فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 5925

قصة

إمارة أبي صالح

د. مصطفى السيد

[قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْمًا *

آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ

آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ ومَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا

رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقًا].

أطبق أبو صالح المصحف على كره، فهو لا يتذكر منذ أمد بعيد أنّه لم

يستكمل تلاوة سورة الكهف يوم الجمعة.

-ما بال هؤلاء الزوار الدائمين قد استعجلوا الحضور إليَّ؟

ربها أكون أنا الذي أخَّرت موعد التلاوة، أيًا كان المسؤول، ليس مهمًا،

المهم والمطلوب: أن أقوِّم هذا اللقاء نفسه والذي بات شبه يومي، هل يعقل أن

يستمر على نفس الوتيرة، وعواصف التغيير أشبه بإعصار يضرب كل شيء

بعنف حولنا محاولًا استئصالنا من الجذور؟

-وعليكم السلام ورحمة الله. ادخلوا، يسترجع آية الكهف في سره، ثم

يجهر بـ: [وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقًا] .

-أبو صالح اليوم على غير مألوفه، إنه يغرق وجهه في بحر لجي من

الصمت، لكأنما طرقات الباب قد أصابت منه لوحة التفكير بعطب شديد.

-لم أع ما قلت يا دكتور خالد، ماذا تقول؟ لم أكن معكم، إن أحدنا يوشك

أن يتهم سمعه وعقله بعد هذه الحرب الضروس في منطقة الخليج، إن ما يجري في

المنطقة يجعلنا مشدوهين، مأخوذين، عاجزين عن التفسير.

-سيأتي يوم تستطيع فيه معرفة الأمور على حقيقتها..

-عجبًا لك يا دكتور خالد، كثيرًا ما كنا في هذا المجلس نذُمُّ انصرافك إلى

قراءات نعتقد خطرها عليك، أو على الأقل عدم فائدتها لك. ولكن الآن نتهم

مقروءنا، لأنه لم يسعفنا في النوائب، ونجد في مقروئك تأويل غربتنا وتعبير

عزلتنا.

-أما وقد اعترفتم بأن ثقافة مجلسكم تعاني خللًا بنيويًا ومفصليًا، أو

باصطلاحكم: ليست (جامعة مانعة) ، وأصبحتم بالتالي تتقبلون رأيي، وهذه إحدى

فوائد حرب الخليج، فاعلموا - هداكم الله: أننا لن نحصل على كل شيء

بالقراءة وحدها..

-إن أبا صالح لم يؤخذ فقط بما سمع من الدكتور خالد، بل هو فيما يبدو قد

ذهل عن نفسه وعن عاداته، فلأول مرة منذ خمس عشرة سَنة يقدم الشاي مُرًَّا قبل

القهوة المُحلاَّة.

-إنك يا محمد تقيس حياتك ارتفاعًا وعمقًا بالشاي والقهوة، بل لا ترى لك

وجودًا خارجهما أو في غيابهما.

-لقد رأيت ثقافة الشاي والقهوة، واسمحوا لي أن أضيف إليهما علم الذبائح،

وطبقات فارِهِ السيارات، وشاهق العمارات، وجدت مثل هذه الثقافات تضمن لأهلها

حياة مأمونة وعيشة راضية. ومن وجهة نظركم تُعدُّ سجنًا، لا بأس، ولكنها سجن

مريح، يجعلك في الفعل والحضور والحجر سواء، (وحسبك من غنيٍّ شبع وريّ) ، إن هذا المذهب لم يكن شأني وديدني فحسب، بل هو أمر معروف عند كثير من

الناس الذين يرون فوائد هذا المذهب.

-فوائد؟ ! لا حول ولا قوة إلا بالله، أول مرة في حياتي أسمع إنسانًا يُفلسف

عبوديته، ويفتخر بتحرره من مسؤوليته ورجولته.

-هوِّن عليك يا أبا صالح، فأنا مسجون قبل أن أولد،(وسجيني في دمي،

كيف الفرار؟)

آلة الفكر تعطلت تمامًا، كأن تيار التشغيل لم يتصل بدورة الحياة، وكان

جدي بين أفراد القبيلة كلها أحد أوثق الرواة وأوعاهم وأجمعهم لتجربة القبيلة، كان

ديوانها مكتوبًا على جبينه، مخطوطًا في سلوكه، ولم يكد يمر يوم في حياتنا، دون

أن يقرأ علينا شيئًا من فلسفة هذا المذهب؛ تنشئةً لنا على مناقبه وتأسيًا لجيلنا على

فضائله.

وكان مما حفظتُ من الوالد فيما وعاه من فم الجد:

[إن الحياة لا تستحق من مغامرة كبيرة، ولا تستدعي أن يتجاوز حضورنا

فضيلة الصمت أو تشغيل العقول، فنحن كفينا بعقول من سبقونا، ولم لا يعلن عن

جراج لبيع العقول أو تأجيرها تحت عنوان:(عقول مفروشة للإيجار، مؤسسة

تتَّجِرُ بثقافة الاحتضار ومعلبات الأفكار).

لِم يُستنكر هذا العرض؟ ، ما دامت الجهات الأربع قد قُنْبِلَتْ بدساتير

الممنوعات (لم يعد الأصل الإباحة) ، ولُغِّمت بنظم المحرَّمات، وأصبحت الخرائط

بلا عالم (والناس في المدن الكبرى عدد) ، إننا بأمسّ الحاجة إلى لغة شديدة

الاختصار، لأن لغتنا باتت فضفاضة مترهلة، أوسع من أمنياتنا، وأوفر من

حاجاتنا، انظروا إلى جبال الكتب وجيوش الكُتَّاب التي تسد الأفق أو تكاد، وتوشك

الحيلولة بين نور الشمس والعباد، انظروا إليها وقد غدت معارض للغة الخاوية،

وكان والدي كجدي من أولئك الرجال القادمين من المستقبل إلى الماضي، يعتقد أن

مسيرة الحياة قد انتهت، وكل إبداع آت ليس إلا ابتداعًا، إنه بحفاري القبور أشبه،

وأفكاره أقرب إلى أن تكون أكفانًا نواري فيها عزائم التجديد بعد وأدها.

-لم لا تخرج أفكار الوالد هذه بحاشية جديدة يحشَّى بها كتابه.

-أرجوك يا دكتور خالد لا تقاطعني، دعني أكمل، ولعلك تقوم بهذه المهمة

ما دمت قد وقفت على أصول المخطوطة، وكان الولد -رحمه الله- يرى أن فلسفة

التاريخ تتمثل بحركة دائرية تنتهي من حيث ابتدأت، فهو يدور حول نفسه، أو

حول عقولنا، وفي كل دورة تاريخية تتوسع أمداء السجن وفضاؤه، وتعلو جدرانه

علوًا يُلْغِبُ المتسوِّرين، كان يرفض تناسخ الأرواح ولكن يعتقد بتناسخ الأفكار.

كانت لغته مسكونة بالماضي، مصادرة في أبهائه وأطلاله، يتغنى:

لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير

جادك الغيث إذا الغيث هما ... يا زمان الوصل بالأندلس

الفعل الماضي المسند إلى واو الجماعة يشكل معجمه اللغوي، كانوا عاشوا

الإشارات المتلهفة، أولئك كان يتقن استحضار الماضي دون أن يستشعر أي دور

مستقبلي، كيما يكون نقطة توصيل أو جسر تواصل بين الماضي والحاضر.

إنها أكثر من شجاعة، لأن الإنسان عندما يعي سجنه يكون أكثر وعيًا من

إنسان يقتات حرية زائفة.

-عجبا لك يا دكتور خالد، كيف تستطيع أن ترى بقعة خضراء وسط هذه

الظلمات المتكاثفة، وفي مثل هذه البانوراما الكالحة التي عرضها الأخ (محمد)

على مسامعنا.

-لا ضير أن أصارحكم بأننا بيننا وبين هذه القبيلة أعظم من وشيجة الرحم

وأكثر من صلة القربى.

-يا أبا صالح هذا ليس شعورك وحدك، بل يخامرنا جميعًا مثل هذا

الإحساس، إن طبيبًا يشخص أمراضنا بحق لا يقارن بطبيب يسوق في مسامعنا

جملًا مستهلكة، مثل هذا الطبيب الثاني، يعجز عن مواجهة مشكلة في مبتدئها،

ليجعلنا عما قليل في مواجهتها وقد صارت معضلة يتعسر حلها، بعد أن أنضجها

الزمن الذي يسعفه جهل المعالجين أو تجاهلهم المسنود إلى جهل المعالَجين المفقود،

وحضورهم المختزل إلى أبعد الحدود، في طريقه إلى المسجد أنشأ أبو صالح يثني

على الله-عز وجل-، أن يتجاوز مجلسه ما غرقت فيه كثير من المجالس، من

كونها باتت ملتقى لتبديد الوقت، وبث اليأس، وتصنيع الفراغ تمهيدًا لتسويقه -

في سوق العجز - تحت أسماء مختلفة، وشرع يدعو ربه تضرعًا وخيفة أن يجعل

من هذا المجلس مثابة للحائرين، وأن يضاعف الله في قطرات الأمل التي أخذت

تتلألأ على تلكم الوجوه من رواد المجلس، وردد بفرح غامر وبهجة متنامية:

] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[

]الحديد: 17[.

آه كم كنت أظن أن المقبرة هي الوصف الأليق بمجلسنا، ليت كل مسلم

يعرف أن لديه ما يعطيه، وعنده ما يقدمه ليبزُغ في الكون فجرٌ جديد.

آه ليت تجربة هذا المجلس تطير إلى كل أرجاء المعمورة، وتابع أبو صالح

محدثًا نفسه:

لكَم تأملت عندما كان الدكتور خالد يحدثنا عما يجري في العالم من أحداث

مهمة ولها تأثير في عالمنا الإسلامي.

إني إذا تذكرت ذلك الآن انتفضت من الأعماق، واسترجعت قول رسولنا-

صلى الله عليه وسلم-: «وليس وراء ذلك مثقال ذرة من إيمان» ، ولعل هذا

الحديث يعيد الحياة إلى دستور اللاءات الإسلامية المعطل، لعلَّ ...

لم يعد لقاء الجمعة في قهوة أبي صالح مجرد فرصة للتفنن في الهروب من

أعباء الحياة الجادة ومسؤوليات العقيدة الحية، بل أخذ المجلس يُحَدِّد روَّاده ويتحدد

بهم، وجعل المترددون والمتشردون يشعرون ألا مقام مطمئنًا لهم إلا في جنباته،

وصار الحوار الذي يدور بين جدرانه الأربعة يتردد في جهات البلاد الأربع،

تهاوت الجدر، وأخذت الحياة تولد من جديد، والشمس تشرق على البطاح النائمة،

لتوقظها برفق، جاعلة من كل يوم ميلادًا جديدًا، اكتست الأشجار خضرة جديدة،

وباتت الطرق تنتهي بالمرتادين إلى أهداف محددة، اتصلت الخطوط المقطوعة

بأرجاء الكون الفسيح، وحضر المقهورون الغائبون الذين كُتِّمت أصواتهم وتقطعت

بهم الأسباب من المسلمين، حضروا مجلس أبي صالح، وتقدم الحديث عنهم،

القضايا التقليدية التي قُتلت درسًا، واستهلكت الأعمار بلا منتوج ولا مردود.

ابن تيمية بعث حيًا، أخرج من سجن الغربة والاختزال، أعيدت قراءته عبر

مجاهر جديدة، وطرح مشروعه الإسلامي المتجدد، لم يعد ذكره ينتزع مجرد دعاء

له بالرحمة، وحوقلة العجز، واسترجاع اليأس، بل بات فكره دليل العمل وبوصلة

تحدد للمجلس اتجاهه.

لقد سقط الذين التمسوا في ابن تيمية أدلة تعاجزهم، فلم يروا منه إلا ما

سمحت به مصالحهم وأباحه لهم هواهم.

كما سقط يا دكتور خالد أولئك الذين ظنوا أن كتب الرجل وفكره مجرد زينة

وتنويع في إيقاع معزوفة الفكر المخملي.

-الفضل لله ثم لهذا المجلس الذي أحيا الله به فكر ابن تيمية، هذا المجلس

الذي يحلو للبعض أن يسميه حقًا: إمارة أبي صالح.

-غفر الله لك يا دكتور خالد، وهل نحن النموذج الوحيد لذلك؟

-لم أقصد سوءًا يا أبا صالح، ولكن قصدت أن مجلسك يمثل نظرة واقعية

للأمور، فالمعروف أن الكثيرين لا يسهمون في الخير، أو لا يساهمون في البناء

إلا إذا رأوا كل شيء ممهدًا وميسرًا أمامهم، وهذا مقتل من مقاتل البذل، إما كل

شيء أو لا شيء، نكون أو لا نكون، إن جيلنا يؤدي خدمة عظيمة إذا تمكن من

طرح المشروع الإسلامي بوعي وعمق، ويسدي يدًا لا تنسى إذا هيأ الأرض

الإسلامية للاستنبات وطهرها من عقابيل العقم واللامبالاة.

-ما لي أراك واجمًا يا أستاذ محمد؟

يا أبا صالح إن الدكتور خالد لم يترك لمتردد مكانًا يأوي إليه، ولا فكرًا يعتمد

عليه.

-أين بات مخطوطك الطويل عن السجن ومرافعتك العصماء عنه؟

-يا أبا صالح في طريقي إلى هذا المجلس في الأيام الأخيرة أخذ يلازمني

شعور غريب، وبدأت أدرك أن العالم يتغير، وأن إرادته أكبر من سجني، كنت

أول الأمر عاجزًا عن الفهم، صرت أرى في وجوه رواد المجلس ما لم أكن أرى

من قبل، لغتهم تغيّرت ونظراتهم، وفي بيوتهم أخذت الحدائق تطارد اليبوسة

والعبوس، الماء يسمع خريره، الكتب تزاحم الأثاث، هطل المطر بغزارة هذا

العام، كنت لا أفكر إلا سهوًا، ولا أناقش إلا غفلة، أشعر أن كوابيس السجن

تتهاوى، الحياة تفتح ذراعيها ابتهاجًا بالعائدين، ليمارسوا حضورهم بأنفسهم لا

بغيرهم، وبذواتهم لا بمسترقيهم ومصادري آرائهم، بهموم عصرهم لا بتراكمات

العقد ومشاكل الآخرين. أن تكون على الحق هو النصر الكبير، أن تكون على بينة

من ربك هو الفوز العظيم.

] هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقًا [

لم تدعني يا أبا صالح أكمل سفر مولدي.

-ابتهاجي بخروجك من الضيق الذي كنت فيه أنْساني حديثك أن أذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت