المسلمون والعالم
المسلمون البلغاريون بين الواقع والمأمول
(2 من 2)
بقلم: عبد الله بن إبراهيم المسفر
تطرقنا في العدد الماضي إلى تاريخ مسلمي بلغاريا، ومعاناتهم من الحكم
الشيوعي وما بعده، وما يلاقونه من اضطهاد ومحاولة لشق صفوفهم، وتبني
الحكومة لأشخاص مشبوهين ليكونوا مسؤولين عنهم، وإخفاقاتها حيال ما تخططه
في هذا المجال.
وسنتحدث في هذا المقال عن واقع المسلمين الحالي فيما يلي:
إطلالة على الداخل:
الحالة السياسية القائمة في بلغاريا، والتزاحم على الصوت المسلم كما أشرنا
وما سبقه من احتكاكات مع المسلمين: نبهت ولفتت أنظار الكثير من المسلمين وإن
لم يصل للدرجة المطلوبة لحقيقة ما يجري أولًا، ولحقيقة التنافس السياسي وأهمية
دورهم في الحلبة، وأنهم ليسوا في معزل عن نتائجه وإفرازاته، ولهذا: فلو خرج
المسلمون من هذه المعمعة على أقل تقدير بسعة في الإدراك، وتفتح في الأذهان
والأفهام، واتساع في الاهتمامات لتشمل هذا القطاع المهمل.. لكفى، وهذا بحد
ذاته تطور محمود ومؤشر طيب.
فنحن لا يهمنا على المدى القريب أن نجني كل ثمار هذا التقدم؛ لأن ذلك غير
منطقي، لكن بلا شك فإن ابتداء هذا التحول من الآن، سيكون له الأثر الكبير
الملموس في حياة الجيل القادم، لأنه سيكون أكثر تفهمًا ووعيًا وجرأة وجسارة،
وأكثر إيجابية وفعالية.. وهذا هو مدار الحديث، بل هو مدار التنافس والتآمر في
الوقت نفسه.
وعلى المدى القريب: فهذا التحول والانعطاف، إن استمر وتفاعل، سيحول
بإذن الله (تعالى) دون تكرار مأساة الشيوعية وقهرها للمسلمين والتضييق عليهم،
كما أنه سيدفع صانعي الأحداث والمسؤولين السياسيين جديًّا أن يضعوا في حسبانهم
كافة المعادلات سيئة أو حسنة ما دامت ترتبط بقطاع المسلمين.. فإن أضفنا لهذا
الأمر: التوجه الأوروبي الخارجي، والمحيط العام كما سيأتي، وفشل الخيار
العسكري في تقويض الحلم البوسني: لازدادت قناعتنا بأن الحال لن يدوم طويلًا
على هذا المنوال، وإن دام فسيتغير للأحسن إن شاء الله (تعالى) .
الوضع الاجتماعي:
وهوكما تقدم ليس بأفضل حالًا من الوضع السياسي، بل التغيير الديموجرافي
(السكاني) باستمرار يدخل في حسابات السياسات الدولية والإقليمية والمحلية،
صحيح أن التحول الديموجرافي في بلغاريا على المدى البعيد لصالح المسلمين،
وهذا سيحول هو أيضًا بإذن الله (تعالى) عاجلًا دون حدوث صدام أو تهجير، كما
أنه يفرح القلوب المؤمنة أن الأعوام التي تمر سراعًا تحمل في طياتها خيرًا إن شاء
الله للمسلمين.. إلا أننا يجب أن نكون يقظين متنبهين؛ لأن الكائدين ليسوا في
غيبة عما يدور، ولهذا: لن يعدموا الوسائل والطرق لتغيير عناصر المعادلة وقلب
الموازين (قتلًا، أو تهجيرًا، أو تذويبًا) ، وإن كانت هذه الخيارات تبقى صعبة،
وتحتاج لتوافر ظروف وأجواء معينة..
الوضع الاقتصادي:
وهو مشابه لما مر، إلا أننا في هذا المضمار نوجه الأنظار لإمكانية المسارعة
في الاستثمار، وإن كان ما ذكرناه عامل منع، فإننا ننبه أحباءنا أن الوضع لن
يستمر على ما هو عليه؛ فبلغاريا ليست في معزل عن العالم، وبخاصة أوروبا
ومن حولها من الدول، والتغيرات الجارية فيها لمزيد من الديمقراطية والتعددية.
وصحيح أن الوضع غير مستقر الآن، لكن ارتفاع سعر الدولار وهبوط سعر
العملة يجعل الأيدي العاملة رخيصة، وإمكانية الاستثمار متوفرة، وتصدير المواد
البلغارية للخارج مربحة.. ويمكن على الأقل الاستفادة من الوضع الحالي في وضع
موطئ قدم للاستثمار والتجارة، فإن تيسر الأمر وسنحت فرص: تم اقتناصها،
وإن عدمت: ينتظر حتى تتغير الأوضاع والأحوال وينتعش الاقتصاد، ورجاؤنا ألاّ
نكون كالمعتاد آخر الركب مقبلين ومستفيدين..
هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى: فإن الوضع الاقتصادي الآن يشغل
الحكومة والشعب، ولذا: فالحكومة البلغارية ليست لها قدرة على فتح جبهات
استنزافية إضافية، بل يسعى الحزب الاشتراكي الآن بكل جهده لإعادة الثقة ... المفقودة، وتلميع الصورة المشوهة لها لدى الغرب بعامة وأوروبا بشكل خاص.
الوضع الخارجي:
انتهاء حرب البوسنة، وفشل صربيا وأوروبا وكل حاقد وكائد في إنهاء الأمل
البوسني تمامًا في الوجود والحياة، ثم استمرار الحرب في الشيشان، وانهيار ما
تبقى من سمعة للجيش الروسي الجرار.. كل ذلك في تقديري أثّر أيما أثر على
تفكير أوروبا والغرب في مدى نجاح الخيار العسكري لحل النزاعات أو فرض
السيطرة بالقوة..
وحال المسلمين البلغار مختلف تمامًا: فهم خط الدفاع الأول لتركيا القوية،
ويقطنون دولة صغيرة منهكة ضعيفة.. كما أن بلغاريا تقع في منطقة تخضع
لمخططات أمريكية أوروبية، لذا: فلا مجال (في حدود تقديرنا البشري) لحدوث
نزاع أو صدام جديد في هذه المنطقة على المدى القريب..
وبلغاريا لا تستطيع أن تقف حجر عثرة أمام مخططات وتطلعات أمريكا
وأوروبا في منطقة البلقان التي تربط الشرق بالغرب، بل هي الآن تعاني أشد
المعاناة من موقف الغرب منها لميلها فقط للطرف الروسي والقطب الأرثوذكسي،
فكيف إذا لبست ثوب النمر واستأسدت؟
من هنا: نخلص إلى أن عموم الوضع الداخلي والخارجي لا يساعد نهج
الحكومة الحالية ولا مخططاتها على النجاح، بل ولا على الاستمرار في الوجود،
فكيف إذا قدمت رأسها للمقصلة بإخفاقاتها العديدة؟ .. وبمقارنة سريعة بين حال
وتفكير وبرامج الاشتراكيين في بلغاريا، والاشتراكيين في كل من بولندا، وإيطاليا، وإسبانيا.. يتبين للمطلع أن الاشتراكيين البلغار يسبحون عكس التيار ويعيشون
أحلامًا مضت وولت، ... ولهذا وذاك حالفهم الفشل، في حين تفيد التقارير الحالية
أن إخوانهم من الاشتراكيين قد حققوا نجاحًا؛ لأنهم عرفوا طبيعة الظروف المحيطة
بهم، وقوانين حلبة المصارعة السياسية الجديدة.. كما يقولون.
هل ستبقى الحكومة الحالية؟ !
الحكومة في تقديرنا (ولله الأمر من قبل ومن بعد) معرضة للسقوط وإن طال
عمرها، بالطبع: هناك احتمال أن يعيد الحزب الاشتراكي تشكيل حكومة جديدة
أخرى، وهذا إن حصل: فلن تكون كسابقتها، وستتخذ نهجًا مغايرًا تمامًا؛ لتحسين
صورتها داخليًّا وخارجيًّا، ومع أننا نميل للرأي الأول وهو السقوط تمامًا إلا أننا
أيضًا نوافق من قال: إن مرد ذلك كله يعود (بعد مشيئة الله طبعًا) إلى نتائج
الانتخابات الرئاسية، وتوجه الفائز فيها:
إن كان ديمقراطيًّا: فإن سقوط الحكومة، وحل البرلمان، وإجراء انتخابات
جديدة.. حاصل لا محالة.
إن كان يساريًّا فاحتمال تغيير الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة وارد.
وقبل أن أختم المقال: ألفت الأنظار إلى أن التوجه العالمي أيضًا قد اتفق على
محاربة الأصولية والإرهاب، وهذا مفهوم واسع ومطاط؛ لأن تحديد هذه المفاهيم
تعود لشرطي النظام العالمي الجديد، وهذه السمة لن يبرأ منها أحد من المسلمين
(شخصًا، أو هيئة، أو دولة) ... إن حل عليه الغضب من ذلك الشرطي.. المهم:
أن هذا المفهوم سيلاحق العمل الإسلامي والعربي المهاجر لتقديم العون والمساعدة
لإخوانه تحديدًا، وسيضيّق عليه منافذ التنسم والتنفس، وبالطبع سيجد هذا الأمر
قبولًا من قبل الدولة البلغارية (مدار حديثنا) ، لكن في حالة كون العمل الإسلامي
قائمًا تحت غطاء دار الإفتاء العام هناك فهو أفضل الحلول، وإن عُدم، وقام تحت
غطاء بلغاري بحت: فهو أفضل في كل الأحوال من الغطاء الخيري الجديد.
واقع دار الإفتاء الآن:
دار الإفتاء العام الآن وحسب ما يجري تعاني والله أعلم، كما يبدو لنا من آلام
المخاض، ونتمنى أن يكون المولود خيرًا، حتى لو كانت الولادة قيصرية، فلعله
بإذن الله (تعالى) ينفتح بابٌ من الأمل عظيم على المسلمين والعمل الإسلامي
لصالحهم، وإلا فإن البديل يبقى في ظل هذه الأجواء والأحوال الغطاء البلغاري
الرسمي البحت.. حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وبلغاريا لا تعاني من مشاكل مع العرب أو المسلمين بين بعضهم البعض، بل
لا يوجد ذلك التناحر بين التوجهات والمناهج المختلفة كباقي بعض الدول الأخرى،
فأكثر العاملين في مجال الدعوة وفي الجمعيات الخيرية القليلة العدد مثلًا هم من
الطلاب، وأكثرهم لا ينوي البقاء في بلغاريا، ولهذا: لا يوجد بينهم ما يوجد بين
الجمعيات والمؤسسات من اختلاف في التوجهات والمتطلبات التي تنعكس سلبًا على
مستوى وأداء ذلك العمل الخيري.. وهذا بلا شك عامل مساعد وإيجابي في سير
الدعوة والعمل الإسلامي دون منغصات داخلية أو مشاكل جانبية.
ونأمل أن يكون العاملون في هذه المجالات الدعوية والخيرية أكثر تفهمًا لهذه
الأوضاع الشائكة، وأكثر معرفة بضرورة تكاتف الجهود وتعاون الجميع لأداء
رسالة الدعوة والتعليم لإخواننا هناك، بعيدًا عن حساسيات أو اختلافات، ستؤدي
بلا شك إلى أعمال سلبية، ما أحوجنا لتلافيها؛ لأن القصد هو التوعية والتوجيه
وإنشاء كوادر من إخواننا المسلمين هناك يقومون بواجب الدعوة والتعليم.
ويا حبذا لو اختير أفراد من شباب المسلمين ليكملوا دراساتهم في الجامعات
الإسلامية، وبخاصة في (المملكة العربية السعودية) ، فإنهم بإذن الله سيكونون ذخرًا
وأملًا يرتجى لغد مشرق، وما ذلك على الله بعزيز.