخيرًا: فهذه معالم نكهة التمرد، وتلك إشارة لبعض الخلطات المرافقة أحيانًا
والرأي لك أخي القارئ إن كنت ترى أن تلك النكهة تستحق أن تكون من النكهات
الصناعية المصرح بها في (المنتجات) الفكرية أو لا؟
(*) لكون هذا المقال يناقش أطروحات فكرية معينة تُنشر في بعض المجلات والصحف؛ فقد كان الأليق به أن يُنشر في تلك المجلات والصحف ذاتها، وبالفعل أخذ طريقه إليها؛ بيد أن الانتظار أكثر من شهرين بعد وصوله إليهم دون أن يتفضلوا بنشره يدل على أن الرأي الآخر الذي يدّعون أنهم يفسحون المجال له لا وزن له عندهم، وليسوا آبهين لأصحابه! .
(1) جامع بيان العلم، 2/ 46.
(2) مجرد مثال: ما قد يفعله بعضهم من جمع لمواضع منتقدة من كتاب، فيخيل إليك أنه ناشئ عن استقراء وتتبّع ثم تكتشف إذا رجعت إلى هذا الكتاب أن صاحبك (المتتبع) ليس إلا عالة على محقق الكتاب في هذه المواضع المنتقدة دون أدنى إشارة إلى هذا المحقق، والفرق إنما هو في ذات الصياغة التمردية التهكمية عند (السارق) ، والأدب في النقد عند المحقق.