الورقة الأخيرة
د. محمد البشر
الولوغ في الأشخاص والهيئات مسلك ذميم.. ومن ظلم النفس والآخرين أن
تكون هذه الصفة دأبًا لصاحبها إما عن غفلة وإما عن قصد، وكلاهما مر.
وهذا المسلك المشين يلحظ على أخلاقيات بعض المحسوبين من الصالحين.
فإذا اغتنى أحد بمال.. استكثره عليه، وتساءل: من أين له؟ وكأن الغنى
حكر على غير الصالحين، وغاب عنه أنه: «لا حسد إلا في اثنتين» [1] ،
و «ذهب أهل الدثور بالأجور» [2] . وكأنه لا يجتمع داعية وغنى! !
وإذا سبق أحدٌ بالخير تجشَّأت نفسه بالبَشَم الدنيوي؛ فسخر من قَدْره، أو سفه
بعمله، أو هزأ بفضله، وغاب عنه قوله تعالى: [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ]
(الحديد: 21) ، وقوله: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ]
(النساء: 54) .
وإذا عمل معه آذاه ووشَى به، وتجنى عليه بالثلب والسلب، وزاحمه
بالأكتاف والأكعب، وكأن المكان لا يتسع إلا له، وغاب عنه قول ربه:[وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا]
(الأحزاب: 58) .
إن التدافع بالألسنة والأكتاف والأكعب لا يكون إلا في الخير وللخير، أما أن
يدور في فلك المنفعة الشخصية الذاتية؛ فيقترف صاحبه لأجله خطيئة، أو يكسب
إثمًا، ويتجاوز ضرره النفس إلى الغير، فهو أمر يستدعي تهذيب النفس وصَقْلها،
وربما عَسْفها وأَطْرها على الحق راغمة وصاغية.
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [3] ، وسلامة القلب علامة خير عظيم
ونبوءة أجر كبير، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلمعن أحد أصحابه أنه من
أهل الجنة، فلما تقصَّى صحابيٌّ دأبه في ليله ونهاره لم يجد كثير عمل غير أنه
يمسي ولا يجد في قلبه على أحد شيئًا.
التُّقى والصلاح لا يُحلان التجني على الآخرين وإيذائهم والنيل منهم، ولن
يكونا شفيعين لصاحبهما أن يَلِغَ بلسانه في سيرهم أو يجد في نفسه شيئًا عليهم، بل
حري بمن هو في عداد الصالحين أن يكون التُّقى والصلاح سياجًا يحميه من الإثم
وأسباب الخصومة والبغضاء التي تضر ولا تنفع، وتفرق ولا تجمع، وأكبر
الضرر أن يتعدى الأشخاص إلى مؤسسات الخير والدعوة.
ومعنى أن يصدر ذلك كله من الدعاة الصالحين هو تجريح للنماذج، وتهافت
للرموز.
(1) رواه البخاري، ح/ 71.
(2) رواه مسلم، ح/ 1674.
(3) رواه مسلم، ح/ 4651.