متابعات
عبد العزيز بن إبراهيم الحصين
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه مناقشة لما تضمنه مقال: (وخلق الله المرأة) لتركي الحمد في(جريدة
الشرق الأوسط)، العدد (7460) ، بتاريخ (2/5/1999) من أفكار ومناهج
وأساليب في الاستدلال والاستنباط والتحليل، وسيكون فيها أي المناقشة قدر كبير
من الصراحة أرجو ألا تزعجه؛ فلست أقصد بذلك الإساءة إليه، ولا القدح في
شخصه؛ فلست أعرفه، ولا أعرف أباه، ولم يكن بيني وبينه في يوم من الأيام معاملة في درهم ولا دينار، ولا في غيرهما، بل لم تقع عيني عليه، ولم تسمع أذني صوته، بل حتى لم أكن أقرأ له شيئًا، ولم أقرأ له غير هذا المقال، ومقالين آخرين أظن أو ثلاثة، فليس بيني وبينه إلا القلم والقرطاس، والكلمات والأفكار، والاشتراك في العقل، وحرية البحث والنظر، الحرية التي تنبعث مضبوطة بضوابط الشرع والعلم والعدل، متجردة عن كل مؤثر يعبث بهذه الحرية،
أو يجزئها، أو يبعثرها، أو يحيد بها عن المنهج السوي والصراط المستقيم،
ومشتركًا معه أيضًا في الإسلام الذي انتسب إليه بقوله:(أما بالنسبة لنا نحن
المسلمين).
لقد جمع تركي الحمد في مقاله كل ما استطاع من مقدمات يرى أنها منطقية
وبراهين عقلية وشرعية؛ ليصل إلى نتيجتين إحداهما تتفرع عن الأخرى، فأما
الكبرى منهما: فهي مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة المساواة المطلقة فيما عدا
الاختلاف الطبيعي البيولوجي الذي لا يؤثر على مبدأ المساواة المطلقة، وفيما عدا
الاختلاف في درجة التقوى. وأما الصغرى منهما المتفرعة عن الأولى فهي مسألة
سفر المرأة وحدها بلا محرم، أو خلوتها بالرجال الأجانب وحدها؛ لأن معنى ذلك
عدم ائتمانها على نفسها، وفي ذلك تناقض مع مبدأ ائتمانها على ما هو أكبر من
نفسها، وخدش لمبدأ المساواة، وهذا يفضي إلى مناقضة ما يقتضيه مفهوم المواطَنة، وشرعية الأمور؛ إذ يقرر كل منهما مبدأ المساواة المطلقة بين جناحي الإنسان.
ومع أهمية مناقشة تلك النتائج التي توصَّل إليها، وبيان خطئه فيها؛ إلا أنني
لن أتعرض لها هنا إلا من باب ضرب المثال، وإنما المقصود بهذا المقال مناقشة
تلك المقدمات التي استنبطها وصاغها؛ ليصل بها إلى نتيجته، والأسلوب والمنهج
اللذين سار عليهما، وما اشتملا عليه من مغالطات فكرية، ومناقضات عقلية،
وأخطاء شرعية، وكأنه قد استقر في ذهنه مبدأ معين، أو فكرة معينة؛ فصار يحشد لها ما استطاع من كلام يظنه حججًا وبراهين؛ ليقنع بها الآخرين، غير عابئ بما تقتضيه أصول التفكير، ومناهج الاستدلال، وقواعد الاستنباط، ومبادئ احترام آراء الآخرين، وعقولهم.
1 -مارس تركي الحمد في مقاله وللأسف إرهابًا فكريًا، وعقليًا، ما كنت
أظن عاقلًا يحترم عقول الآخرين وفكرهم يفعله، لقد توارى خلف كلمات فضفاضة
واسعة تحتمل عددًا من المعاني، بعضها حسن، وبعضها قبيح، وهذه الكلمات
يتبادر من بعضها إلى الذهن معنى حسن وجميل؛ كالمساواة، والتكامل الوظيفي،
والمواطَنة، وشرعية الأمور، ومنطقية
السلوك، وبعضها الآخر يتبادر إلى الذهن منها معنى سيئ ينفِّر السامع منها؛
فلا يحب الاتصاف بها، بقدر ما يحب الاتصاف بالأولى؛ كالعادات والتقاليد
المهيمنة في مجتمع ما، والحشْوية، والمجسِّمة، والابتداع وفق معايير اجتماعية
موضوعة، أو مصنوعة، والهوى، والتشدد، والموقف المتعالي من المرأة، ثم
ربط بين هذه الكلمات وبين ما توصل إليه بالسلب والإيجاب؛ بحيث من أقر بالنتائج التي توصل إليها استحق أن يوصف بالكلمات التي ظاهرها الحُسن، ومن لم يقر بما توصل إليه فهو موصوف بالكلمات التي ظاهرها غير حَسَن! ولا شك أن مثل هذا الأسلوب يضرب حاجزًا متينًا كحاجز الأسلاك الشائكة بين الإنسان وبين استعماله الحر لعقله وفكره، وانطلاقه نحو أفق واسع في المحاورة والنقد والاختيار؛ إذ يبقى الارتباط في ذهنه بين هذه الكلمات والنتيجة، فإن أقر بها انهالت عليه الكلمات التي ظاهرها الحُسن؛ فيفرح ويبتهج ويسر، وإن خالف في النتيجة انهالت عليه الكلمات التي ظاهرها غير حَسَن؛ فيخاف ويرهب، ويتراجع ويتقهقر.
لقد كان كفار قريش يمارسون الأسلوب نفسه؛ حين وصفوا محمدًا صلى الله
عليه وسلم وأصحابه بأنهم صابئون مخالفون لدين الآباء والأجداد، وأن محمدًا
ساحر وكاهن وشاعر؛ فقد كان ذلك مانعًا لبعض عقلائهم وكبرائهم فضلًا عمن
دونهم من اتباع الحق؛ مخافة أن يوصف بتلك الألقاب، كما حصل للوليد ابن
المغيرة، وغيره.
2 -وأمر آخر يتعلق بمنهج الاستدلال، وطرائق الاستنباط؛ فإن مما لا
يخالف فيه عاقل أن للاستدلال والاستنباط قواعد وأسسًا ومناهج لا يختلف عليها
عقلاء الأرض كلهم، وإن اختلفوا في الفروع والأمثلة، بحسب اختلاف كل بيئة
ولغة ودين، وما دمنا نتحدث باللغة العربية، وننتمي إلى دين الإسلام، ونناقش
فيما أظن مسألة دينية، فلا بد أن نكون محكومين في استنباطنا واستدلالنا بالقواعد
المقررة، والمناهج المسلَّمة التي اتفق عليها علماء المسلمين، والاتفاق على هذه
القواعد مما تقتضيه سلامة الفكر، ومنهجية البحث، وصحة العقل؛ إذ ضياع ذلك
أو العبث به معناه ضياع الحق، واضطراب الفكر، وتناقض الآراء، وهذا هو
التناقض الذي أبدى تركي الحمد استياءه منه.
وتركي الحمد قد ضرب في مقاله بهذه الأسس والمناهج والقواعد عرض
الحائط متخذًا أسلوبًا خاصًا، ومنهجًا منفردًا يستنبط به، ثم يقرر النتيجة به؛ فوقع
في التناقض؛ إذ يستدل بالشيء تارة، ولا يستدل به أخرى، ويعتقد الشيء تارة،
ولا يعتقده أخرى؛ فأوقعنا في الحيرة من أمره؛ إذ صرنا نتساءل: ما الحامل له
على ذلك؟ ! أهو الجهل؟ فما ينبغي لجاهل أن يتصدر أعمدة الصحف، ثم
يخاطب جمهورًا عريضًا بمقالات كثيرة في مواضيع شتى، أم التجاهل، وإرادة
إقناع الناس برأي لا يستطيع أن يسلك في إثباته ما تعارف عليه العقلاء، واتفق
على سلامته وصحته العلماء؟ !
وهذان أمران أحلاهما مر، وهما داءان، ولكل منهما دواؤه: فالأول دواؤه
التعلم، والثاني دواؤه الموعظة والتذكير، ثم التوبة والإنابة، والتجرد للحق لا
لغيره.
3 -إن من العدل ألا يكتب الإنسان ولا يتكلم في موضوع معين إلا بعد أن
يكون قد أحاط به، وعلم دقائقه وتفاصيله، وما له أثر فيه مما لا أثر له فيه؛ هذا
إذا أراد أن يحكم على شيء فيه بأنه حق أو باطل، أو صواب أو خطأ، وهذا مما
لا يخالف فيه عاقل؛ إذ لا يسوغ لمن أحاط بطرف من علم أن يتكلم فيه تكلم الناقد
الخبير الذي يصحح ويزيف،
ويحسِّن ويقبِّح، ويصوِّب ويخطِّئ؛ فضلًا عن الجاهل له؛ ومثال ذلك: من
تعلَّم بعض كلمات اللغة الإنجليزية، واستطاع أن ينطق بها مركبًا بعضها على
بعض تركيبًا ركيكًا، ثم عمد إلى قصيدة كتبها شاعر قدير من شعراء الإنجليز كتبها
قبل مائتي سنة ليترجمها، أو ينقد اللغة التي استخدمها، والتراكيب التي استعملها،
أو يحلل معانيها، ويصوغ أفكارها ومقاصدها بأسلوبه هو وفهمه لها، مع أنه لا
يحيط بلغة القوم وما فيها من دقيق الإشارات، وجميل الألفاظ والكلمات؛ فهذا
مخطئ بفعله لا محالة، وأحكامه إلى الخطأ أقرب منها إلى الصواب؛ لأنه لا يملك
أسس النقد، ولا قواعد الحكم بالتصحيح والتصويب والتحسين، والتزييف
والتخطئة والتقبيح، ومثله أيضًا من عرف بعض قواعد النحو والصرف، وبعض
أساليب البلاغة والبيان، فقام يُخطِّئ فلانًا، ويصوِّب الآخر، أو يقول: هذا أفصح
من ذاك؛ فإنه مخطئ بفعله هذا، وظالم لنفسه وللعلم وأهله؛ لأن مثل ذلك لا يطيقه إلا من أحاط بالعلم؛ فعرف حَسَنه من قبيحه، وصوابه من خطئه؛ ليكون حكمه إلى الصواب أقرب، ومن الخطأ أبعد، وقُلْ مثل ذلك في سائر العلوم والمعارف.
وعلم الشريعة هو أعظم هذه العلوم، والمتكلِّم فيه مبلِّغ عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم المبلِّغ عن الله؛ فلا يحق لأحد أن يتكلم فيه إلا بعلم، أما الجاهل،
ومن علم بعض العلم وجهل كثيرًا منه فلا يحق له أن يتكلم إلا تكلُّم السائل المتعلم
الذي يطلب كلام أهل العلم والمعرفة.
وتركي الحمد في مقاله هذا جعل من نفسه حاكمًا ومفتيًا، وعالمًا بالأصول
والحديث، فحكم على بعض الأحاديث، وبين أن مصدرها من كُتُب الإسرائيليات،
وناقش أوجه الاستدلال، وزيَّف بعضها، وصوَّب بعضها الآخر، وأصدر أحكامًا
فقهية، وقرر قواعد أصولية في مبدأ التعارض والترجيح، وكل ما فعله إنما دل به
على جهله المركَّب بعلم الشريعة، ولا يشفع له أنه من المسلمين، أو أنه قرأ كتب
الجاحظ أن يصعد إلى منصب لا يوصَل إليه إلا بعد اتباع مناهج وطرائق في طلب
العلم، والنظر، والبحث والقراءة، كأي علم آخر.
هذه الملاحظات الثلاث هي التي بدت لي أثناء قراءة هذا المقال، وهي
تنصبُّ على المنهج والأسلوب، وطريقة التفكير، والاستدلال والاستنباط، ولا
تناقش النتيجة؛ لأن المنهج إذا كان خطأً فلا يُمدح صاحبه إن أصاب، وإن أخطأ
فالذم ليس لخطئه في النتيجة بل لخطئه في المنهج الذي أداه لمثل هذه النتيجة، كمن
رمى وهو ليس برامٍ، فربما أصاب؛ فيقال: رميةٌ من غيرِ رامٍ، وربما أخطأ وهو
الأكثر فيقال: لم يتعلم الرماية.
ثم لا تعجل عليَّ أيها القارئ؛ فإني قائل لك: إن كل ما وصفتُ به تركي
الحمد من العبث في المصطلحات، واستغلال معانيها الحسنة في بث معاني ليست
حسنة، والخلط في مناهج الاستنباط والاستدلال، والتكلم بغير علم إنما هي دعاوى
لا تثبت إلا بإقامة الدليل على صدقها، لكن كلامي السابق يشتمل على شقين، إن
سلمت لي بأحدهما؛ فلك أن تتابع بعد ذلك.
أما الشق الأول: فهو أني ذكرت ثلاثة مبادئ، لا يختلف عليها عقلاء البشر، وهي:
أولًا: تحديد المصطلحات وبيان المراد منها، وعدم التعمية فيها، حتى تكون
واضحة بينة، وألا يربط بينها وبين معاني معينة ربطًا تحكميًا لا يقبل النقاش
والجدال.
ثانيًا: أن للاستدلال والاستنباط قواعد ومناهج متفقًا عليها لا بد من التزامها
لإصدار الأحكام الصادقة السليمة.
ثالثًا: أن من أراد أن يتكلم في علم من العلوم كلام الناقد البصير الذي يُصدِر
الأحكام ويجادل في جزئيات العلم، وفروعه، ونتائجه، وأصوله فلا بد أن يكون
محيطًا بهذا العلم، متبعًا طرائق أهله ومناهجههم في تعلمه، سالكًا سبيلهم، سائرًا
على قواعدهم وأصولهم. هذا عن الشق الأول.
أما الثاني: فهو أني حكمت على تركي الحمد بأنه خالف هذه المبادئ كلها،
وأتى بما ينقاضها؛ فإن سلَّمْتَ بالشق الأول فلك أن تسأل عن الأمور التي دلتني
على الحكم في الشق الثاني، وإن لم تسلم بالشق الأول فليس لك حاجة في أن تتابع، ولا أن تسأل.
وها أنا ذاكر كل ما يؤيد الحكم الذي حكمتُ به عليه:
1-قال:(وذلك في تحوير للعبارة الواردة في العهد القديم ... والتي تقول
بأن الله خلق الإنسان على صورته، أي أن الله ذكر..).
والسؤال هنا: هل قوله: (أي أن الله ذكر) إنشاء منه هو؟ أو من كلام
العهد القديم؟ وأي الأمرين كان فظاهرٌ من العبارة تسليمُ تركي الحمد بها، وإذا كان
كذلك فهل الضمير في (صورته) عائد إلى الله، أو إلى الإنسان؟ وإذا كان عائدًا
إلى الله؛ فهل يدل على أن الله ذكر؟ وما وجه الدلالة هنا؟ إذ لا يبدو أي وجه من
التلازم بين خلق الله الإنسان على صورته، وبين الذكورة والأنوثة.
2-قال:(فإننا نجد بعض الكتب التراثية القديمة، والتي ألفها من أسماهم
الجاحظ بالحَشْوية، وأسماهم آخرون بالمُجَسِّمة والمُشَبِّهة ونحو ذلك؛ تأخذ بمقولة:
إن الله خلق آدم على صورته، في تأثر واضح بالإسرائيليات، وروايات كعب
الأحبار، ووهب بن منبه).
وهنا وقفات:
أ - في كلامه ألفاظ فيها إيهام، وهي: الكتب التراثية القديمة، الحَشْوية،
والمجسِّمة، والمشبِّهة، فما المراد بالكتب التراثية القديمة؟ وهل يدخل فيها كتب
الحديث التي جمعها علماء الإسلام، وفيها سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله
وأفعاله؟ ومَنْ هم المجسمة والحشوية والمشبهة؟
هل يراد بهم مثبتو أسماء الرب وصفاته على الوجه اللائق به، والذين يقبلون
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا صح سندها ومتنها، سواء كانت متواترة أو
آحادًا؟ أو يراد غير هؤلاء؟ لم يبين تركي الحمد ذلك!
فإن هذا من التخفي وراء الكلمات، والتلاعب بالمصطلحات.
ب - الجاحظ معتزلي، بل هو من أئمة الاعتزال، وله مذهب مستقل يعرف
باسمه، والمعتزلة من الذين ينفون صفات الله تعالى، ومعلوم أن نفاة الصفات
يسمون مثبتي الصفات: مجسِّمة، وحَشْوية، ومشبِّهة؛ فهل ننفي صفات الله تعالى
لكي لا نتصف بهذه الكلمات التي أطلقها الجاحظ وغيره؟ أو نبحث عن الحق
ونتمسك به؟ ولا علينا وُصِفْنا بمثل ذلك أم لم نوصَف؛ فالحق أحق أن يُتَّبَعَ!
ج - سمَّى تركي الحمد (إن الله خلق آدم على صورته) مقولة، والأخذ بها
تأثرًا بالإسرائيليات، مع أن هذا اللفظ قطعة من حديث رواه البخاري في كتاب
الاستئذان (رقم 6227) ، ومسلم في كتاب الجنة (رقم 2841) بلفظ:(خلق الله آدم
على صورته)، ورواه مسلم أيضًا في كتاب البر والصلة والآداب (رقم 2612)
بلفظ: (وإذا قاتل أحدكم أخاه، فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته) .
وظاهر كلام تركي الحمد أنه ينكر أن يكون هذا اللفظ من كلام النبي صلى الله عليه
وسلم، ثم إنه يلزم عنده من هذا اللفظ أن الله ذَكَرٌ، وهو في هذا لا يخلو من
أمور:
الأول: أن يكون قد اطلع على هذه الأحاديث، ودرس أسانيدها؛ فتوصل إلى
أنها ضعيفة، وأنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وأن
القائلين بهذا القول إنما هم متأثرون بالإسرائيليات، وروايات كعب الأحبار،
ووهب بن منبه.
الثاني: أن يكون قد اطلع على هذه الأحاديث، وعرف كلام أهل العلم فيها؛
لكنه بعد دراسة هذه الأقوال تبين له خطأ هذه المقولة، حتى وإن كان الذي قالها هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما يلزم منها من أن الله ذكر.
الثالث: أنه لم يطلع على شيء من ذلك أصلًا، ولكنه ثبت في ذهنه شيء
معين، ورأى في كلام أصحاب الكتب التراثية القديمة، كالجاحظ مثلًا ما يؤيد
رأيه؛ فقال به.
الرابع: وقد يكون شيء غير ما ذكر، الله يعلمه.
والمقصود من هذا كله أنه قد وقع في أمور أولها: الجهل بدلالات الألفاظ.
وثانيها: استعمال المصطلحات والكلمات الموهمة. وثالثها: رد سنة النبي
صلى الله عليه وسلم، ووصفها بأنها من الإسرائيليات. ورابعها:
الجرأة على التكلم في علم لا يحيط به، ولا يعرف منه إلا ما ذكره الجاحظ
من أسماء كالحشوية والمجسمة والمشبهة.
3 -قال:(مبدع الخلق ... يقرر أن الإنسان عبارة عن ذكر وأنثى، وليس
ذكرًا فقط، وأن الأفضل عند الله هو الأتقى، وليس الذكر أو الأنثى؛ وبالتالي هي
المساواة المطلقة بين جناحي الإنسان فيما عدا ذلك من معيار..).
وهنا وقفات أيضًا:
الأولى: أن الله خلق آدم أولًا، ثم خلق منه زوجه، ومن هذا الزوج بث
رجالًا كثيرًا ونساءًا؛ فالمرأة مخلوقة من الرجل الأول، يدل على ذلك قوله تعالى:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً] [النساء: 1] .
الثانية: أن الله سبحانه وتعالى فرق بين الذكر والأنثى في أمور، وساوى
بينهما في أمور، ولم نرَ آية في كتاب الله تأمر بالمساواة المطلقة، أو تدل عليها،
بل قد كلف الله الرجل بالجهاد باليد دون المرأة، وألزم الرجل بالإنفاق على زوجه
وأولاده دون المرأة، وألزمه بحضور الجُمَع والجماعات دون المرأة، وجعل نصيب
الرجل في الميراث أعلى من نصيب المرأة عند الإرث بالتعصيب، وأمر المرأة بالحجاب وعدم إبداء الزينة دون الرجل، وغير ذلك كثير مما تختص به المرأة دون الرجل، أو الرجل دون المرأة، وساوى بينهما في أمور كثيرة أيضًا، فكيف يسوغ القول بأن الله يقرر مبدأ المساواة المطلقة؟ ! وهل يسلِّم تركي الحمد بمثل هذه الأمور الثابتة في كتاب الله؟ أم أنه لا يسلِّم بها لمناقضتها مبدأ المساواة المطلقة؟ !
الثالثة: أن الاستدلال بالآيات الدالة على أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى
على مبدأ المساواة المطلقة خطأ في الاستدلال؛ فإن هذه الآيات تقرر مبدأ من مبادئ
المجتمع الإنساني، وأنه لا يقوم إلا على الزوجية، لكن ليس في ذلك ما يدل على
وجود مبدأ المساواة لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزامًا، كما إذا قيل: إن اليوم الكامل
لا يمكن وجوده إلا
بالليل والنهار، فإن كل عاقل لا يفهم من ذلك مبدأ المساواة المطلقة بين الليل
والنهار؛ فلليل خصائص ومزايا لا توجد في النهار، وكذا العكس، والناس يفرِّقون
بينهما بحسب فائدة كل منهما، فكذلك الرجل والمرأة هما معًا يشكلان المجتمع، ولا
قوام للمجتمع إلا بهما، لكن لكل منهما خصائص ووظائف يمتاز بها عن الآخر.
4 -قال:(كون المرأة تختلف عن الرجل في وظائفها البيولوجية مثلًا، أو
أن الرجل يختلف عن المرأة في ذلك لا يعني ميزة لأحدهما على الآخر بقدر ما
يعني التكامل الوظيفي بين جناحي الإنسان كي يكون إنسانًا كاملًا).
ثم قال:(أن يختلف هذا الجناح عن ذاك الجناح مسألة طبيعية، بل
ضرورية من أجل التكامل وأداء الوظيفة الطبيعية، ولكن ذلك الاختلاف لا يعني
ميزة لأحدهما على الآخر، أو فضلًا طبيعيًا لهذا على تلك، أو لهذه على ذاك).
إذًا هما مختلفان، والاختلاف في الوظائف البيولوجية يعني الاختلاف في
الوظائف الاجتماعية، وهذا ينفي مبدأ المساواة المطلقة؛ لأن المساواة تارة تكون
عدلًا، وتارة تكون ظلمًا، فمن ساوى بين الغني والفقير، والعالم والجاهل،
والقوي والضعيف، والعامل والخامل في الواجبات والوظائف والحقوق فقد أخطأ
وأوقع الظلم على أحد الفرقاء، وأما إذا ساوى بينهم في العدل والإنصاف، بحيث لا يُظلَمُ أحد من حقه شيئًا؛ فقد أحسن.
ثم إنه مع اعترافه بالاختلاف إلا أنه ينفي التمايز بينهما، ويثبت المساواة،
مع أن الله نفى المساواة، وأثبت الاختلاف، وفاضل بين الذكر والأنثى؛ فقال
تعالى: [وليس الذكر كالأنثى] [آل عمران: 36] وقال أيضًا:[ولا تَتَمَنَّوْا مَا
فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ] [النساء: 32] ، وقال:[الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا
فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] [النساء: 34] وقال:[ «ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ
بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [البقرة: 228] وهو مع هذا
التفضيل أمر بالعدل، والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونهى عن هضم
الحقوق والإساءة إلى الآخرين.
5 -قال:(الاختلاف الذي يستند إليه الإنسان في تفضيل الأنثى على الذكر
في عالم الحيوان مثلًا هو ذاته الذي يجعله يقلل من شأن الأنثى في المجتمع
الإنساني؛ ليس لأن الذكر أفضل من الأنثى، أو أن الأنثى أفضل من الذكر
بالطبيعة وبداية الخلق؛ بل هي مجرد معايير مرتبطة بشكل التركيبة الاجتماعية
المهيمنة، وليست مرتبطة بالطبيعة المجردة لذات الكائن أو الشيء أو العلاقة).
وأقول: إن تفضيل أحد الجنسين على الآخر لا يلزم منه التقليل من شأن
الآخر، بل لكل منهما شأنه الخاص به، الذي يميزه عن غيره. وتفضيل الأنثى
على الذكر في عالم الحيوان يستند إلى اختلاف وظائفهما، وما يُجنى من كل منهما
من فوائد، وهذا التفضيل لم يضعه الإنسان لمجرد معايير مرتبطة بشكل التركيبة
الاجتماعية المهيمنة، بل استنادًا إلى طبيعة كل منهما، وما خلق الله لكل منهما من
عناصر، وحدد لهما من وظائف.
وتركي الحمد هنا يريد من كل ذلك أن يثبت لنا أن طبيعة كل من الذكر
والأنثى وبداية خلقهما ليس فيها أي تفضيل بينهما، بل هما سواء، والاختلاف في
الوظائف البيولوجية إنما هو ضرورة للتكامل الوظيفي، ولكن لا يلزم منه التمايز،
ولا التفاضل، بل ليس بينهما إلا المساواة المطلقة، وكل محاولة للتمييز والمفاضلة إنما منشؤها معايير اصطنعها الإنسان، أو كانت نتيجة المداومة على عادة معينة..
وكل هذا في الحقيقة مناقض للشرع والعقل:
أما الشرع: فلِمَا سبق من أن الله فاضل بين الذكر والأنثى، والمفاضلة هنا
بين الجنسين، وليس بين الأفراد، فجنس الرجال يفضُل جنس النساء، أما في
الأفراد فقد يوجد من النساء من يفوق الرجال، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وأما العقل: فإن وجود الاختلاف بين طبيعة جنسين مثلًا ينفي وجود المساواة
بينهما. نعم! ربما استويا في أمور، لكن أن يكونا على السواء في كل شيء؛ فهذا
مما ينافي العقل.
ويصر تركي الحمد على أن المفاضلة تعني التقليل من شأن الأنثى؛ فيقول:
(وإذا كانت المفاضلة بين الرجل والمرأة، والتقليل من شأنها بالنتيجة النهائية) ،
وهذا ليس بصحيح؛ فليس من لوازم المفاضلة التقليل من الشأن، أو الحط من
القيمة، أوالتحقير في الوظيفة.
فللمرأة وظيفتها، وقيمتها، ومكانتها، واستقلاليتها، لكن كل ذلك محكوم
بنظام الشرع. نعم! ربما حملت المفاضلة بعض الناس على التقليل من شأن المرأة، والحط من مكانتها، واحتقار آرائها وأعمالها، وهذا تصرف خاطئ، إلا أن
معالجته لا تتم بادعاء أمر يناقض الشرع والعقل، بل بفك الارتباط بين المفاضلة
وبين التقليل من الشأن والاحتقار والازدراء.
6 -قال بعد أن ذكر وضع المرأة في عهد قساوسة القرون الوسطى:
(واختلف الإسلام منذ فجره الأول عن كل ذلك بإقرار مبدأ المساواة بين
الرجل والمرأة في كل شأن إنساني؛ فهن شقائق الرجال، وبعضهم لبعض أزواج،
والجميع مكلفون التكليف ذاته، ويشملهم الخطاب، وما يضمنه من ثواب وعقاب) .
ثم قال:(الأمور انقلبت منذ عصور الانحطاط؛ فأصبحنا اليوم نفعل ما كانوا
يفعلونه بالأمس، ويفعلون هم اليوم ما كنا نحن نفعل بالأمس، أو ما نحن مأمورون
فيه على الدوام من فعل وعمل؛ وفقًا للدين الذي نعتنق، ووفقًا لكلمات الخالق التي
لم يعتَرِها التحريف منذ أن أوحيت إلى خاتم الأنبياء والمرسلين).
ادَّعى تركي الحمد هنا أن الإسلام أقر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كل
شأن إنساني، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه كانوا يعاملون المرأة
ويتعاملون معها كما يتعامل معها الغرب الآن، واستدل على ذلك بحديث:(النساء
شقائق الرجال) [1] ، وأن بعضهم لبعض أزواج، وأن التكليف شامل لهم معًا،
والخطاب موجه لهم معًا، ثم بعد أن استراح إلى ذلك ادعى أننا اليوم نتعامل مع
المرأة كما تعامل معها أهل القرون الوسطى من النصارى، وأن النصارى يتعاملون
معها الآن ويعاملونها كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه يفعلون، وفي
هذا عدد من المغالطات:
أ - الدعوى أخص من الدليل؛ بمعنى أن الدليل عامٌّ، والدعوى خاصة،
ومعلوم أن الأعم لا يستلزم الأخص، فإذا قلت: في البيت إنسان؛ فلا يلزم من ذلك
أن يكون الموجود زيدًا، فقد يكون زيدًا، وقد يكون غيره، فإذا أراد أحد أن يثبت
وجود زيد لثبوت وجود إنسان فهو مخطئ في الاستدلال، وهذا ما حدث هنا؛
فكون النساء شقائق الرجال، وأنهن خوطبن بالخطاب نفسه، ويلزمهن التكليف ذاته، ومعرضات للثواب والعقاب لا يدل ذلك على المساواة في كل شأن إنساني. نعم!
هو يدل على المساواة في أمور لا في كل الأمور، وقد ثبت أن الشارع نفى
المساواة المطلقة بينهما، كما سبق.
ب - ولخطئه في الاستدلال أخطأ فيما تفرع عنه؛ حيث فهم من هذه الأدلة
المساواة المطلقة التي يمارسها الغرب الآن، وهذا ما دفعه للقول بأنهم يفعلون ما
يجب أن نفعله نحن، أو ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه يفعلونه
بالأمس، قبل عصور الانحطاط، وفي هذا مغالطة خطيرة؛ إذ ما يفعله الغرب هو
مساواة مطلقة، لكن ليس هو ما فعله الإسلام
بالمرأة عينه، ولا ما أمرنا الله أن نفعله، بل الله نفى المساواة المطلقة، وكل
مسلم عاقل يدرك أن ما يحدث في الغرب هو ظلم للمرأة، واستغلال بشع لأنوثتها،
وإبراز لمفاتنها، ومحاسنها؛ لتكون دعاية تُسَوَّق بها السلع، أو شبكة يصاد بها
أهل الأهواء والشهوات. لقد حقق الغرب للمرأة بعض حقوقها المهضومة، لكنه
أهدر من كرامتها، وأضاع من حقوقها أضعاف أضعاف ما حققه لها، فحمَّلها فوق
طاقتها، وكلفها بما ليس من خصائصها، وشغلها عن مهمتها ووظيفتها الحقيقية
بأمور لا تعود عليها إلا بالشقاء والنصَب التي ظاهرها السعادة، وباطنها التعاسة،
أخرجوها لتطبخ للرجال بدل أن تطبخ لزوجها وولدها، ولتخدم الرجال في مكاتبهم
وأماكن عملهم بدل أن تخدم زوجها وولدها؛ فأهملت بيتها وأسرتها، وأضاعت مكانتها، وأنزلت من قيمتها وقدرها.
وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط قبل بضعة أشهر إحصائية عن كثرة إيذاء
المدراء لسكرتيراتهم بالتحرش والمضايقة الجنسية، وسوء استغلال هؤلاء لحاجة
المرأة للعمل، وضعفها وعدم قدرتها على دفعهم، ونشرت أيضًا قبل ذلك إحصائية
تبين أن المدارس التي مُنِعَ فيها الاختلاط كان التحصيل العلمي فيها أكثر من
المدارس التي فيها اختلاط، ونشرت أيضًا أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت عددًا
من القرارات تتضمن منع خلوة الرجل بالمرأة، وما ذاك إلا لشدة ما عانوا من سوء الاختلاط والتبرج؛ فهل الله الحكيم العليم البر الرحيم يأمر بأن نُخرِج المرأة من بيتها لتسير على خُطا المرأة الغربية الكافرة؟ ! ألا يعقل تركي الحمد ما يقول؟ ! ! هل يجوز أن يُنسب مثل هذا لدين الإسلام؛ وبهذا التعميم الذي ينكره الجاهل فضلًا عن العالم؟ ! ! ثم ما هي الأفعال التي نمارسها اليوم تجاه المرأة وتشبه تصرفات نصارى القرون الوسطى؟ ! لم يذكر لنا مثالًا على ذلك، إلا بأن قال: إن أهل العادات يحمِّلون المرأة الجانب الأكبر من التكاليف بأمرها بالحجاب والستر، ومنعها من الاختلاط بالأجانب، والسفر إلا مع ذي محرم؛ فمن الذي أمر بكل
ذلك؟ ! فهل يريد تركي الحمد أن يهدم الدين باسم الدين؟ ! وما معنى الإسلام؟ ! وما معنى أن يكون الرجل من المسلمين ثم يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء، ويفهم الإسلام بحسب ما يمليه عليه الهوى والرغبة؟ ! ! ربما أساء بعض الرجال في استعمال حقوقهم؛ فمنعوا المرأة حقوقها، وساموها سوء العذاب، وخالفوا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ فهل الحل بأن نأمر المرأة بأن تسيء هي أيضًا استخدام حقوقها، وتتمرد على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ونزعم أن الإسلام جاء بالمساواة المطلقة بينها وبين الرجل؟ ! كلا؛ فليس هذا صنيع العقلاء، وإنما الحل يتمثل بإحياء أثر الدين في النفوس، وتطبيق أحكام الشرع تطبيقًا يمنع الظلم ويرفعه.
7 -ثم مثَّل بمثال على الموازنة في كلمات الخالق بين جناحي المجتمع في
الأوامر والنواهي، وما فعله بعض أهل العادات والتقاليد والهوى والمصلحة من
تحميل المرأة القدر الأكبر من هذه التكاليف، وغض الطرف عن الرجل، فقال: ... (يقول الباري في محكم كتابه:[قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ
عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ
أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى
عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلَى اللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [النور: 30، 31] . نجد هنا أمرًا ربانيًا
بمسلك من مسالك الفضيلة، والخطاب فيه موجه إلى الذكر والأنثى، على السواء
وفق معادلة متكافئة الجانبين، ولكن في كثير من الأحيان إن لم يكن في أغلب
الأحيان وفي الواقع والسلوك الاجتماعي المعاش نجد أن هناك تشديدًا
على المرأة حتى فيما هو مرخص فيه في[ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا]فلا يتسامح حتى مع ما ظهر منها، أو[ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى
جُيُوبِهِنَّ]ومع أن الخمار معروف لغة، والجيب معروف لغة، ولكن الوجه يدخل في القضية، وعلى الجانب الآخر نجد هناك من التسامح مع الرجل في هذا المجال حتى فيما هو مشدد فيه [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] وغير ذلك من سلوكيات بما يجرح مبدأ المساواة الأولى) .
لنتأمل المثال الذي ذكره: لقد اشتملت الآية في جانب الرجال على أمرين:
غض البصر، وحفظ الفرج، واشتملت الآية في جانب النساء على هذين الأمرين،
ولم تقف عند هذا، بل زادت بذكر تكاليف للمرأة خاصة بها، لا يشاركها فيها
الرجل؛ فأين المعادلة المتكافئة بين الجانبين؟ !
فإذا اختلف العلماء في الوجه هل هو مما يجوز إظهاره، أو مما لا يجوز؛
فهل يكون في ذلك تحميل للمرأة القدر الأكبر من التكاليف، وغض الطرف عن
الرجل؟ ! وهل في هذا جرح لمبدأ المساواة الأولى؟ ! إن كان ذلك فالآية هي التي
جرحت هذا المبدأ؛ حيث كلفت المرأة أن تخفي زينتها عن الأجانب بينما لم تكلف
الرجل بذلك.
حينما نقول: يجوز للرجل أن لا يغض طرفه، ولا يحفظ فرجه، ولا يجوز
للمرأة ذلك؛ نكون حينئذ قد تسامحنا مع الرجل، وحمَّلنا النصوص فوق ما تحتمل،
وظاهر كلام تركي الحمد فيه إشارة إلى هذا، لكني لا أعلم عالمًا من علماء
المسلمين يقول بمثل ذلك إلا أن يكون في مخيلة تركي الحمد نفسه؛ فهذا مما لا
أعلمه. أما أن يكون في الخلاف في وجه المرأة: هل هو عورة، أو ليس بعورة؟
تحميل للنصوص ما لا تحتمل وتحميل للمرأة القدر الأكبر من الأوامر والنواهي فهذا
جهل بحقيقة الخلاف ودلالات الألفاظ، وتحميل للكلام فوق ما يحتمله، وأعجب
شيء وأقبحه أن يكون جهل امرئ من الناس حاكمًا على آراء الآخرين واستنباطاتهم.
ثم.. لِمَ هذا الربط بين القول بأن وجه المرأة عورة، وبين العادات والتقاليد؟ !
8 -قال: (المواطَنة ابتداءًا تفترض المساواة بين المنتمين إلى بلد واحد) .
يقال في هذا مثل ما قيل في قوله: (إن الإسلام أقر مبدأ المساواة المطلقة) ،
فالمواطنة تفترض العدل بين الناس، ومن العدل أن تساوي حين تكون المساواة
عدلًا، وأن تفرق وتمايز وتفاضل حين يكون ذلك عدلًا، ولا أظن أن تركي الحمد
نفسه يرضى أن يُساوَى في كل شيء بجاهل لا يقرأ ولا يكتب، بل لكل واحد منهما
من الحقوق، وعلى كل واحد منهما من الواجبات بحسب ما عندهما من العلم،
والمؤهل، والكفاءة، وحسن العمل.
لكن تركي الحمد من أول مقاله إلى آخره يريد أن يثبت هذا المصطلح:
(المساواة المطلقة) ليمرر من تحته ما شاء من أفكار وآراء.
9 -قال:(ورغم أن أوامر كثيرة بالنسبة للمرأة كانت خاصة بنساء النبي
الأكرم صلى الله عليه وسلم: [يا نساء النبي ... ] [الأحزاب: 32] إلا أن
البعض يعممها على غيرهن من النساء) .
في هذا الكلام عدد من الملاحظات:
أ - ليس كثير من الأوامر بالنسبة للمرأة خاصًا بنساء النبي صلى الله عليه
وسلم كما ادعى هنا، بل هذه الأوامر التي يزعم أنها خاصة بنساء النبي صلى الله
عليه وسلم وصُدِّرت بـ [يا نساء النبي] وجدت في سورة واحدة، في آيات
معدودة منها، وما عدا ذلك، فمِن أول القرآن إلى آخره وهو كثير كله عام لجميع
النساء.
ب - اختلف العلماء في الخطاب الموجه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم:
هل هو خاص بهن، أو عامٌّ لجميع النساء؟ والقائل بالقول الثاني لم يكن الحامل له
على القول بذلك الهوى والمصلحة والعادات والتقاليد كما يذكر تركي الحمد، بل
استدل بأدلة صحيحة صريحة، منها: أن من الأساليب العربية توجيه الخطاب إلى
واحد، مع إرادة غيره ممن هو دونه، أو فوقه، كقوله تعالى:[يا أيها النبي إذا
طلقتم النساء ... ] [الطلاق: 1] الآية، وقوله:[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ
الكَافِرِينَ والْمُنَافِقِينَ] [الأحزاب: 1] الآية، وقوله[ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [النحل: 123] الآية، وقوله: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا]
[الروم: 30] الآية، وغير ذلك من الآيات؛ لكن تركي الحمد جهل ذلك؛ فلم
يذكره، أو تجاهله؛ فطواه، وكلاهما أمران قبيحان.
ج - قوله: (إلا أن البعض يعممها) فيه تجهيل وحط من مقدار القائل بهذا
القول، والعدل والإنصاف يقتضي المساواة بين أهل الأقوال بذكر آرائهم دون حط
من مقدارهم، أو الاستهزاء بهم.
10 -قال:(عندما تكون المرأة ذات عقل راجح، ومشهودًا لها بذلك، ومع
ذلك لا تؤتمَن على نفسها في سفر، أو غيره مثلًا مع أنها مؤتمَنة على ما هو أكبر
من ذلك، كأن تكون أستاذة جامعية، أو مربية جيل، أو امرأة أعمال فإن في ذلك
جرحًا ليس لمفهوم المواطَنة وممارستها فقط التي تفترض مساواة في الحقوق
والواجبات، بل وفي منطقية السلوك برمته؛ إذ كيف تؤتَمَن على جيل بأكمله مثلًا، أو ثروة عريضة، ولا تؤتمن على ذاتها؟ فإما أن تكون غير أمينة، أو حتى
قاصر غير قادرة على تمييز الحق من الباطل؛ وذاك مما يناقض التكليف الإلهي
ذاته القائم على كمال العقل؛ فلا تؤتمن بالتالي على شيء على وجه الإطلاق، وإما
أن تكون أمينة وغير قاصر؛ فتؤتمن على كل شيء، وأول ذلك كله أن تؤتمن على
ذاتها المباشرة، ولا وسط بين الطرفين في هذه المسألة، هذا إذا كان مفهوم
المواطنة وشرعية الأمور ومنطقيتها هي معيار الحكم وفيصله بطبيعة الحال).
إن كل ما سبق من مقدمات تركي، واستدلالاته لتثبيت مبدأ المساواة المطلقة
إنما يراد به الوصول إلى هذه النتيجة، وهي نسف مسألة منع المرأة من السفر
وحدها، وتحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية بلا محرم، مع تغطية المرأة وجهها
الذي سبق الحديث عنه، وقد حاول أن يحشد ما استطاع من كلمات: كمفهوم
المواطنة، وممارستها، ومنطقية السلوك،
وشرعية الأمور ومنطقيتها، والتناقض؛ ليحاصر فكر القارئ وعقله،
ويجعله يسلِّم بما توصل إليه.
ويمكن تلخيص ما ذكره في نقطتين:
أولاهما: تصويرُه أن منع المرأة من السفر وحدها، ومنعها من الخلوة
بالرجال الأجانب تخوين لها، وإسقاط لمبدأ الأمانة على نفسها، هذا مع أنها مؤتمنة
على ما هو أكبر من ذلك، وهذا كما يتصور الحمد تناقض؛ فإما أن تؤتمن على كل
شيء، أو لا تؤتمن على شيء، ولا وسط بين الطرفين عنده.
ثانيهما: أن ذلك بحسب ما توهم مناقضة لمبدأ المساواة، وكل ما ناقض مبدأ
المساواة فهو باطل.
وفي هذا رد لنصوص الكتاب والسنة، واتهامها بأنها متناقضة، وعبث
بمعانيها، وفهمها فهمًا قاصرًا، دون ضابط ولا منهج مستقيم، اتباعًا للهوى
والرغبة، وقد قال الله تعالى:[ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ
أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا
مُّبِينًا] [الأحزاب: 36] .
وأول سؤال هنا: من الذي منع المرأة أن تسافر بلا محرم، وحرم على
الرجل أن يختلي بالمرأة الأجنبية، وحرم على المرأة كذلك الخلوة بالرجل
الأجنبي؟ ! أليس الله الذي حرم ذلك؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافرِ المرأةُ إلا مع ذي محرم، ولا يدخلْ عليها رجل إلا ومعها مَحْرَم) [1] ، وقد قال الله تعالى: [ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] [الحشر: 7] ؛ ... فلِمَ الاعتراض؟ !
وسؤال ثان: ما الحكمة التي لأجلها كانت تلك الأحكام؟ وما هي عادة الشرع
في إصدار الأحكام وربطها بعللها؟
وسؤال ثالث: من هو المؤهَّل لاستنباط الأحكام والعلل من كلام الشارع؟
وهل لذلك ضوابط، أم هو مباح لكل متكلم؟
وسؤال رابع: هل مَنْعُ المرأة من السفر وحدها تخوينٌ لها، وعدم ائتمان لها
على نفسها؟ ! فالرجل ممنوع من الخلوة بالأجنبية أيضًا؛ فهل ذلك عدم ائتمان له
أيضًا على نفسه؟
وسؤال خامس: هل من ائتمن على شيءٍ مَّا ائتمن على كل شيء؟ وكذا
ضده؟
وسؤال سادس: ما التناقض؟ وما حقيقته؟
وسؤال سابع: هل المساواة المطلقة على اسمها ليس لها ضابط ولا حد، أو
أن لها حدودًا، وضوابط؟ وإذا كان الجواب بنعم؛ فما هي؟ ومن الذي يحددها
ويضبطها؟
كل هذه الأسئلة لا بد من الإجابة عنها بجواب مقنع حتى يتضح الأمر،
ويظهر الحق من الباطل؛ إذ الحق مقصود كل عاقل، أما التعمية في الكلام،
والتكلُّم بمجمل من القول يحتمل حقًا وباطلًا، وإصدار أحكام قطعية دون بحث
ونظر وتأمل وتفكر، والحكم على كلام الشارع بأنه متناقض فهذا لا يزيد الأمور إلا
اضطرابًا، ولا يُعرَف به الحق من الباطل.
وأخيرًا:
فإنه لا يحق لكاتب يمسك قلمًا ليخط به حديثًا في موضوعٍ مَّا إلا بعد
أن يلم بأطراف الموضوع إلمامًا يميز به الخطأ من الصواب، ويمتلك الآلة التي
تمكنه من إدراك الحقائق على الوجه الصحيح، ويكون مقصده إيضاح الحق،
وإيصاله إلى القارئ؛ إذ إن حَمْلَ القلم أمانة، والتفريط فيها خيانة للأمة بجميع
طبقاتها وفئاتها.
وقد حاولت الاختصار مع أن الحديث قد طال، لكن المقام مقام خطير،
والإيضاح فيه مطلوب؛ لأن المنهج إذا فسد وأصابه الخلل والاضطراب أدى ذلك
إلى نتائج وخيمة لا تحمد عقباها، وأرجو من الله أن يقع هذا الحديث موقعه، وأن
ينفع به.
والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(1) رواه البخاري، ح/ 1862، ومسلم، ح/1341.