فهرس الكتاب

الصفحة 2773 من 5925

تأملات دعوية

عبد الله المسلم

ندرك جميعًا أن من واجبات المرء أن يحافظ على وقته ويرعاه، وأن يحاسب

نفسه على الأوقات التي أضاعها لا الأوقات التي اغتنمها.

لكننا أحيانًا في تعاملنا مع غيرنا خاصة من أهل العلم والدعوة الذين

يقصدهم الناس ويزدحمون عند أبوابهم ربما أسأنا لأوقاتهم من حيث لا نشعر،

وأحيانًا يغيب عن أذهاننا أن من مسؤوليتنا المحافظة على أوقات الآخرين أو على

الأقل احترامها.

ومن صور تلك المحافظة: افتراض الخلاف حول تحديد الأولويات، فما نراه

مهمًا لدينا قد لا يكون كذلك لديهم، وحتى حين يبقى الخلاف قائمًا فالقضية تتعلق

بصاحب الوقت؛ فرأيه أوْلى أن يعتبر.

وقد نرى أننا بحاجة إلى مساعدة شخصية من أمثال هؤلاء، كقراءة مسودة

كتاب، أو مشروع عمل، أو تقديم استشارة في أمر ما، وهذا مطلب مشروع؛

لكنه حين يتجاوز دائرة الطلب إلى الإلحاح والإصرار فهو ينم عن صورة من صور

الوصاية على أوقات الآخرين.

وحين يعتذر لنا بالانشغال فتقديرنا لانشغاله وقبولنا لعذره يمثل صورة من

صور احترام وقته، وكيف نلوم من اعتذر عن استقبالنا وهو حق شرعي له؛ وقد

أدّبنا القرآن بهذا الأدب [وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ]

[النور: 28] والرجوع الأزكى ينبغي أن يصحب بالتقدير للاعتذار لا الانصراف بالسخط واللوم.

روى ابن جرير بإسناده إلى قتادة قال: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت

عمري كله هذه الآية، فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي:

ارجع، فأرجع وأنا مغتبط[وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا

تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] [النور: 28] .

وقد جاء تحديد ذلك بالثلاث في السّنّة النبوية، فعن أبي موسى الأشعري

رضي الله عنه قال: قال رسول الله:(إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له

فليرجع) [1] .

وتقدير الانشغال بأعمال خاصة بهم أنفسهم كالذكر والقراءة ونحو ذلك مظهر

من مظاهر رعاية أوقاتهم، خلافًا لما يسلكه بعض الناس حين يقدم على من هو

منشغل بذكر أو تلاوة فيقطع عليه ذلك لأمر لا يستحق.

وقد نبه ابن القيم رحمه الله إلى أن إيثار المرء الناس بوقته أمر يفسد عليه

حاله فقال:(مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك، وتوجهك وجمعيتك على الله،

فتكون قد آثرته بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار، فيكون مثلك كمثل مسافر

سائر في الطريق لقيه رجل فاستوقفه، وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق، وهذا

حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى؛ فإيثارهم عليه عين الغبن، وما

أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره، وما أقل المؤثرين الله على غيره. وكذلك

الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضًا، مثل أن يؤثر بوقته، ويفرق قلبه في

طلب خلقه، أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله؛ فيفرق قلبه عليه بعد

جمعيته، ويشتت خاطره، فهذا أيضًا إيثار غير محمود. وكذلك الإيثار باشتغال

القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك، على الفكر النافع،

واشتغال القلب بالله، ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حال الخلق، والغالب عليهم.

وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحدًا؛ فإن

آثرت فإنما تؤثر الشيطان وأنت لا تعلم) [2] .

ومن مظاهر احترام أوقات الآخرين احترام مواعيدهم من حيث الانضباط فيها، والاعتذار عند حصول مانع مفاجئ.

ومن الأدب مع أوقاتهم، أن يبادر المرء بالاستئذان متى ما انتهى من شغله

وحاجته، أو شعر أنه قد أطال بما فيه الكفاية؛ إذ قد يجد الرجل حرجًا من أن

يطلب من زائره الانصراف وهو ربما كان ينتظر انصرافه على أحر من الجمر.

وقد يظن بعض الناس أن الإلحاح في الدعوة والمشاركة في المناسبات

الخاصة أمر يعكس عظم قدر الشخص عنده، وقد لا يكون الأمر كذلك، بل يمثل

إهدارًا لوقت كان يمكن أن يستفيد منه فيما هو أوْلى.

ويبقى الأمر بعد ذلك محتاجًا إلى الاتزان؛ فعلى الدعاة وأهل العلم أن يسعوا

للإعطاء من أوقاتهم والاحتساب في ذلك، وعلى من يعاملهم أن يوازن بين استفادته

من أوقاتهم، وبين إسهامه في المحافظة عليها.

(1) رواه البخاري، ح/6245، ومسلم، ح/2154.

(2) مدارج السالكين، 2/310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت