منزل من السماء.. ومتخذ في الأرض
أ. د. جعفر شيخ إدريس
الدين دينان ينبغي أن لا نخلط بينهما فنحكم بأحدهما على الآخر، أو نستنتج من أحدهما نتائج ونسحبها على الآخر، أو نبني سياسة عملية على أحدهما حقها أن تبنى على الآخر.
الدين بالمعنى الأول هو الدين المنزل من السماء، المبلَّغ للناس عن طريق رسل الله. والدين بالمعنى الثاني هو ما يدين به الناس في الواقع فيما يعتقدون من عقائد، أو يلتزمون به من قيم، أو يمارسون من سلوك.
الدين بالمعنى الأول هو الحق كله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأما الثاني فيكون حقًا بقدر مطابقته للأول وباطلًا بقدر مخالفته له. وما يترتب عليه من نتائج يكون بقدر تلك الموافقة أو المخالفة.
هذا الدين هو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ:
{إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران: 19] .
{إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة: 132] .
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة: 33] .
وأما الدين بالمعنى الثاني فهو أيضًا أنواع:
نوع هو الممارسة البشرية للدين الحق المنزل من السماء، وهو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] .
{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [الزمر: 14] .
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}
[النساء: 125] .
المثل الأعلى لهذا الدين هو ما كان يدين به الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كانت حياته المباركة ـ بأبي هو وأمي ـ كلها ترجمة عملية للدين الحق. مَنْ غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمكن أن يقال عنه: (كان خلقه القرآن) ؟ الرسول هو الذي شهد الله له بأنه على صراط مستقيم، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن من أطاعه اهتدى، ومن عصاه غوى.
وأما غيره -صلى الله عليه وسلم- فيقتربون من هذا المثل الأعلى، ويبتعدون بقدر ما آتاهم الله من علم بالدين الحق، وصدق في القصد. وقد يؤدي الجهل ببعضهم إلى أن يتركوا من الدين جزئيات لا يعلمون أنها منه، أو لا يقوون على ممارستها، وقد يزيدون عليه جزئيات يظنون أنها منه، لكنه نقصان وزيادة لا تخرجهم عن أصل الدين، أو تجعلهم من الكفار أو المبتدعين. والمثل الأعلى لهؤلاء هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم من سار على نهجهم، واستن بسنتهم من أئمة أهل السنة والجماعة.
ونوع هو خليط من الدين الحق والدين الباطل: ولعله هو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24] .
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَّ} [النساء: 171] .
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] .
هؤلاء أقوام ينتسبون إلى كتب الله المنزلة، إلى الدين الحق، لكنهم يزيدون عليه أمورًا من اختراعهم أو اختراع غيرهم. فإذا كانت من النوع الذي ينقض ما جاءت به رسل الله أخرجتهم عن الدين الحق مهما كان القدر الذي استمسكوا به منه. يدخل في هذا النوع اليهود والنصارى الذين كذبوا رسول الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ونسبوا إلى الله الولد، وغير ذلك. ولكن يدخل فيه أيضًا كل من انتسب إلى الإسلام، وسلك مسلكهم باعتقادات، أو أعمال هي من نواقض الإيمان.
ونوع من الدين لا علاقة له بالدين المنزل من السماء البتة، وإنما هو من اختراع الناس، وهو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ:
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] .
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] .
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83] .
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
[الشورى: 21] .
يدخل في هذا أديان المشركين من العرب، كما يدخل فيه من أهل زماننا أصحاب كل ما يسمى بالأيديولوجيات التي هي من اختراع البشر كالشيوعية والعلمانية. ولا تستغربن تسميتنا لها بالدين؛ لأن الدين في لغة العرب وحكم القرآن هو كل منهاج للحياة يجعله الإنسان ديدنًا له مهما كان نوعه.
ما الذي نستفيده ـ نحن المسلمين ـ في عصرنا هذا من التمييز بين الدين المنزل من السماء، والدين الذي نمارسه في واقعنا ونسميه إسلامًا؟
مما نستفيده أولًا: إدراك صحيح لمفهوم تجديد الدين، فندرك أن الدين الذي يجدَّد هو الدين الذي نمارسه لا الدين الذي أنزله الله تعالى؛ لأن الدين الذي يَبلى ويحتاج إلى تجديد هو الدين الممارَس في الواقع لا الدين المنزل من السماء. وتجديد الدين الممارَس إنما يكون بجعله ـ بقدر اجتهاد المجتهدين وقبول المخاطَبين ـ موافقًا للدين الحق المنزل من السماء. لكن بعض الناس في زماننا يجنحون إلى عكس ذلك تمامًا، فيحرِّفون الدين المنزل من السماء ليوافق ممارسات المسلمين، بل وممارسات الكافرين؛ بحجة جعل الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان. ينسى هؤلاء أن ما يميز الإسلام المنزل من السماء هو صلاحيته كما هو لكل زمان ومكان. ولو أن هذه الصلاحية كانت لا تتأتى إلا بزيادة عليه ونقصان منه لما كان له فضل على غيره من مذاهب الحياة والأديان؛ لأن كل دين وكل مذهب في الحياة يمكن أن يغير فيه، ويبدل لكي يكون موافقًا للأهواء الشائعة في عصر من العصور. فالدين الحق صالح لكل زمان ومكان لا بمعنى موافقته لما يشيع في العصر من أهواء، بل لموافقته لما يُصلِح الإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ في كل زمان ومكان؛ لأنه وإن كان قد نزل على رسول الله في زمان معين ومكان معين إلا أنه ليس مرتبطًا بذلك الزمان وذلك المكان. كيف لا، والرسول النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- إنما أرسل للناس كافة رحمة للعالمين؟
ومما نستفيده ثانيًا: أن نحلل واقعنا تحليلًا صحيحًا، نعزو به النتائج إلى أسبابها الحقيقية المتمثلة في الدين الواقعي الذي تدين به مجتمعاتنا، بكل ما فيه من شرك وبدع وانحرافات، فلا نبني هذه التحليلات على افتراض أن ما تدين به هذه المجتمعات مطابق للدين الذي أنزله الله؛ لأنها تسمى بالمجتمعات الإسلامية. هنا أيضًا ضل بعض الناس بسبب هذا الافتراض سواء كان عن جهل أو عن غرض، فصاروا ينسبون إلى الدين الحق كل ما تعانيه الأمة من أمراض في التخلف الاقتصادي والصناعي، بل والفكري. قاد هذا التحليل المضلل جماعة من المفكرين الغربيين، ثم تبعهم فيه جماعة من المقلدين لهم من أبناء العالم الإسلامي.
إليك مثلًا ما قاله بعضهم عن ظاهرة الحكم الاستبدادي وعدم الديمقراطية في العالم العربي.
كتب أحدهم في مجلة تعد من المجلات الفكرية الرصينة عندهم يقول: إن السبب في أن المرشح للرئاسة يجب أن يكون شخصًا واحدًا، وأنه يجب أن يحصل على أكثر من تسعين بالمئة من الأصوات هو إيمان المسلمين بمبدأ الإجماع!
وقال آخر إن السبب في عدم معارضة المسلمين للحكام المستبدين هو أن دينهم قائم على فكرة الاستسلام لله!
وقال ثالث: إن السبب في هذا هو أن هنالك علاقة قوية بين الديمقراطية والعلمانية التي تقتضي تقديم العقل على النص، لكن الدين الإسلامي لا مجال فيه لهذا. هذا مع أن فقهاء المسلمين ما زالوا يكررون أنه إذا كان النص صحيحًا فلن يخالف عقلًا حتى نضطر لتقديمه عليه؛ لأن المخالف للحق هو بالضرورة باطل. وكلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كل هذه التفسيرات بالإضافة إلى سخفها قائمة على افتراض باطل هو أن المسلمين الذين عانوا من ويلات الاستعمار، ويعانون من أمراض التخلف الاقتصادي والتقني، ويرزحون تحت حكم دكتاتوري هم أناس عالمون بدينهم الذي جاء به رسولهم، مخلصون في الاستمساك به، وأن أولئك المستبدين إنما صاروا كذلك؛ لأنهم يعتقدون أن هذا مما يأمرهم به دينهم الذي هم حريصون على تطبيقه في دولهم.
مما نستفيده ثالثًا: أمر يتعلق بتطبيق الشريعة. إن كثيرًا من إخواننا الذين نحسبهم صالحين يفترضون في مناداتهم بتطبيق الشريعة أن مجتمعاتهم مجتمعات كاملة في إسلاميتها، وأنه يمكن لذلك أن يطبق عليها كل ما تقتضيه الشريعة من أحكام كما كان الأمر في زمان الخلافة الراشدة. لو كان هذا الافتراض صحيحًا لما زال الحكم الإسلامي أصلًا، ولما اضطررنا للمناداة بالعودة إليه. فعلينا إذن أن نتعاون مع من نحسبه مخلصًا من حكامنا في العودة بنا إلى الالتزام بما أنزل الله تعالى؛ بأن نعترف بأن في الأمة أمراضًا وانحرافات وجهل، فنتدرج في العودة بها إلى الدين الصحيح مقدمين الأهم على المهم. أنا أعلم أن بعض المنافقين اتخذوا من مبدأ التدرج ذريعة إلى الدعوة إلى الإعراض عن الدين. مع أن التدرج ـ كما يدل عليه لفظ الكلمة ـ إنما هو رقي الدرج. فمن وقف بعيدًا عن الدرج لا يعد متدرجًا. لا بد إذن من البداية ومن الرقي بحسب حال المجتمع الذي يراد له أن يحكم بشرع الله. فالمجتمعات الإسلامية تختلف اختلافًا كبيرًا في قربها وبعدها من الدين الصحيح. فكلما كان المجتمع إلى هذا الحق أقرب كان الرقي به أسهل وأسرع.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
(*) رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة.