ملفات
مناهجنا.. آخر الحصون
نائل نخلة [*]
يقول يوري إيفانوف في كتابه: «الصهيونية حذار!» : إن دائرة الأفكار
التي يسمم بها الصهاينة عقول أطفالهم والتي يرجى منها أن تستقر في أفهامهم تبدأ
عادة بالتوراة. ويؤكد أندريه شوراكي في كتابه: «دولة إسرائيل» أن جميع
اليهود يعمدون إلى الرجوع في كل مناسبة إلى الماضي الذي تضمنته التوراة وروح
الأنبياء، وإلى الدور التاريخي والروحي للشعب اليهودي؛ أي إنهم يرجعون إلى
قلب التراث الضخم الروحي والفكري والأخلاقي والقانوني للتاريخ العبري.
أما فيكتور مالكا فيرى في كتابه «مناحيم بيغن: التوراة والبندقية» أن
اليهود استقوا من توراتهم تعليمات في أعمال العنف واستخدام القوة. فقد جمعت
قوانين الحرب في العهد القديم في سفر التثنية، وهي تحدد لهم أسلوب الاستيلاء
على المدن، وأسلوب التعامل مع أهلها، وهذه القوانين يعدها القادة الإسرائيليون
مصدرًا للوحي وشريعة مقدسة لاستئناف البعث اليهودي في فلسطين، على أساس
أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب.
ولعلنا نستشف من هذا الكلام المصدر الذي ينهل منه الصهاينة أفكارهم
وأسلوب حياتهم وهو التوراة؛ ولكن الوسيلة التي تتم من خلالها عملية نقل هذه
الأفكار والتي تنتج الاحتلال والتمييز والتفرقة والعنصرية والتعصب هي مناهج
التعليم في المدارس والجامعات الإسرائيلية؛ وهو ما أجملته الدكتورة الإسرائيلية
تسيبورا شاروني في مقدمة حديثها عن التوجه القومي في برامج التدريس في
المدرسة العبرية ضمن يوم دراسي في الكلية الأتوثوذكسية بمدينة حيفا في عام
1988م بالجمل الآتية: «إن جميع الجنود ممن يؤدون الخدمة العسكرية في
المناطق المحتلة ... أولئك الشباب الذين يسكنون أور يهودا ... حيث عمليات
إحراق العمال العرب ... إن ذلك كله نتاج مدرستنا ... نتاج البرامج التعليمية ...
نتاج التربية الرسمية وغير الرسمية ... ولكن للتربية الرسمية نصيب الأسد في ذلك.
إذ لم ترد كلمة واحدة في البرنامج التعليمي لليهود حول التطلع للسلام بين إسرائيل
وجاراتها ... فمثلًا من منا يذكر كتابًا واحدًا في الجغرافيا فيه اسم جبل باللغة العربية؟
لا وجود لهذا على الإطلاق؛ فالطلاب يتعلمون ذلك، وكأنه خلق هكذا ...
الأسماء العربية لا وجود لها على الإطلاق ... أنا لا أتكلم عن قرى عربية تم
محوها.. لا يذكرونها قطعًا ... هل هذه تربية؟ ... وماذا يعني كل هذا؟ ... لا
يوجد في الصفوف إطلاقًا خارطات تشمل الخط الأخضر ... أرض إسرائيل الكاملة
في جميع الخارطات بما فيها القدس والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة بوصفها
جزءًا من دولة إسرائيل» .
الصهيونية والدين اليهودي علاقة وثيقة:
ليس تأثير الدين اليهودي والمتدينين طارئًا على دولة إسرائيل؛ فمنذ انطلاقة
الحركة الصهيونية وهذا التأثير ملازم لها؛ إذ يشير ناجي علوش في كتابه:
«الأساطير والوقائع الصهيونية والأمة العربية» أن اليهود في أوروبا الغربية
عندما نشأت الحركة الصهيونية كانوا يمرون بنوع من الانعتاق؛ ولكن الانعتاق
أخافهم؛ لأنه يقود إلى الاندماج.
ولكن يهود أوروبا الشرقية كانوا متدينين وأكثر تمسكًا بالتوراة وطقوسها. ولم
يجد رواد الصهيونية السياسية إشكالًا في ذلك، ووجدوا الحل بدمج الصهيونية
السياسية، بالصهيونية الدينية.
وهذا ما قاد الصهيونية السياسية إلى تبني الأفكار والرموز الدينية المألوفة لدى
الجماهير وتحويلها إلى رموز وأفكار قومية في صياغة شبه دينية للبرنامج
الصهيوني ليكون محل قبول من كافة التنوعات الاجتماعية والعرقية والحضارية
والثقافية ليهود أوروبا. وطبيعي أن يقود هذا إلى علاقة وثيقة بين الصهيونية
والدين اليهودي.
ويضيف العلوش أنه على الرغم من أن الصهيونية بدأت من رجال يبدون
علمانيين إلا أن رواد الحركة الصهيونية اندفعوا إلى الدعوة للتمسك بالدين وإحياء
علومه ولغته ومحاربة الزواج المختلط.
التربية العبرية تحفظ اليهودية!
يقول الباحث الفلسطيني فارس عودة: لعل الدارس لطبيعة المجتمع
الإسرائيلي يلاحظ تلك الملاءمة والتوافق القوي بين أهداف التربية اليهودية من جهة
وأهداف الحركة الصهيونية وحاجات المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، فلقد
كانت التربية اليهودية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية، وبفلسفتها
المستمدة من تعاليم الصهيونية العدوانية، هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت
لتحقيق أهداف الصهاينة في إنشاء دولة إسرائيل وبقائها.
لقد جعلت الصهيونية التربية أحد الأسس والركائز التي تعتمد عليها لبناء جيل
يهودي ووطن صهيوني.
وهو ما أشار إليه مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل في يومياته حين
خصص التربية باعتبارها أسلوبًا لتحقيق هدفه، فأشار إلى بعض المواد التي يركز
عليها في مقدمة منهاجه واعتبرها ضرورية لذلك وهي الأناشيد الوطنية والدين
والمسرحيات البطولية.
أما القيادي اليهودي إلياهو كوهين فرأى في المؤتمر الصهيوني الثالث
والعشرين (1951م) أن مصير إسرائيل يرتبط بإيجاد جهاز حقيقي لتنفيذ التعليم
والتربية حسب المبادئ الصهيونية.
بينما أكد دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل في المؤتمر
الصهيوني الرابع والعشرين والمنعقد عام 1956م أنه لن يكون للحركة الصهيونية
مستقبل بدون تربية وثقافة عبرية لكل يهودي بوصفه واجبًا ذاتيًا.
واعتبر أن معرفة التوراة كفيلة بتزويد الفرد اليهودي بجذوره وأصله وعظمته
ومستقبله، ويضمن ارتباطه بشعبه في مملكة إسرائيل. ثم يسأل بن غوريون: ما
الذي سيحفظ اليهودية؟ ! ويجيب: «إنها التربية العبرية» .
ويحدد وزير المعارف والثقافة الإسرائيلي السابق زبولون هامر أهمية التربية
في المجتمع الإسرائيلي بقوله: «إن صمودنا أمام التحدي الكبير الذي يواجهنا
يتمثل في مقدرتنا على تربية قومية مرتبطة بالتعاليم الروحية اليهودية، تربية
يتقبلها الطفل راغبًا وليس مكرهًا؛ ولهذا فإن على جهاز التعليم الرسمي والشعبي أن
يتحمل التبعية الكبيرة للصمود أمام التحديات التي تواجه إسرائيل.
الهجرة والاستيطان ... التوسع والاحتلال ... التميز والتعصب:
ويميز الدكتور وائل القاضي أستاذ التربية في جامعة النجاح الوطنية والذي
أجرى بحثًا حول التربية في إسرائيل بين الأهداف المعلنة للتربية في إسرائيل
وغير المعلنة؛ حيث يشير إلى أن الأهداف المعلنة للتعليم الحكومي في إسرائيل
والتي حددتها المادة الثانية من قانون التربية والتعليم الإسرائيلي لعام 1953م هي
إرساء الأسس في التعليم الابتدائي على قيم الثقافة اليهودية ومنجزات العلم، وحب
الوطن، والإخلاص والولاء للدولة والإعداد الطلائعي، والسعي لتشييد مجتمع قائم
على الحرية والمساواة والتساهل والتعاون المتبادل، وحب الغير من الجنس البشري.
وقد أعرب اليهود عن قلقهم من أنهم لم يشددوا على القيم القومية بما فيه
الكفاية، فشرعوا بإدخال موضوع الوعي اليهودي الذي صادقت عليه الكنيست في
عام 1977م وجاء فيه:» في التعليم الابتدائي والثانوي والعالي ستهتم الدولة
بتعميق الوعي اليهودي بين صفوف الشبيبة الإسرائيلية وتجذيره في تاريخ الشعب
اليهودي وتراثه التاريخي وتقوية انتمائه الخلقي لليهودية من خلال إدراك المصير
الواحد والمشترك والواقع التاريخي الذي يوحد يهود العالم عبر مختلف الأجيال
والأقطار «.
وهكذا نجد أن الدراسة الدينية تحتل مكانًا بارزًا في مناهج التعليم عمومًا.
وكثير من الموضوعات التي تعالج تحت أسماء مختلفة ك» الوطن والتاريخ
والجغرافية واللغة العبرية «تدرس من الزاوية الدينية، وتؤكد هذه المناهج على
تنمية الوعي والحسّ اليهودي لدى الأطفال بقصد زيادة التركيز على صلة الطالب
اليهودي بتراثه القديم من خلال دراسته الدينية. ويتم التركيز في هذه المناهج على
زرع الأفكار الدينية في عقول الناشئة لتسويغ وجود رابطة دينية بينهم وبين أرض
فلسطين؛ ممّا يعطيهم الحق في بناء دولة لهم فيها، ويروِّجون أن إقامة دولة يهودية
في فلسطين هو تحقيق لما جاء في التوراة؛ فالرب قد اختار الشعب اليهودي واختار
الأرض. وما دام هذا الاختيار إلهيًا فإنه يعطي امتيازًا للأرض وللشعب الموعود
بها أيضًا. وبذلك تكون (أرض إسرائيل) مخصصة لبني إسرائيل وحدهم دون
غيرهم.
كما يتم التركيز أيضًا على أن الحياة اليهودية في فلسطين لم تنقطع منذ أيام
الرومان إلى العصور الحديثة، وأن دولة الكيان هذه أنشئت في بلاد قطنها المحتلون
والغزاة العرب طوال 1300 سنة، وأن عودة المهجرين اليهود من كافة أنحاء العالم
وتوطينهم في فلسطين تحت ستار العودة إلى أرض الوطن التاريخي ليس باعتبارهم
غرباء عن هذه الأرض بل باعتبارهم سكانها الأصليين الذين ظلوا بعيدين عنها
طوال العهود السابقة.
ووفقًا لما أورده الدكتور القاضي فإن الأهداف الرسمية للتربية والتعليم في
إسرائيل تتمثل بما يلي:
أولًا: تكوين مجتمع عضوي موحد.
ثأنبًا: بناء دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية.
ثالثًا: الحفاظ على التراث اليهودي ونشره وتعميقه.
رابعًا: دعم مركزية إسرائيل بين يهود العالم والالتزام نحوها باعتبارها دولة
اليهود.
وقد حددت السلطات التعليمية في إسرائيل هذه الأهداف لإرساء الأسس
التربوية الآتية:
1 -تعميق الوعي اليهودي الصهيوني.
2 -التربية على قيم القومية اليهودية الصهيونية.
3 -الاهتمام بدور اللغة العبرية من أجل الحفاظ على التراث اليهودي وبعثه
وتعميقه بين الشباب الإسرائيلي؛ ولهذا فقد أصبح دورها يفوق كافة أدوار التدريس؛
إذ تحتل مكانًا بارزًا في مناهج المدارس الإسرائيلية.
4 -ترسيخ جذور الشباب الإسرائيلي في ماضي الشعب اليهودي، وتراثهم
التاريخي؛ وذلك لخلق أجيال إسرائيلية تؤمن بالمعتقدات الصهيونية التي اعتنقها
جيل المؤسسين (الرواد) ، للتأكيد على (الريادة) وتصوير الرواد الأوائل
مؤسسي الدولة نماذج للاقتداء بهم.
5 -التعلق بالأرض: ويرتبط هذا الهدف مع ضرورة تكوين مجتمع موحد
فيه الشتات اليهودي ويلتصق به.
6 -فلسفة» دين العمل «ويرتبط مع الهدف السابق بوصفه أحد أركان
الثقافة اليهودية والهدف من التعلق بالأرض. وفلسفة دين العمل بها هو تحقيق
الاستيطان اليهودي في النهاية على أرض إسرائيل.
أما الأهداف غير المعلنة للتربية الصهيونية فيحددها الدكتور وائل القاضي
بالآتي:
* الإيمان المطلق بحق شعب إسرائيل في» أرض إسرائيل «وملكيتهم لها
والاستيطان فيها من خلال التكرار والتأكيد بالحديث عن الحق التاريخي في
» أرض إسرائيل التاريخية «.
* تحقيق التضامن اليهودي داخل إسرائيل وخارجها لضمان استمرار الهجرة
اليهودية والدعم المادي لإسرائيل خاصة من يهود المهجر.
* تكوين الاستعداد لدى الأجيال الإسرائيلية اليهودية للتوسع والاحتلال
والعنف، وكراهية العرب؛ وذلك بحجة إنقاذ الأرض.
* تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالاضطهاد عند
الأجيال اليهودية المتعاقبة، لضمان عدم اندماج وانصهار هذه الأجيال في أي
مجتمع آخر غير» إسرائيل «.
* إظهار التفوق العبري الحضاري عبر العصور لتكوين الإحساس بالتمايز
والتفوق، والشعور بالاستعلاء عند الأجيال الإسرائيلية الجديدة، وعودة الشعب
المختار إلى» الأرض الموعودة «.
* تشويه وتقزيم الصورة العربية في نظر الطالب الإسرائيلي مقابل التأكيد
على صورة» السوبرمان «الإسرائيلي الذي لا يقهر.
* تربية وتنشئة أجيال صهيونية متعصبة جدًا لصهيونيتها ودولتها بكل
ممارساتها مؤمنة بذلك إيمانًا مطلقًا.
على كل تلميذ حفظُ مقاطع من التلمود وتشرُّب روحها. ويؤكد رئيس مركز
الدراسات المعاصرة في مدينة أم الفحم الدكتور إبراهيم أبو جابر على أن الديانة
اليهودية تعتبر مصدرًا هامًا من مصادر الفلسفة التربوية عند اليهود؛ فلقد اعتمدت
التربية اعتمادًا كبيرًا على الدين في سبيل تشكيل أجيال متشبعة بتعاليم التوراة
والتلمود، من أجل ترسيخ مفاهيم معينة في نفوس الناشئة اليهودية.
وتهدف التربية الدينية إلى تربية الطفل جسديًا واجتماعيًا وانفعاليًا وعقليًا عن
طريق قصص من التوراة وأسفارها.
وفي هذا يقول حاييم وايزمن أول رئيس لدولة إسرائيل:» عندما بلغت ما لا
غنى عنه لأي طفل يهودي، وخلال السنوات التي قضيتها في مدارس الدين تلك،
كان عليَّ أن أدرس أشياء من أصول الديانة اليهودية، والذي ملك عليَّ لبي هو سِفْر
الأنبياء «وما يمكن ملاحظته وفقًا لأبي جابر هو الاهتمام الكبير بتدريس المواد
الدينية في جميع مراحل التعليم لأبناء اليهود أينما وجدوا؛ حيث تأتي مادتا التوراة
والتلمود في مقدمة الدراسات، وتعتبر المادتان أساسًا وإطارًا للغايات التربوية؛
حيث يقول مائير بار إيلان أحد مفكري التربية اليهودية:» إن روح التلمود
ومعرفة عامة شرائعه وآدابه يجب أن يكون جزءًا من دراسة كل يهودي متعلم،
حتى وإن لم يكن سيجعل من حقل الدراسة هذا مجالًا للعمل، والأمر شبيه بتعليم
الفيزياء والرياضيات؛ فمع أنه ليس كل تلميذ يتخصص فيهما، ولا يستخدم جميع
ما يتعلمه فيهما في حياته العملية، إلا أنهما ضروريتان له؛ كذلك بالنسبة للتلمود
يجب أن يحفظ كل تلميذ مقاطع معينة منه وأن يتشرب روحها.
ونورد هنا بعض التعاليم والأحكام التي يحتويها التلمود؛ حيث صيغت بمهارة
فائقة:
«اليهودي لا يخطئ إذا اعتدى على عرض الأجنبية، فإن عقود الزواج عند
الأجانب فاسدة؛ لأن المرأة غير اليهودية بهيمة ولا تعاقد مع البهائم. يجوز
لليهودي أن يُقسِم زورًا ولا جناح عليه إذا حوَّل اليمين وجهة أخرى.
إن أخطأ أجنبي في عملية حسابية مع يهودي فعلى اليهودي أن يقول له:(لا
أعرف)لا أمانةً، ولكن حذرًا؛ إذ من الجائز أن يكون الأجنبي قد فعل ذلك عمدًا
لامتحان اليهودي وتجربته. من يقتل مسلمًا أو مسيحيًا أو أجنبيًا أو وثنيًا، يكافأ
بالخلود في الفردوس وبالجلوس هناك في السراي الرابعة» .
يقرر التلمود أن اليهودي يعتبر عند الله أفضل من الملائكة؛ لأن اليهود جزء
من الله مثلما الابن جزء من أبيه.
ولا نستطيع قراءة كل ما جاء في كتب التدريس، ونكتفي بذكر الآتي وهو
وجود كتاب لتعليم القراءة تحت عنوان: «مكريؤت إسرائيل» للصفوف الدنيا من
الصف الثالث وحتى الثامن.
وقد قام الدكتور دانئيل بارتنا محاضر علم النفس في قسم التربية بجامعة تل
أبيب بدراسة تطرَّق فيها إلى هذا الكتاب قائلًا بأنه بواسطة الكتب التعليمية تمت
عملية غسيل دماغ للطلاب ليكرهوا العرب مما ينطوي على أبعاد مزعجة؛ إذ
تصور العرب بملامح سلبية: إنهم وحوش وغير إنسانيين؛ فلا يمكننا تجاهل
النتائج التي يستنتجها طفل لدى قراءته الخلاصة والأحكام التي يخرج بها عن
العرب كلهم.
وفي كتاب آخر لتعليم اللغة أصدرته دار النشر «هكيبوتس همؤحد» في
السبعينيات وما زال يدرس حتى يومنا. جاء في ص 277: «جلب اليهود روح
التقدم والازدهار إلى الشرق الأوسط؛ بينما زاول العرب أعمال النهب والسطو
والقتل» .
وقد استطاعوا بث هذه القيم في نفوس طلابهم وتحقيق هذه الأهداف عن
طريق مناهج التعلم الموجهة بدقة، فإذا اطلعنا على حجم دراسة مواد الدين اليهودي
واللغة العبرية في مناهج الصفوف الابتدائية الدنيا (2 - 4) كمثال على ذلك نجد
أن نسبة عدد ساعات دراسة هذه المواد تبلغ 35% في التعليم المدني بينما تبلغ 51
% في التعليم الديني في الصفوف الابتدائية المشار إليها.
وكما أنهم ركزوا جهودهم لتحقيق هذه الأهداف عن طريق (الكم) فإنهم
اعتنوا أيضًا بنوع المادة المطروحة في المناهج، فمنذ نعومة أظفار الطفل اليهودي
تركز التربية التي يتلقاها على أهداف محددة واضحة، ويذكر مؤلفا كتاب(فلسفة
وأهداف تربية الطفل اليهودي في فلسطين)أن أهداف التربية في مرحلة رياض
الأطفال تندرج تحت منظومة عامة من الأهداف تتلخص في «الهدف الرئيس وهو
تكوين مجتمع موحد ويرتبط أفراده بثقافة ومشاعر مشتركة، ويتخاطبون باللغة
العبرية، ويذكر المؤلف أن إسرائيل عنيت بتعليم الأطفال اللغة العبرية والديانة
اليهودية باعتبارهما الأساس لقيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وثمة أهداف
أخرى للعملية التربوية منها: بناء دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية،
والمحافظة على التراث اليهودي ونشره وتعميقه بين الناشئة اليهود. ولذلك أقامت
إسرائيل الجامعة العبرية في القدس، وسعت إلى اتباع أحدث الاتجاهات الغربية في
التعليم. وبالنسبة للمصادر التي تستمد إسرائيل منها هذه الأهداف فإنها تشمل:
الديانة اليهودية، الحضارة الغربية كحضارة عقلانية علمية، الحركة
الصهيونية كخلاصة للتفاعل بين المصدرين الأول» الدين اليهودي «، والمصدر
الثاني» الحضارة الغربية «، والناتجة عن قيم معينة تتلخص بالريادة والعمل.
وعن الغايات المنشودة من وراء رياض الأطفال فإنها وفقًا للمؤلف تدور حول تهيئة
الأطفال للتعامل الرشيد مع عالمهم المادي والاجتماعي، وتثقيفهم بالثقافة العبرية،
وإعدادهم لتحمل المسؤولية في المستقبل» [1] .
وفي الحقيقة فإن الأهداف التي تبلورت عبر التطور التاريخي للمؤسسة
التعليمية (الإسرائيلية) «قد عبرت عنها المناهج بشكل واضح، وبخاصة كتب
الديانات والتراث والتاريخ واللغة والأدب، حيث تتمحور حول المنطلقات التالية:
-هناك شعب يهودي كان في الماضي البعيد يعيش في وطنه» أرض
إسرائيل «موحدًا، ثم تشتت بفعل الاحتلال الأجنبي لهذا الوطن.
-خلال سنوات» الدياسبورا/ الشتات «كان الشعب اليهودي يحلم بالعودة
إلى وطنه، وعكست تعبيراته الدينية وموروثاته الثقافية الاجتماعية هذا الحلم.
-مع بدء التفكير في العودة إلى الوطن، كان» الجوييم «الأغيار لا يزالون
يقيمون في هذه البلاد، يسيطرون عليها أو يحتلونها.
-ونظرًا إلى أن الوطن» القديم الجديد «مأهول بالأغيار، فثمة ضرورة
للقيام بعدة اقتحامات في وقت واحد، أبرزها: اقتحام الأرض اقتحام العمل والإنتاج
اقتحام الحراسة ... إلخ.
-إن الروابط الدينية والتاريخية بين اليهود و» أرض إسرائيل «هي روابط
أزلية/ أبدية؛ الأمر الذي يجعل العرب في البلاد وكأنهم غير موجودين.
ويظهر من خلال الدراسة التي قام بها البروفسور أدير كوهين رئيس قسم
التربية بجامعة حيفا والتي تضمنت تحليلًا علميًا لأهم ما ورد في (42) من كتب
الأطفال العديد من تلك المعالم والمنطلقات؛ إذ يكثر في هذه الكتب الحديث عن
مملكة داود وسليمان، وعن حروب الرومان واليهود، وعن الغزو الأجنبي للبلاد،
وفي كل هذه الأمور وسواها تتناول الكتب أحداثًا مثيرة تركز على ما يسمى
(بطولات يهودية) ودفاعهم المستميت عن الوطن» [2] .
(نحن) فقط، وسوانا صفر:
وقد شهد غريبون بل يهود أيضًا بالنتائج البغيضة لهذه السياسة التعليمية التي
أثمرت العنصرية والإرهاب في أوساط اليهود، ففي عام 1946م زارت فلسطين
لجنة تحقيق إنجليزية أمريكية حول أساليب التربية الصهيونية، وخلُصت من
التحريات التي أجرتها بأن المدارس اليهودية، وهي تحت إشراف الطائفة اليهودية
وتدار بأموالها، قد أصبحت مشبعة بروح قومية ملتهبة، وغدت وسائل فعالة بالغة
الأثر لبث روح القومية العبرية العدوانية.
وفي عام 1959م وجَّه المجلس الأمريكي لليهودية في مؤتمره السنوي الخامس
عشر المؤسسات التعليمية اليهودية لتجرد مناهجها من الطابع الصهيوني والقومية
اليهودية المتطرفة التي تنادي بها الصهيونية.
وخلال مناقشات الكنيست في عام 1975م وصف النائب مائير فلنر التربية
الصهيونية في إسرائيل بقوله: «إن التربية الصهيونية في إسرائيل تسعى إلى
ترسيخ مشاعر التعالي القومي والعنصرية، ومعاداة العرب، والروح العسكرية
وإنكار حقوق الآخرين ... إن كل سياسة الحكومة الإسرائيلية غير إنسانية بما في
ذلك سياستها تجاه تربية أولادنا» .
ولعل المحامية الإسرائيلية فيليتسيا لانغر عبرت بصدق عن خلاصة واقع
التربية الصهيونية وهي تخاطب الشباب اليهودي الذي يهدم بيوت العرب في
الأراضي المحتلة إذ قالت: «لقد علموك منذ كنت صغيرًا فن الحرب، وزرعوا
فيك مشاعر التعصب القومي، والحقد على العرب، وأرادوا لك أن تحقد بكل ما
أوتيت من قوة على العرب الذين أعدوك لمحاربتهم، لكي لا ترتجف يداك عندما
تضغط على الزناد، وعندما دخلت المدرسة الابتدائية كان هناك من قرر بعد اثنتي
عشرة سنة أنك ستكون جنديًا؛ لذلك ستتركز تربيتك منذ الآن على تعلم الحرب،
وبدأ ذلك بتنمية مشاعر التفوق القومي فيك مع رصيد لك في ماضيك من إهانة لقيم
الشعب الآخر.
» نحن فقط ... وسوانا صفر «هذا ما استنتجته بحق من مادة التدريس» ،
وهذا الشيء في مجال السياسة معناه: «لنا كل البلاد ومن سوانا لا وجود لهم. ما
أتفه العرب: هكذا بدوا في عينيك بالقياس إلى كل هذا المجد. وعندما بلغت سن
الرشد علموك عن الطبيعة السيئة للعربي الذي لا يفهم إلا لغة القوة والقسوة،
والمستعد دائمًا أن يقضي عليك بلا رحمة، فرددت وراءهم عبارة حكمائنا:» الذي
ينوي قتلك سارع إلى قتله «؛ لأنه لا يوجد لك خيار طبعًا؛ لهذا فإن السلام سيأتي
فقط بعد أن ننتصر على العرب في الحرب؛ لأنهم لا يفهمون إلا لغة القوة» .
إقبال شعبي:
لم يكن الاهتمام بالقيم التوراتية والتلمودية في التعليم الصهيوني اتجاهًا رسميًا
وحسب، بل إنه أيضًا يعبر عن رغبة شعبية متنامية في الاتجاه إلى إلحاق الناشئة
بالتعليم الديني التوراتي إيمانًا منهم بالنص التوراتي الذي يقول: «من كان له ولد
فليعلمه التوراة» . وهذا الاتجاه المتنامي حقيقةٌ تشير إليه الإحصائيات والأرقام
الرسمية خاصة في الفترة الزمنية الأخيرة، حيث تشير معطيات نشرتها وزارة
التعليم الإسرائيلية بمناسبة بدء اليهود العام الدراسي الماضي أن عدد التلاميذ اليهود
الملتحقين بمؤسسات ومدارس التعليم الديني في إسرائيل ازداد بأكثر من 130%
خلال العقد الماضي.
وبحسب المعطيات الرسمية التي نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» فقد
ارتفع عدد التلاميذ في أطر التعليم الديني من 48 ألف عام 1990م إلى 111 ألفًا
عام 2000م.
ويتضح أيضًا أن عدد الطلاب في مدارس تعليم الشريعة اليهودية (التوراة)
ازداد في نفس الفترة بحوالي 88%؛ حيث ارتفع عدد الطلاب الدارسين فيها من
17 ألف طالب قبل عشر سنوات إلى 32 ألفًا في السنة الحالية.
وأشار مسؤولون في وزارة التعليم الإسرائيلية إلى أن اتجاهات الزيادة القائمة
في عدد الطلاب في أطر ومؤسسات التعليم الديني ستستمر في السنة الدراسية
المقبلة، ويعزو المسؤولون أسباب ازدياد الإقبال على هذه المؤسسات والمدارس إلى
حملات الدعاية، وتخفيضات الرسوم التي تقوم بها شبكات التعليم الخاصة التابعة
لأحزاب المتدينين المتزمتين، ولا سيما الشبكة التي يديرها حزب «شاس» الديني
الشرقي.
ووفقًا للمعطيات الرسمية ذاتها فقد سجل في مقابل هذا الارتفاع الكبير في عدد
طلاب مؤسسات التعليم الدينية انخفاض في نسبة طلاب وتلاميذ جهاز التعليم
الحكومي في إسرائيل من 73% عام 1990م إلى 67% في العام قبل الماضي.
هكذا يربى اليهود أبناءهم، وهكذا يقبل اليهود على تعلم دينهم، فما موقفنا
نحن من التعليم الديني في بلادنا؟
حقائق عن إسرائيل:
يتكون المجتمع اليهودي في إسرائيل الآن من يهود متدينيين وغير متدينين.
وبين مختلف الفئات هناك الأرثوذكس المتطرفون، وهم يغالون في التدين ويناوئون
الصهيونية، وهناك من يعتبرون أنفسهم علمانيين. ومهما يكن من أمر فليس هناك
خطوط واضحة بين هذه الفئات.
وبصورة عامة يمكن القول إن20% من السكان اليهود ملتزمون بالفرائض
والشعائر الدينية، وعلى هذا الأساس هم أرثوذكس. وهناك حوالي60% يلتزمون
بقسم من الفرائض والشعائر، حسب ميولهم وتقاليدهم السابقة في حين يعتبر 20%
غير متدينين إطلاقًا.
وهناك مقاييس أخرى يمكن استخدامها لتحديد مدى التزام جمهور معين
بأسلوب حياة متدين، منها التحاق الأطفال بالتيار التعليمي المتدين (30%) ، أو
تصويت الناخبين لصالح الأحزاب المتدينة (10 15%) .
المتدينون ينقسمون من حيث الالتزام الديني والعلاقة
مع الدولة لشرائح
وأنواع:
1 -المتدينون المتزمتون (الأرثوذكس أو الحريديم) : وهم الذين يحملون
أفكارًا معارضة لمبدأ تأسيس الدولة، ويشكلون غالبية التيار المتدين، ويسكنون
أماكن خاصة بهم، ولهم أنماط حياة أيضًا خاصة، منهم من يتعاملون مع الدولة
ومؤسساتها ويشارك هذا التيار في الانتخابات انطلاقًا من مبدأ المصلحة أمثال
(شاس، ديغل هتوراة، حباد) .
وقسم آخر يرفض ذلك جملة وتفصيلًا، بل يتهم دعاة الصهيونية بالزندقة
والكفر، ولا يحمل بعضهم الهوية الإسرائيلية، أمثال جماعة ناطوري كارتا.
2 -المتدينون الوطنيون: وهم جزء من المتدينين اقتنعوا بطروحات الحركة
الصهيونية ومبادئها، فخلطوا التدين والوطنية، فهم يشاركون منذ قيام الدولة في
الحكم، ويخدم أبناؤهم في الجيش جنبًا إلى جنب مع الآخرين غير المتدينين،
وهؤلاء ينتمون لحركة (المفدال) .
3 -المتدينون الإصلاحيون: وهؤلاء وجودهم قليل في إسرائيل لكون مقرهم
الولايات المتحدة الأمريكية. وهم أشبه بالتيار التحريري لدى النصارى
(البروتستانت) ، وعلى صراع مرير مع المتدينين المتزمتين بحكم تحررهم في
المسائل التعبدية، وتجاوزهم لكثير من المعتقدات لدى اليهود الأرثوذكس.
أهداف تعليم الدين كما ينعكس في المنهج التعليمي لليهود وللعرب
... ... ... ... الأهداف لليهود ... ... الأهداف للعرب
التربية للهوية * أن يتعرف الطالب على ما كتب ... * تنمية شعور الانتماء
والانتماء القومي في التوراة عن الشعب، وعلى آبائه ... القومي عند المتعلم
وأجداده وعلى رجاله وتاريخه وعلى ... دينيا وتاريخًا
... ... صراعه المستمر من أجل الاستيطان ... وحضاريًا. ...
... ... في أرض إسرائيل والتمسك بها.
... ... · أن يتعرف الطالب على قيم مثل: الشعب
... ... المختار الأجنبي.
... ... · أن يتعرف على مكانة أرض إسرائيل في
... ... الكتاب المقدس، وعلى العلاقة بين الشعب
... ... وأرضه ومناظر البلاد وأثرها.
التربية للتعايش ... لا يوجد ... ... ... * أن يعرف الطالب أن الإسلام
... ... ... ... ... ... ... يدعو إلى التعايش بين البشر
... ... ... ... ... ... ... على اختلاف ...
... ... ... ... ... ... ... أجناسهم وألوانهم ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... وعقائدهم الدينية.
... ... ... ... ... ... ... * أن يتعرف المتعلم على
... ... ... ... ... ... ... الديانات الأخرى واحترامها.
... ... ... ... ... ... ... * تنشئة المتعلم اجتماعيًا ...
... ... ... ... ... ... ... ليتفاعل ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... مع المجتمع بفئاته المختلفة
... ... ... ... ... ... ... حيث تكون ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... علاقاته مع أفراد مجتمعه ... ...
... ... ... ... ... ... ... علاقة أخذ وعطاء وتأثير ... ...
... ... ... ... ... ... ... متبادل. ... ... ... ... ... ... ... ... ...
**هامش:
(*) مراسل مجلة البيان في فلسطين.
(1) نقلًا عن عرض مجدي محمد عيسى للكتاب في مجلة المعرفة السعودية , ع / 19 , ص 92.
(2) مجلة المعرفة , ع / 20 ص 71.