فهرس الكتاب

الصفحة 3999 من 5925

المسلمون والعالم

د. سامي محمد صالح الدلال

طالبان والتمكين:

من رَحِمِ المدارس الشرعية في قندهار، وبفتوى من علماء «منطقة مايوان»

خرجت طالبان يوم الجمعة 15 محرم 1415هـ الموافق 24/6/1994م إلى

ساحة الصراع التغييري، وكانت نواتها بضعة عشر طالبًا شرعيًا يقودهم الملا

محمد عمر، ثم التحق بهم كثير من الطلاب الذين تخرجوا من الجامعة الحقانية في

بيشاور الباكستانية. وفي جمع غفير ضم 1500 من علماء أفغانستان تم اختيار

زعيم حركة الطالبان ومؤسسها الملا محمد عمر أميرًا للمؤمنين، وشرعت حركة

طالبان تفتتح الولايات الأفغانية الواحدة تلو الأخرى مبتدئة بولاية روزجان بجيش

قوامه 313 رجلًا، اتسع فيما بعد شيئًا فشيئًا، ولا زالت على ذلك حتى استولت

على معظم الولايات، فانهزمت أمامها كافة الفصائل والأحزاب التي كانت قد

تصارعت فيما بينها منذ اندحار الروس عام 1989م وهزيمتهم، وقد أتمت حركة

الطالبان ليومنا هذا الاستيلاء على حوالي 95% من مجمل الأراضي الأفغانية، ولا

تزال المعارضة بقيادة أحمد شاه مسعود تسيطر على أجزاء من المنطقة الشمالية

تشكل مساحتها حوالي 5% من أفغانستان.

وقد أعلنت حركة طالبان أنها ستطبق الشريعة الإسلامية في كافة الأراضي

التي تحت سيطرتها متخذة من كابل العاصمة التي استولت عليها في 27/9/1996م

قاعدة لحركتها السياسية، ومن قندهار مقر أمير المؤمنين قاعدة لحركتها التشريعية

والتنظيمية؛ حيث تشمل الدائرة التشريعية «مجلس شورى العلماء» الذي يضم

سبعة علماء مهمتهم الإفتاء في القضايا الشرعية، وتشمل الدائرة التنظيمية «مجلس

شورى الوزراء» الذي يضطلع بالجوانب العملية التي تتعلق بدورالطالبان في

تطبيق الشريعة الإسلامية والنهوض بأعباء الخدمات من خلال إعادة بناء البنية

التحتية التي دمرها الروس عن بكرة أبيها، وزاد طينتها بلة الصراع بين الأحزاب

حتى اتسع الخرق على الراقع.

أما حركة الجيوش الطالبانية على مختلف الجبهات القتالية فإنها تلقى اهتمامًا

كبيرًا لدى أمير طالبان حيث يضطلع بنفسه بكافة شؤونها واحتياجاتها وتحركاتها

على مدار الساعة. غير أنه بات من المعروف أن المناوشات العسكرية في أطراف

الشريط الشمالي لم يعد لها أي أثر على سير الحياة الطبيعية في سائر الأراضي

الأفغانية.

أهداف طالبان:

لم تكن طالبان قبل عام 1994م شيئًا مذكورًا، بل كان المذكور على الألسنة

وأجهزة الإعلام هو ما يدور من صراع مسلح تستخدم فيه كافة أصناف الأسلحة بين

فصائل كثيرة من أبرزها:

* الجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني ومسؤوله العسكري أحمد شاه

مسعود.

* الحزب الإسلامي بقيادة حكمت يار.

* حزب الاتحاد الإسلامي بقيادة عبد رب الرسول سياف.

* حزب الوحدة الشيعي بقيادة عبد العلي مزاري.

* حزب النهضة القومية بقيادة عبد الرشيد دوستم.

وجماعات أخرى صغيرة، وكان «الكل ضد الكل» مما أدى إلى إشاعة

الخوف والرعب في مجمل الأراضي الأفغانية، وقد استغل ذلك ضعاف النفوس

فراحوا يفرضون الضرائب والإتاوات على جميع الناس، وانتشرت الدوريات

تجوب الشوارع الداخلية والخارجية تجمع المكوس بالقوة من المارين بسياراتهم،

وصار لكل فصيل من تلك الأحزاب جباة يمارسون هذا النوع من «ألمافيا» ،

فشاعت الجرائم بشتى أنواعها، وخاف الناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم

وممتلكاتهم؛ فبقي من بقي وهاجر من هاجر، وتفاقمت الأزمة، وتوسعت

المخيمات، وازدادت الآلام، وتلاشت الآمال، وقد استمر هذا الحال عدة سنوات،

وأصاب الناس اليأس من الانفراج؛ إذ لم يكن ثمة بصيص ضوء في الأفق، ولا

قبس أمل في الصدور، بل ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، وليل بهيم شديد

السواد يخيم على أفغانستان، ينوء بكلكله على صدور أبناء ذلك البلد المسلم الذي

أنهكته الحرب وقضمته بأنيابها الحادة، فبات كمضغة تلوكها ألسن الحاقدين، أو

كرة تتقاذفها أرجل المجرمين.

وعلى حين غرة، وبغير تخطيط من أحد من البشر، جاء الفرج من الله

تعالى، فبرزت الطالبان على سطح الأحداث بأفراد قياديين قلائل، وأعداد عسكرية

ضئيلة لتقول لجميع هؤلاء: كُفُّوا أيديكم وانسحبوا من الميدان، وأفسحوا المدن

والميادين والطرق والساحات، سلمًا أو حربًا، ففعلوا راغمين صاغرين.

وفي زمن قياسي سادت الطالبان أراضي أفغانستان كلها تقريبًا(ما عدا

الشريط الشمالي الذي نوهنا عنه)معلنة أهدافها الآتية:

1 -تحقيق السيادة الشاملة على أراضي أفغانستان لطالبان.

2 -تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا شموليًا.

3 -نشر الأمن والطمأنينة في جميع ربوع البلاد الأفغانية.

4 -الاضطلاع بالمهام الدعوية لإعادة التأهيل الجماهيري إسلاميًا.

5 -إعادة بناء وتشييد البنية التحتية في كافة المرافق في جميع أصقاع البلاد

الأفغانية.

6 -أن تتبوأ أفغانستان مكانتها اللائقة بها في منظومة العالم الإسلامي

والساحة الدولية.

أَخْرَجُوا أضغانهم:

لقد بذلت دول الكفر قاطبة، ومن ورائها طوائف الحاقدين على الإسلام

والمسلمين من منافقين وعلمانيين ومبشرين، من يهود ونصارى وشيوعيين

ووثنيين، وغيرهم من أصناف المفسدين بذل هؤلاء كلهم جميع إمكاناتهم

ووظفوا جل طاقاتهم، وأنفقوا خزائن أموالهم، وأحكموا أمكر خططهم، وشحذوا

عزائم هممهم ليُبقوا أُوار صراع الأحزاب في أفغانستان مشتعلًا، ولهيب المعارك

ملتهبًا، ليأكل المسلمون في ذلك البلد المنكوب بعضهم بعضًا، فلا تقوم لهم بعد

ذلك قائمة، فتتعاظم المجاعات، وتتتالى المناحات، وتخيم الأحزان، وتهجر

الأوطان.

هكذا أرادوا أفغانستان أن تكون، هكذا فقط أو لا تكون! ! غير أن الله -

تعالى - أراد بفضله ومنّه وكرمه أن يفسد على هؤلاء آمالهم ويبطل مكرهم

ومكائدهم، ويكرم دماء الشهداء الذين روَّوْا بها البلاد وخضبوا بها أعالي الجبال

وامتدادات الوهاد، فأخرج لهم هؤلاء الطلبة الذين لم يكن أحد يحسب لهم أي حساب،

فقالوا للجميع: أتيناكم بكتاب الله، وجئناكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛

فأقلِعوا عما أنتم عليه من الفساد والإفساد، فما أن تفوَّهوا بهذا الكلام، واستعلنوا

به بين الزحام، حتى فض الله - تعالى - الناس عن أولئك الأحزاب وجمع قلوبهم

على هؤلاء الطلبة الكرام فاتبعوهم من كل الأصقاع، وبادروهم بالطاعة والاحترام،

فخضعت لهم في أفغانستان الأرض، فأمن الناس على النفس والمال والعرض.

فما أن حصل ذلك حتى هاج أعداء الله - تعالى - في كل قطر وبلد وماجوا،

فأخرجوا أضغانهم، وسددوا سهامهم، لعلهم يصيبون الطالبان في مقتل، أو

يقزمونهم على الأقل، فابتدؤوهم بتوجيه التهم الآتية:

1 -الخروج بأفغانستان من نور الحضارة الباهر إلى ظلام الشريعة الغامر

بزعمهم.

2 -منع المرأة من التعلم والتعليم وإغلاق أبواب البيوت عليها للحيلولة دون

خروجها إلى المدارس والجامعات.

3 -منع المرأة من العمل أو ممارسة المهن.

4 -فرض الحجاب على المرأة.

5 -منع تعاطي الخمور في كل أفغانستان.

6 -منع الموسيقى والغناء على المسارح أو الأفناء.

7 -إيواء الإرهابيين وتدريب جموع المجاهدين.

8 -استزراع المخدرات ثم تصديرها لمختلف الجهات.

9 -عدم الخضوع للقوانين الأممية والأعراف الدولية.

10 -الوقوف مع القضايا الإسلامية وخاصة انتفاضة الأقصى الفلسطينية.

وهذه التهم، كما تلاحظ - أخي القارئ - قد خلطوا فيها الحق بالباطل،

وتلاعبوا فيها بالألفاظ بين مُحْجم وصائل؛ فمعظم التهم المذكورة ليس لأي منها

أساس من الصحة، بل هي كذب محض وافتراء رخيص، وكثير منها إنما هو

إكليل غار على جبين الطالبان يشع بالأنوار! !

أما الجهات التي وقفت وراء تلك التهم فهي:

-الولايات المتحدة الأمريكية.

-الاتحاد الأوروبي.

-روسيا الاتحادية.

-الجمهوريات الإسلامية التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

-الهند.

-الكيان اليهودي في فلسطين.

-معظم دول المنظومة الإسلامية.

-الأمم المتحدة.

-العلمانيون في جميع البلدان، وذلك من خلال الصحافة والمجلات والكتاب

والإذاعة والتلفزيون والإنترنت والفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام والتأثير.

وبعد مرور حوالي خمس سنوات على حكم الطالبان لأفغانستان لم تعترف بها

سوى ثلاث دول هي باكستان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية

المتحدة.

لقد اجتمعت توجهات تلك الجهات التي ذكرناها على إسقاط حكم الطالبان مهما

بلغ الثمن، ومهما تفاقمت بين شعب أفغانستان المحن ونزلت به الإحن.

فأبرزوا أحقادهم، واستتروا بمظلة الأمم المتحدة، فأعلنوا الحصار الشامل

الكامل على أفغانستان الطالبان، وضربوا عليها أسوار التكبيل والتنكيل برًا وجوًا،

ليقتلوا الشعب الأفغاني جوعًا وقهرًا، ثم يقولوا بعد ذلك: قتلته وقهرته الطالبان! !

وأما في الداخل فقد بثوا جماعاتهم التنصيرية تجوب مجمل الأراضي الأفغانية

بحجة إنقاذ الشعب الأفغاني الذي أحكموا تجويعه وترويعه ثم جاؤوا له منقذين،

كالثعلب في لباس الصالحين.

وقد بلغت أعداد المنظمات التنصيرية العاملة حاليًا في أفغانستان والتي ورثت

الطالبان وجودها من العهود السابقة حوالي مائتين وأربعين منظمة، منها ستة

وخمسون منظمة تعمل في حقل التعليم فقط، هاكم أسماؤها:

ملاحظة: العلامة (*) تعني أن المنظمة المذكورة تعمل في حقل التنصير

إضافة إلى حقل التعليم.

وقد أوردت صحيفة «فرينتير بوست» الصادرة في بيشاور باللغة الإنجليزية

في عددها الصادر في 10 ديسمبر 1997م أن منظمة «NGO Men» قد نجحت

في تنصير «مائة ألف» أفغاني خلال سبعة الأعوام الماضية(أي منذ عام 1990

م وحتى عام 1997م).

إن هذه المنظمات لها أهداف كثيرة منها:

1 -بذل الجهد لبث عقائد النصارى بين أفراد الشعب الأفغاني.

2 -تطعيم التعليم بما هو مناف للعقيدة الإسلامية.

3 -تشكيك الطلبة، بل والشعب كله، بصلاحية الشريعة الإسلامية للحكم أو

التحاكم.

4 -التجسس على الطالبان.

5 -معرفة أفغانستان عن كثب لوضع الخطط لإدامة الكيد لها.

6 -إقناع الشعب الأفغاني بأن سعادته مرتبطة بأمريكا والغرب.

7 -أن الكوارث التي حلت بالشعب الأفغاني إنما سببها تطلعه للاحتكام

للإسلام.

8 -أن الحصار المضروب على أفغانستان سببه الطالبان.

9 -تفريغ أفغانستان من الكفاءات العلمية والمهنية؛ وذلك بإغرائهم برواتب

عالية ومجزية ليتركوا البلاد ويعملوا في الخارج.

10 -ربط مشاعر المساكين من المهاجرين والمشردين، القاطنين في

المخيمات أو المعسكرات، بالنصارى الغربيين الذين يسهرون على راحتهم ويقدمون

لهم الطعام ولأولادهم الهدايا، وينثرون بين أيديهم الدواء والعلاج، ولسان مقالهم

وحالهم: ها نحن الذين ننقذكم، فأين منكم المسلمون؟ ! ! وأين هم من معاناتكم

وسوء أحوالكم؟ ! !

وخلاصة القول أن أهداف التهم الموجهة للطالبان هي:

1 -الحيلولة دون قيام دولة إسلامية في أفغانستان تحتكم إلى الكتاب، والسنة.

2 -ادعاء مسوِّغات لإبقاء الحصار على أفغانستان.

3 -إشغال الطالبان عن خوض معركة البناء بإبقاء حالة الصراع مستمرة مع

أحمد شاه مسعود ودوستم ومن في فلكهما.

4 -بذل الجهد الدولي والعالمي لإسقاط الطالبان.

5 -إرجاع الحكم في أفغانستان إلى مظلة العلمانية.

6 -استخدام أفغانستان بعد ذلك رأس جسر لتحقيق المصالح الأمريكية

والغربية في منطقة آسيا الوسطى.

لكن هل حققت هذه التهم وتلك التوجهات أهدافها وفعلت في طالبان أفاعيلها؟ !

الجواب: لا، وسنتبين ذلك من خلال السطور القادمة.

لماذا يخافون من طالبان:

إن القوى الدولية المعادية للإسلام والمسلمين قد بذلت الغالي والنفيس للحيلولة

دون قيام دولة إسلامية حقة تحتكم شموليًا إلى الدين القويم، غير أن طالبان قد

صمدت لتلك الجهود، وأسست دولتها على الكتاب والسنة مجتهدة في تحقيق ذلك ما

وسعها الاجتهاد، ومن أبرز ما يذكر لها بهذا الصدد:

1 -إحياء مؤسسة الشورى بدل الديمقراطية.

2 -إرساء التعامل الداخلي والخارجي على قاعدة الولاء والبراء.

3 -إبطال المحاكم المدنية وإحلال المحاكم الشرعية بدلًا منها.

4 -إقامة الحدود الشرعية.

5 -فرض الحجاب ومنع الاختلاط.

6 -إبطال البنوك والتعاملات الربوية بكافة صورها، وافتتاح البنوك

الإسلامية.

7 -منح المرأة حقوقها الشرعية في كافة المرافق التعليمية والصحية والمالية

وغيرها على وفق ما أقره الإسلام لها وشرعه.

8 -السعي لتأمين فرص العمل والقضاء على البطالة(وقد قطعت الإمارة

الإسلامية الأفغانية شوطًا واسعًا في هذا المجال).

9 -فرض الأمن واحترام هيبة الدولة.

10 -الاستمرار في مقاتلة البغاة والمرتدين دون هوادة.

11 -تقديم الخدمات الضرورية والحاجية بل وأحيانًا التحسينية لكافة

الولايات الأفغانية.

12 -إيجاد مجتمع إسلامي نظيف من الموبقات، تتقاصر فيه المعاصي

والسيئات، وتتعاظم فيه المحاسن والصالحات.

وقد تم بعض ذلك من خلال القضاء على الخمور والخمارات، ومنع زراعة

الخشخاش وأنواع المخدرات، ومنع ألوان الفنون التي يؤديها الخاسرون

والخاسرات، سواء منها ما كان بآلات الطرب أو مختلف الأدوات، فانحسر سوق

المغنيين والمغنيات والراقصين والراقصات، ومن سار على دربهم أو سلك طريقهم

من المفسدين والمفسدات، فما أجمل أن تتجول في مدن الأفغان وقد خلت من ألوان

المعاصي، فلا ترى امرأة إلا وقد تحجبت، ولا رجلًا إلا وقد أرخى لحيته! وتلمح

في أعين الناس قرار الطمأنينة، وفي وجوههم انبساطة الأمن والأمان، فتفرغوا

إلى أعمالهم ونهضوا بشؤونهم، بعد أن كانوا أعداء متخاصمين، وألدَّاء متناكرين.

وصدق فيهم قول الله - تعالى:[وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي

الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] (الأنفال: 63) .

فعمرت المساجد بالمصلين رغم انكفاء بنيانها بقذائف المتربصين، وافتتحت

الأسواق واكتظت الشوارع بالساعين على أعمالهم وبأصناف السيارات ووسائط

النقل وخاصة «التاكسيات» ، ونشطت حركة التبادل التجاري بين كافة المدن

الأفغانية عبر الشاحنات، رغم ما حل في الطرق التي كانت معبدة من تدمير

وإتلاف بواسطة قذائف وصواريخ الروس ودباباتهم ومدرعاتهم المجنزرة.

فلهذه الأسباب التي ذكرتها ولغيرها التف الشعب الأفغاني بكافة قبائله وأعراقه

حول الطالبان سامعين طائعين. واللافت للنظر أن هذا الالتفاف قد أدى إلى تقليص

شديد في دوريات الأمن، حيث يمتثل كافة الناس إلى أوامر أمير المؤمنين حبًا

وهيبة، وإذا كان منع التجول في أية دولة لا يتم إلا من خلال بث الدبابات

والمدرعات وكافة ألوية الجيش والشرطة للسيطرة على الشوارع العامة والحارات

فإن شيئًا من ذلك لا وجود له في أفغانستان؛ حيث إن الشعب يمتثل أمر أمير

المؤمنين بالامتناع من التجول ابتداء من العاشرة مساءً إلى الخامسة صباحًا دون

حاجة حتى إلى وضع دورية واحدة في شارع رئيسي، فضلًا عن أي حارة داخلية،

حتى المنافقين كف الله أيديهم بالهيبة الإسلامية والخوف من العقوبة الشرعية.

وحقًا؛ إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

الطالبان تخوض معركة إعادة الإعمار والبناء والتنمية:

أينما حللت، وفي أية ولاية من ولايات أفغانستان نزلت، فإنك سترى مندهشًا

كيف أن الروس قد أحالوا مدنًا وقرى إلى أطلال مهشمة، لا تنعق فيها غربان، ولا

تجري بين جدرانها المهدمة جرذان، لعدم وجود أي شيء يستبقي لها ولو حتى

رمق الحياة، لقد أحالوا الأخضر يابسًا، والشاهق قاعًا صفصفًا، والمعامل حديد

خردة، وحولوا الطرق المعبدة إلى أكوام من الصخور وبقايا قار، وأمعنوا في

التدمير ونشر الخراب، فتوقفت المصانع، وتهشمت السدود وانطفأت الكهرباء،

واندثرت المشاريع، ويبست الأشجار وتلفت المزارع والزروع وأرهقها الجفاف

والذبول ونشفت العروق الخضراء في الحقول، وانهالت القذائف والصواريخ على

السكان الآمنين من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء الذين هم في بيوتهم قاطنون،

فأحالتهم إلى أشلاء متناثرة، وإلى عظام وأعضاء في جميع الأصقاع الأفغانية

مبعثرة، فكثرت في المدن والقرى المدافن، واكتظت القبور بالشهداء من قتلى

المعارك والأسارى والرهائن، وإذا ما قمت بجولة في أية مدينة أفغانية فيا هول ما

سوف ترى من أعداد المقابر التي ترتفع على شواهدها الأعلام الخضراء التي ترمز

إلى أن المدفون هنا شهيد إن شاء الله - تعالى -.

ثم جاء بعد الروس دوستم ومن معه فحذوا حذوهم، وساروا في التخريب

والتدمير على نهجهم. هذه هي الصورة المؤلمة البائسة التي أخذت طالبان على

عاتقها إعادة رسمها لتكون مشرقة وأغصانها مورقة.

إن معركة إعادة البناء والتعمير لا تقل أهمية عن معركة الجهاد والتحرير،

وإن الفعالية الإسلامية لن تكون مكتملة إلا إذا تحاذت القذتان وتوازنت الكفتان.

لقد ورثت الطالبان إرثًا صعبًا مدمرًا مهشمًا، وأخذت على عاتقها إنجاز

المهمة مع ما يرافقها من تحد وعنت واقتحام.

إن ألوان إعادة التشييد كثيرة جدًا، نذكر منها ما يلي:

1 -بناء السدود الجديدة، وترميم السدود القديمة وإصلاح السدود المدمرة.

2 -توفير المياه لري مئات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الصالحة

للزراعة.

3 -شق القنوات الطويلة لإيصال مياه الشرب والزراعة إلى كافة الولايات.

4 -تشييد محطات كهرباء جديدة وإصلاح المحطات المعطبة وترميم وإعادة

صيانة المحطات المعطلة.

5 -مد شبكات الكهرباء الرئيسية والفرعية لإيصال الكهرباء للمستهلكين

والمصانع ومضخات المياه في البساتين والحقول.

6 -إعادة بناء المدارس والمعاهد والجامعات التي طالها التدمير والخراب.

7 -إعادة تعبيد آلاف الكيلومترات من الطرق.

8 -مد شبكات الهاتف العادي، وتشييد مقاسم شبكات الهواتف المتنقلة.

9 -إعادة بناء وتعمير كافة الأبنية والمرافق الحكومية.

10 -بناء معامل تكرير النفط.

11 -استخراج البترول والغاز.

12 -استخراج الحديد والنحاس والذهب والمعادن المختلفة، حيث تعد

أفغانستان من أغنى دول العالم بهذه المعادن.

13 -بناء معامل قطاع الخدمات بكافة أصنافها وأنواعها وخاصة الخدمات

الغذائية والصحية والتعليمية وغيرها.

14 -إعادة تجهيز الإذاعة الأفغانية بأجهزة البث الحديثة، حيث إن الإذاعة

الأفغانية ضعيفة البث جدًا ولا تكاد تغطي مساحة بثها بعض أراضي الإمارة.

كما أن الوسائل الإعلامية الأخرى من صحافة وغيرها بحاجة إلى تحديث

ودعم.

نداء إلى المستثمرين العرب والمسلمين:

أيها المستثمرون العرب والمسلمون، ها قد بينا لكم احتياجات إعادة بناء إمارة

أفغانستان الإسلامية، فإن كان ركب الجهاد بالنفس قد فاتكم، فإن قطار الجهاد

بالمال واقف في محطته في انتظاركم.

إن فرص الاستثمار المربح جدًا في أفغانستان أبوابها مفتوحة على مصراعيها

ترحب بكم، ولكم في ذلك بإذن الله - تعالى - مصلحتان:

الأولى: عاجلة بما ستربحونه من أموال وفيرة وكثيرة.

الثانية: آجلة بما سيثيبكم الله - تعالى - على نية إعمار دولة إسلامية في

القرن الخامس عشر الهجري، الحادي والعشرين الميلادي.

وإننا نخشى إن تخلفتم عن هذا الواجب المؤكد أن يلحقكم إثم التخلي عن دعم

إقامة وتشييد صرح الإسلام في بلاد الأفغان، فلا يخفى عليكم أهمية أن تستظل

دولة هامة كأفغانستان بشريعة الإسلام، حيث إن ذلك ستنعكس آثاره إيجابيًا على

مجمل الدعوة الإسلامية في آسيا الوسطى، وليست هذه الدراسة المقتضبة محل

تفصيل ذلك. إننا نهيب بالأغنياء والمستثمرين والمؤسسات والشركات أن تتوجه

جموعهم لإعمار أفغانستان، وأن يستغلوا هذه الفرصة المربحة. وإننا لا نذيع سرًا

إذا قلنا إن الشركات الصينية واليابانية والألمانية بل والأمريكية أيضًا سبقتكم إلى

تلك الديار وشرعت في أخذ المشاريع المنوعة، وبينما التنافس بينها شديد، فإن

المستثمرين العرب والمسلمين لا يزالون يعيشون تحت وطأة المخدر الأمريكي

والأوروبي الذي يبث الدعاية في كل أنحاء العالم ضد أفغانستان ليستفردوا هم بها

وبمشاريع إعمارها، فقولوا لي بربكم: ما معنى أن تعلن الولايات المتحدة حصارها

لأفغانستان في الوقت الذي تسمح لشركاتها في الاستثمار في أفغانستان؟ ! !

أيها المستثمرون العرب والمسلمون: ماذا يصرفكم عن الاستثمار في

أفغانستان؟ !

إن مقومات الاستثمار هي:

-الأمن بمعناه الشامل.

-وجود المشاريع.

-وجود القوى العاملة.

-وجود أدوات البناء والإعمار.

-وجود البنوك وإمكانية التعامل بالعملة الصعبة.

إن جميع هذه المقومات متوافرة الآن في أفغانستان بضمانات كاملة وشاملة من

الحكومة الأفغانية، ولولا ذلك لما ذهبت الشركات الأجنبية إلى تلك البلاد

واستثمرت أموالها في إعمارها، وإن المناوشات الحدودية هي سمة كثير من البلدان،

فأوروبا أمنها مهدد انطلاقًا من البلقان، والشرق الأوسط أمنه مهدد انطلاقًا من

الدولة المسخ اليهودية، والخليج أمنه مهدد من حاكم بغداد، وباكستان أمنها مهدد

انطلاقًا من كشمير، وسيرلانكا أمنها مهدد انطلاقًا من التاميل، وإندونيسيا أمنها

مهدد انطلاقًا من تزعزع وضعها السياسي، وهكذا، ومع كل تلك التهديدات فلم يقل

أحد بعدم التعامل مع تلك البلدان بسبب عدم استتباب الأمن، إلا أفغانستان فإنهم

يصدون الناس عنها بهذه الحجة الواهية! !

وقد علمنا أنه قد تشكلت في العاصمة الأفغانية كابل ما أطلق عليها

«المجموعة الإسلامية لإعادة إعمار أفغانستان» حيث إن هذه المجموعة على

صلة مباشرة مع الحكومة الأفغانية، ومهمتها أن تأخذ على عاتقها تنفيذ

المشاريع الإعمارية في كافة الولايات الأفغانية، سواء بصفتها كمباشر في التنفيذ أو

كوسيط في ذلك بين المستثمرين والحكومة الأفغانية.

وقد نمى إلى علمنا أن هذه المجموعة تضم بين أعضائها كفاءات مهنية عالية،

وأنها مؤهلة أيضًا للقيام بالدراسات الميدانية وإعداد التقارير الفنية لأي مشروع

مهما كان نوعه أو حجمه.

إن المؤسسات النصرانية التبشيرية التي ذكرناها تضطلع حاليًا بالقيام بأدوار

هامة في خدمة الشعب الأفغاني مقابل استلابه دينه، وإنها لن تخرج من ذلك البلد

إلا إذا أديتم واجبكم، وقدمتم نفس تلك الخدمات أو أفضل منها لتسحبوا البساط من

تحت أقدامها، فتلملم أمتعتها وترحل إلى غير رجعة بإذن الله - تعالى -.

نداء إلى جمعيات ولجان الأعمال الخيرية والتطوعية:

إننا أيضًا نوجه نداءنا إلى جميعات ولجان العمل الخيري والتطوعي كي تقف

مع الطالبان في معركة البناء كما وقفت مع الأفغان في معركة الجهاد، وإن هذا

الوقوف مأجور عند الله - تعالى - محمود عند عباده الصالحين، إن اللجان الخيرية

تستطيع القيام بتمويل كثير من المشاريع التنموية والإعمارية في أفغانستان في كافة

المجالات، مثل:

* الزراعة وذلك بتمويل استصلاح الأراضي الزراعية.

* الري وذلك بتمويل مشاريع شق القنوات وإقامة السدود.

* الصناعة وذلك بتمويل إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وبناء مصانع

جديدة.

* الكهرباء وذلك بتمويل إعادة تشغيل بعض المحطات الكهربائية المتوقفة،

وبناء محطات جديدة ومد خطوط القدرة وشبكات التوزيع في مختلف المناطق

الأفغانية.

* الطرق وذلك بتمويل إعادة ترميم الطرق الرئيسة الموصلة إلى العاصمة

الأفغانية أو شبكة الطرق الرابطة بين مختلف الولايات.

* التعليم وذلك بتمويل إعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات.

* الإعلام وذلك بتمويل تجهيز الإذاعة بالأجهزة الحديثة التي تقوي بثها

وتنهض بمستواها.

فيا أيها القائمون على الجمعيات واللجان الخيرية في مختلف البلاد الإسلامية

هبوا إلى بناء وتشييد وتثبيت مقومات الدولة الإسلامية في بلاد الأفغان، فإن تلك

البلاد ستكون منطلقًا إسلاميًا عظيمًا تمتد أشعته لتضيئ كثيرًا من بلاد المسلمين

والعالم بإذن الله - تعالى -.

نداء إلى العلماء وطلبة العلم والدعاة:

إلى الآن قد لاحظنا:

1 -أن الطالبان تركت منفردة لتواجه دول الكفر والاستكبار.

2 -أن الطالبان تركها معظم المسلمين لتواجه مواقف دولية متعنتة وظالمة

ومتجبرة.

3 -أن الطالبان لم تعترف معظم الحكومات الإسلامية بها رغم أنها هي

الحاكمة في إمارة أفغانستان الإسلامية، وأنها مكتملة الأوضاع الدستورية.

4 -أن الطالبان لم يتحرك أحد من المسلمين لمساعدتها في إعادة تأهيل

الشعب الأفغاني دعويًا.

فأين أنتم يا علماءنا الأجلاء وطلبة العلم النبلاء والدعاة النقباء! !

لسنا نحن من نشير عليكم بما ينبغي أن تقوموا به، فأنتم أهل للاضطلاع

بمسؤولياتكم الشرعية وأداء الأمانة التي قلدها الله - تعالى - رقاب حاملي راية

دعوته والمنافحين عن شريعته ومنهاجه.

غير أننا نود أن نبسط بين أيديكم ما هو عصف ذهني لعله يتفتح عن بعض

الاقتراحات التي نجد أنها جد هامة، أسوقها لكم على النسق التالي:

1 -القيام بزيارات ميدانية متتابعة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، والاطلاع

عن كثب على أوضاعها واحتياجاتها في كافة المرافق، وخاصة التعليم الديني،

مدارسه ومعاهده ومناهجه.

2 -البقاء في أفغانستان لفترات طويلة، سنة أو أكثر، بغية القيام

بالمسؤوليات الدعوية لنشر العقيدة الصحيحة في الربوع الأفغانية ولإبطال البدع،

وبث العلم الشرعي.

ويمكن أن يتم ذلك من خلال التنسيق مع منظمة الوفاء الخيرية العاملة الآن

داخل الأراضي الأفغانية.

3 -توجيه الكتب والرسائل إلى كافة المهتمين في العالم الإسلامي

والتي توضح الضرورة الشرعية لدعم حكومة الطالبان القائمة على تطبيق

الشريعة الإسلامية، والوقوف معها وتأييدها ومناصرتها في كافة المحافل الإقليمية

والدولية.

4 -دعم مجلس شورى العلماء ومجالس الشورى المحلية؛ وذلك بزيادة

أعضاء تلك المجالس من خلال انضمام بعض العلماء العرب إليهم؛ وبغية المشاركة

والمساهمة في ضبط توجيه بوصلة قرارات مجالس الشورى ليكون مؤشرها منطبقًا

على خط مسار ومنحى الصواب المنضبط بالقواعد الشرعية.

5 -كما نتمنى على العلماء وطلبة العلم والدعاة أن تكون لهم صلات مباشرة

مع أمير طالبان الملا محمد عمر، والوزراء، وعلماء أفغانستان، من خلال

الرسائل المتبادلة للاستفادة والتوجيه والنصح.

6 -إن الطالبان لها اهتمامات قوية جدًا بعموم مجريات الأحداث في

العالم الإسلامي، وخاصة انتفاضة الأقصى، غير أن العالم لا يسمع شيئًا عن

تلك الاهتمامات وذلك بسبب الصدوع الكثيرة في القدرات الإعلامية لدى

الطالبان والضعف الواضح في إمكاناتها، وهنا يبرز دور العلماء وطلبة العلم

والدعاة في رأب تلك الصدوع، وجبر ذلك الضعف من خلال إيضاح المواقف

الطالبانية إزاء تلك القضايا عبر المنابر الإعلامية المتوفرة في دولهم.

وبعد: فلقد قمنا بجولة ميدانية منوعة عبر الشؤون والشجون الطالبانية،

سائلين المولى القدير العلي الكريم أن يبارك بهذه الجولة ويجعلها سببًا من أسباب

ازدهار دولة الإسلام الطالبانية على الربوع الأفغانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت