المنتدى
إبراهيم بن عبد العزيز أبا الخيل
قال لي صاحبي وهو يحاورني: أهناك فرق بين المسجد والمسرح؟ فقلت له:
وهل هناك علاقة بينهما حتى ننشد ذلك الفرق؟ وقبل أن أجيب طرح عليَّ سؤالًا
غريبًا، فقال لي: وهل هناك عملية لتبادل الأدوار بينهما، يعني المسجد والمسرح؟
أثار صاحبي هذا في نفسي علامات استفهام كبيرة بإثارته أسئلة خطيرة؛ فهل
هناك حقًا علاقة بين المسجد والمسرح؟ وهل هناك أيضًا عملية لتبادل الأدوار؟
اختلفت مع صاحبي كثيرًا في طرحه لمثل هذه القضية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك
حينما تهكمت عليه بسخرية، وعزفت عن الدخول معه في حوار يتطرق لمثل ذلك،
وعلى طريقة: (ما بني على باطل فهو باطل) . ولكن ثمة شيء قد حدث
أعادني لمناقشة مثل هذا الموضوع وجعلني أرتب أوراقي وأجمع قواي وأدلي
بدلوي؛ فقد تعلمنا في تجربتنا المدرسية الأولى وذلك عندما كنا أطفالًا أن هناك
أدوارًا للمسجد أرسى من خلالها دعائم التربية؛ فقوَّم ما اعوج، وأصلح ما فسد،
فلم يقتصر دوره في كونه موقعًا للصلاة؛ بل كان مدرسة للعلم ومنبرًا للثقافة
وميدانًا للسياسة؛ اجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة وقراءة القرآن، فكان موقعًا
للعبادة ومكانًا للقاء العبد مع ربه، والتقوا فيه لدراسة السيرة والتاريخ فأصبح مدرسة
للعلم ومنبرًا للثقافة، واجتمع المسلمون فيه للقاء قائدهم وهو يتحدث لهم عن
الجهاد، ويرسم معهم السياسة العامة لدولتهم، فكان ميدانًا للسياسة، ولم يهتم
بالغني دون الفقير، أو الكبير دون الصغير، فكانوا كلهم سواسية[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] (الحجرات: 13) .
أين نحن اليوم من هذا وقد همش دور المسجد ليقتصر على أداء الصلاة فقط؟
تلك هي أسئلة ما زلت أبحث لها عن إجابة.
ولأنها سُنَّة الحياة هكذا دارت عجلة الأيام، فارتفعت أقوام وانتكست أعلام،
وأصبح هناك من يربط بين المسجد والإرهاب، وبين المسرح والمحراب، فبرز
من ينادي بإتاحة الفرصة للمسرح ليأخذ دوره في هذه الحياة، ونسي أو تناسى ما
بعد الممات؛ وكأن هذه الحياة انتهت بشهادة الوفاة، أين نحن من الاستعداد للقبور،
والبعث والنشور؛ فقد رفع بعضهم رايته وحاول الوصول إلى غايته، فأنشئت
مسارح للأطفال وكأنهم في حاجتها؛ فكانت الخطوة الأولى للاختلاط.
إن ما يقدم في هذا المسرح هو أبعد ما يكون عن أسس التربية السليمة التي
كان المسجد يقوم بها، فتذكرت حينها صاحبي وعملية تبادل الأدوار، لقد تحدث
بعضهم عن المسرح أنه مدرسة لتربية النشء يتعلمون فيه العادات الأصيلة والأشياء
الجميلة، ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك، وليس من رأى كمن سمع والتجربة خير
برهان.
إننا أحوج ما نكون وأكثر من أي وقت مضى لإحياء دور المسجد، ومنحه
الفرصة التي طال انتظارها ليعود مدرسة للعلم يتخرج منها أجيال تحمل على عاتقها
هموم الإسلام والمسلمين.