مصطلحات ومفاهيم
د. محمد يحيى
مصطلح «التنوير» هو النموذج الأشهر أو (الكلاسيكي) في هذه الفترة
لأسلوب عهدناه في عملية التعاطي مع الغرب ومفاهيمه الفكرية ومصطلحاته، ألا
وهو انتزاع المفاهيم والأفكار والمصطلحات من بيئتها الثقافية وسياقها التاريخي
والحضاري المخصوص الذي نبتت فيه ويحدد دلالاتها، ثم زراعتها تعسفًا في بيئة
ثقافية وسياق اجتماعي وعقيدي مغاير لها إن لم يكن مناقضًا.
والحق أن كشف هذا الأسلوب في النقل قد يكون أكثر أهمية في تصوري من
محاولة وضع التعريفات لمصطلح التنوير أو غيره؛ لأننا سنظل ندور في حلقة
مفرغة من التعريف، ثم إعادة التعريف إلى ما لا نهاية إن لم ندرك السياق الأوسع
الذي تجري فيه التعريفات، وكيف يتحكم هذا السياق في تعريف المصطلحات
ورسم ظلالها ودلالاتها، وتحديد مضامينها الخاصة والدقيقة والمتغيرة وتغيير هذه
المضامين، وتحديد النظرة السلبية أو الإيجابية لتلك المفاهيم؟
والأسلوب الذي أعني هو أن الفكرة أو المفهوم الذي هو ابن البيئة التاريخية
والثقافية في الغرب، والمتمثل في رد فعل لأوضاعها وتجاربها الخاصة يعد في فكر
الفلاسفة المدققين عندهم اصطلاحًا خاصًا ونسبيًا تقتصر انطباقيته على أوضاعهم.
غير أن الناقلين عندنا من أوساط العلمانيين والمتغربين يأخذون الفكرة والمفهوم
والمصطلح الغربي المنشأ ليحوِّلوه أولًا إلى كيان مطلق عالمي الصلاحية والانطباق،
ثم يفرضونه ثانيًا على السياق الإسلامي الحضاري، ويزيحون به ويطردون
مفاهيم وأفكارًا ومصطلحات إسلامية هي بنت العقيدة والتاريخ والأمة بعد أن
يصِمُوها بالنسبية والتاريخية والمحدودية.
وهكذا تنعكس الأمور في لعبة فكرية تُدهش من وقاحتها وانكشافها؛ فالمتغير
والنسبي والتاريخي عند الغرب(لأنه نابع من خصوصيات حضارتهم، ومنزرع
وسط أوضاعها، وردُّ فعل على تطوراتها)يصبح هو المطلق والعام والثابت عندنا
بعد أن تُنزع من بيئتنا الثقافية والحضارية مفاهيم وأفكار ومصطلحات(منها
المطلق والثابت)بعد وَسْمِها بعدم الصلاحية، وبأنها نسبية تاريخية متغيرة. إنها
عملية غريبة تختلط فيها المبادئ، ويحلو اللعب بتغيير النسبي إلى المطلق والعكس
بالعكس لمجرد زرع الفكر الغربي داخل الوسط الإسلامي، وطرد الإسلام، من بين
أهله وعشيرته، ومصطلح «التنوير» كما قلت هو أحد النماذج الكبرى لهذه
العملية.
فالتنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة واسعة من الكتابات
ظهرت بدءًا من أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وإلى نهايته في أوساط الفلاسفة
والمفكرين في فرنسا أساسًا، ثم إلى درجة أقل في بريطانيا وألمانيا. وهذه الأفكار
ظهرت وسط بيئة متشابكة من ردود الأفعال على الحكومات والطبقات المستبدة
(الملَكية) في تلك الحقبة، وعلى الأفكار الكنسية المصاحبة لها والمعضدة لها، كما
ظهرت متأثرة بنضوج الفكر العقلاني (كما أسموه) الراجع بجذوره إلى عصر
النهضة الأوروبية والمزدهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كذلك. وظهرت
تلك الأفكار على أعتاب التغيرات الكبرى التي حدثت في أوروبا (ومهدت لها) في
القرن التاسع عشر فيما عرف بعصر العلم، وعصر الثورة الصناعية، وعصر
صعود الطبقة البورجوازية، وعصر الثورات الكبرى (الأمريكية والفرنسية) ،
وعصر الفكر الحر، وعصر المذاهب الفلسفية الرئيسية (الهيجلية والماركسية) ،
وتحدد مضمون الكم الفكري المؤسس لحركة التنوير في الأساس بالموقف من الدين
وفكره (وهو هنا المسيحية) كما رسم الفكر العقلاني الإنساني السابق على حركة
التنوير والمصاحب لها، ولهذا اتسم فكر التنوير بعداء شديد ورفض للدين مسوَّغ
بالعقلانية التي ترفض الغيبيات، وتجمع بين الدين وبين الخرافة والخزعبلات في
وعاء واحد.
وفكر التنوير يرفض أن تكون الكنيسة وسيطًا بين الإله والبشر، كما يرفض
عقائدها المعروفة، ويرفض كتابها المقدس بعد عرضه على مقياس العقل النقدي
المادي التشككي النزعة وعلى معيار علم التاريخ المادي النزعة. ويستخدم فكر
التنوير مفهوم العقل بمعنى التوجه المادي والتشككي على وجه الخصوص ليوجه
النقد إلى الدين (المسيحية) والكنيسة ومؤسسات الحكم والطبقية في الغرب في ذلك
الوقت. كما يُستخدم ليدخل مفاهيم جديدة تحل محل العقائد المرفوضة؛ مثل مفهوم
(الإنسانية) ككيان عام و (الإنسان) ككيان مطلق يحدد وحده معايير حياته وقيمها
وأهدافها انطلاقًا من إعمال العقل (بمفهومه كحس عام مطلق موضوعي) في شتى
شؤون الحياة، وهكذا تتحدد وترتسم الملامح والمحددات والمفاهيم الكبرى لفكر
التنوير، وهي إعلاء شأن العقل بمفهومين هما: العقل المادي والتشككي من ناحية،
والمطلق العام الموضوعي المشترك بين البشر من ناحية أخرى باعتباره وحده
(لا الدين ولا الوحي ولا الكتاب المقدس ولا الكنيسة التي أسقطها النقد الموضوعي
العقلي) مناط الهداية والتوجيه والسلوك، ورسم القيم والأهداف العامة في الحياة
لذلك الكائن العام وهو الإنسان أو الإنسانية الذي أصبح وحده (وليس الإله) معيار
كل شيء وواضع القيم والأهداف؛ بل هو هدف كل نشاط ومقصده، ومع العقل
والإنسان تصبح الدنيا هي المحور الأساس لكل نشاط وعمل، بل تصبح هي
الوجود الوحيد ولا وجود غيره (الآخرة مثلًا) .
هذا اختصار شديد لمجمل فكر التنوير، ركَّزنا فيه على جانب الموقف من
الدين وهو الجانب الرئيسي فيه كما أنه الجانب الأكبر في دعوى التنوير التي بدأ
بعض العلمانيين والتغريبيين في العالم الإسلامي في الترويج لها في الفترة الأخيرة.
والواقع أننا عندما نسمع في هذه الآونة الحديث المتكرر عن ضرورة وضع كل
عقائد الإسلام وشريعته وكتابه وتاريخه على محك ما يسمى بالعقل(وهو في
الحقيقة عقل خاص يتعلق بأصحاب الدعاوى وحدهم)نلمح فيه بسرعة الكلام الذي
كان يتردد في أوروبا في القرن الثامن عشر عن المسيحية وكنيستها وكتابها بدون
تغير يذكر، وهكذا تطير بجرَّة قلم كل الفروق العقدية والتاريخية والزمنية والسياقية
لنجد أن كلامًا قيل في دنيا أخرى يُجلب ليكرر تقريبًا في عالم مختلف وبدون مراعاة
لكل عوامل النسبية والتاريخية والتغير والسياقية والبيئية والخصوصية التي يقول
الغربيون وأتباعهم عندنا إنه يجب مراعاتها في مثل هذه الأمور، بل يدَّعون أنهم
يراعونها طيلة الوقت عندما يضربون عرض الحائط بالكثير من الأحكام التشريعية
الإسلامية تحت شعارات مراعاة العصر والاجتهاد وما أشبه.
ومن هنا فالتنوير السائر هو في حقيقته ليس تنويرًا على الإطلاق بل محاكاة
وتقليدًا وجمودًا على أفكار غربية سقطت حتى من سياقها التاريخي والثقافي الخاص
إلى حد أننا أصبحنا اليوم نقرأ لقلة من مفكري الغرب تنعي هذا السقوط، وتدعو
عبثًا لإعادة إحياء التنوير؛ وهيهات.
وفوق هذا فالتنوير الذي يُروِّج له بعض الناس الآن ليس تنويرًا بالمفهوم الذي
قد يتبادر إلى الذهن من نشر للعلم والفكر والتأمل العقلي، بل هو لا يعدو كما قلنا
إطلاق شعارات عامة غامضة موجهة كلها ضد الدين (الإسلام) ، في إطار خطة لا
تنويرية ولا عقلية ولا علمية بل سياسية محضة، هي ما اصطُلح على تسميته
بسياسة مكافحة التطرف والإرهاب المزعومَين والمنسوبَين إلى الحركات الإسلامية
وإلى دعاة الإسلام. وإذا كان من صدق في نية الحديث عن التنوير فكان يجب أن
يكون كذلك عن الإسلام، وفي إطاره وخدمة لدعوته.