فهرس الكتاب

الصفحة 1317 من 5925

ستر الجعيد

تمهيد:

الفقه في الدين أمر مهم جدًا، فمن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وبه دعا

النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس. وحصوله ليس بالأمر الهين، بل

يحتاج إلى جهد وصبر ومعاناة، مع توفيق الله للعبد أولًا وأخيرًا.

لكن الفقه يبدأ قليلًا فينمو وتكبر شجرته حتى تؤتى ثمارها في كل حين بإذن

الله ولما حان الفقه قويًا وفتيًا كانت الأمة في قمة مجدها، لكنها نزلت إلى الحضيض

بقدر ما فقدت من الفقه في الدين ومعالجة ما يعترضها من مشكلات على ضوء

كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وحاجتنا ماسة إلى تنمية الملكة الفقهية والاستنباط لأنها تنقدح وتنمو،

فالإنسان لا يولد فقيهًا فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلُّم. وقد بذل العلماء في هذا الشأن

جهودًا موفقة ما بين علماء للفقه فرعوا الفروع من الأدلة، وافترضوا المسائل،

وأودعوها الكتب، وحاولوا أن يستنبطوا لكل مسألة يتصورون وقوعها، أو هي

واقعة حكمًا، حتى حققوا آثارًا تبعث على الفرح والارتياح؟

وأقبل فريق منهم على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوه

عمدتهم يتحرون ثبوته بل ينتقون أعلاه، ثم يستنبطون منه ما يوفقهم الله لفهمه،

وكلا الفريقين على خير، لكن الفريق الثاني كان إلى الاحتياط أقرب وإلى قوة

المصدر كذلك وإعمال الذهن في كلام المعصوم. فهم يحققون بطريقتهم تلك آثارًا

تنعكس على الفقيه والمستنبط وإن كان كلاهما مجتهد مصيب له أجران، أو مخطئ

له أجر واحد.

وسنسلك في هذه المقالات مسلك الفريق الذي عول على الأحاديث الصحيحة

فأعمل ذهنه للاستنباط منها لحاجتنا الماسة إلى الفقه في الدين بهذه الطريقة، وكم

نرى من الآثار السيئة نتيجة لفقدان الفقه الصحيح بنوعيه في أمورنا كلها.

هدف هذه المقالات:

وليس من هدف هذه المقالات بيان المسألة من حيث الرجحان أو ضده، فتلك

لها مشرب آخر وهو استعراض الأدلة والمقارنة بينها، وهو مقصد لا شك مهم

ويكون سببًا لنمو الاستنباط لكنه ربما جعل الإنسان يتحير في خضم الأدلة

والمعارضات بين الأقوال، فيضعف تمييزه بل ربما ألمّ به شيء من الملل.

أما الطريقة التي نتبعها في هذه المقالات فهي أقرب إلى التشويق منها إلى

الملل، حيث تعتمد على إيراد بعض الأدلة الصحيحة من أعلى مصادر الصحيح،

ثم التعقيب عليها بما فيها من فوائد فقهية وتوجيهات تربوية بصورة مختصرة.

وهذه الطريقة ليست جديدة فقد استخدمها كثير من العلماء، ولا سيما أئمة الحديث،

وليست الفوائد مرتبة حسب سياق الدليل بل فيها نوع من التقدم والتأخير.

أ- نص الحديث:

روى مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن أناسًا من عبد القيس

قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا:

-يا نبي الله: إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك

إلا في أشهر الحرم، فمرنا بأمرٍ نأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة إذا نحن

أخذنا به.

-فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع، وأنهاكم عن

أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا

رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم. وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبَّاء والحَنْتَم

والمُزَفّت والنَّقير. قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنقير؟ قال: بلى، جذع تنقرونه

فتقذفون فيه من القُطَيعاء - قال سعيد: أو قال: من التمر، ثم تصبون فيه من

الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه

بالسيف، قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال: وكنت أخبؤها حياءً من

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فقلت: فيم نشرب يا رسول الله، قال: في أسقية الأَدَم التي يلاث على

أفواهها، قالوا: يا رسول الله: إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى فيها أسقية الأَدَم. فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها

الجرذان، وإن أكلتها الجرذان. قال: وقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -

لأشجِّ عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة [1] .

ب - فيه فوائد:

-بدء الوصايا بالتوحيد.

-الإخبار بالقدرات والإمكانات المعينة على الخير والموانع منه.

-الحرص على البحث عن طريق الجنة مع كثرة المعوقات فكيف عند زوالها

وخفتها؟

-أسلوب الحصر ليفهم المتلقي.

-إيراد الحجة على الأمور الواضحة.

-ضرورة فهم الواقع لتنزيل الفتوى عليه ولمقاصد أخرى.

-التربية بقدر حاجة المتلقي.

-التربية بالمدح وصيغته وصيغة المرغب فيها.

-من الأوصاف ما التصق بالموصوف فلا يعني ذكرها المشروعية.

(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، مسلم بشرح النووي 1/189-192، ط دار إحياء التراث العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت