البيان الأدبي
دور المرأة في القصة والرواية
د. عبد الله الخلف
ما الدور الذي يمكن أن تمثله المرأة في القصة القصيرة أو الرواية؟ وهل من
الضروري أن يسند إليها دور معين فيها؟
إن القصة قصيرة كانت أو طويلة لا بد أن ترتبط بواقع الحياة بصورة ما،
والمرأة تمثل دورًا هامًا وأساسيًا في حياة البشر، لذلك كان من الطبيعي أن يكون
لها مكانها الذي تمثله في هذا العمل الأدبي.
وإذا نظرنا في قصص القرآن الكريم فسوف نجد من بين شخصياتها عددًا من
الشخصيات النسائية. فأم موسى قامت بدور الأم المؤمنة المستسلمة لقضاء ربها.
ومثلت امرأة فرعون دور المؤمنة الصابرة على الأذى في سبيل الله. ومثلت امرأة
العزيز دور المرأة الفتنة التي يمكن أن يتعرض المؤمن للامتحان بها. ومثلت حواء
بالمشاركة مع آدم -عليها السلام- دور الإنسان عندما يتعرض للابتلاء ولإغواء
الشيطان فينهزم أمامه، ثم يدرك أنه لا ملجأ من الله إلا إليه فيعود إليه تائبًا منيبًا.
وقد ورد ذكر نساء أخريات أو تمت الإشارة إليهن في بعض قصص القرآن.
وهكذا نجد أن المرأة كانت حاضرة في ذلك القصص، وهو أمر يدل على أن
لها مكانها ودورها الهام الذي يمكن أن تقوم به في القصة.
وإذا ما نظرنا إلى الأعمال الروائية في العصر الحديث فسنجد أن المرأة
دخلتها من أوسع أبوابها، واحتلت مكانًا بارزًا فيها، غير أن الكثير من كتاب
الرواية قد أدخلوا المرأة في أعمالهم لا بوصفها عنصرًا فنيًا تقتضيه الضرورة الفنية
للعمل الأدبي، بل بوصفها عنصرًا يساعد على جذب القارئ وشد انتباهه لمتابعة
الأحداث، أو لإغرائه باقتناء الرواية وقراءتها، وكأنهم يلتقون في ذلك مع شركات
الدعاية والإعلان، التي تظهر المرأة في إعلاناتها، ولو لم يكن لها أي صلة بالمادة
المعلن عنها، مستغلة إياها في جذب المشاهد ومداعبة غرائزه. لذلك نجد الدور
البارز الذي لعبته المرأة في تلك الروايات يدور حول العلاقات الغرامية أو الجنسية
المثيرة.
وإذا كان هناك عدد كبير جدًا من كتاب الرواية قد أسندوا إلى المرأة مثل هذه
الأدوار، فإن منطلقاتهم لم تكن دائمًا واحدة. فمنهم من كان قصده إشاعة الفساد
والانحلال من غير أن ينظر إلى مدى أهمية ما قام به من الناحية الفنية.
ومنهم من هو متأثر بالآراء والنظريات والدراسات النفسية الحديثة ولا سيما
نظريات فرويد التي تعطي الجنس الأهمية الكبرى في حياة البشر، وترى أنه
المؤثر الأعظم في سلوكهم.
ومنهم من يشعر بضعف القيمة الفنية لعمله، ويدرك أنه لا يستطيع اجتذاب
القراء، فيجعل في تناوله لهذا الجانب وسيلة لاجتذابهم وشركًا يصطادهم به.
ونتيجة لشيوع إسناد مثل هذه الأدوار إلى المرأة في القصة الحديثة ظن
البعض أن ذلك مقوم من مقوماتها وعامل فعال من عوامل نجاحها، وشرط أساسي
لبلوغها المستوى المطلوب. وظنوا أنه لا غنى للكاتب ولا مفر له من أن يضمن
قصصه شيئًا من ذلك، وإلا فقد عمله قدرًا كبيرًا من قيمته وجاذبيته.
ويبدو أن هذا الظن تسرب إلى بعض كتاب القصة من ذوي الاتجاه الإسلامي، فأسندوا إلى المرأة أدوارا غرامية، وأصبح الهيكل العام لبعض رواياتهم قائمًا
على أساس وجود هذه العلاقة بين بطل القصة وبطلتها، دون أن يكون لهذا مغزى
جوهري أو قيمة فنية، نجد مثل ذلك عند نجيب الكيلاني، وعلي أحمد باكثير.
وإذا كان هذا الأسلوب قد أدى إلى جذب بعض القراء فإنه أدى أيضًا إلى نفور
طائفة أخرى. وهو أسلوب لا يخلو من آثار سلبية ونتائج عكسية.
أما الظن بأن إسناد مثل هذه الأدوار إلى المرأة تقتضيه الضرورة الفنية فإنه
ظنٌ بعيد عن الصواب، وهناك من الروايات ما نال الإعجاب الكبير، ونال به
صاحبه شهرة واسعة على الرغم من خلوه من النموذج النسائي. فرواية الشيخ
والبحر للأديب الأمريكي أرنست همنجواي من أشهر الروايات، وترجمت إلى كثير
من اللغات، ونال عليها صاحبها جائزة نوبل للآداب مع أنه ليس من بين
شخصياتها أي شخصية نسائية. وهي رواية تبرز قيمة العمل والكفاح والمثابرة
والاعتماد على الذات.
ومن الروايات المشهورة رواية الطاعون للأديب الفرنسي ألبير كامو الحائز
على جائزة نوبل، وهي أيضًا تخلو من الحديث عن الحب والغرام وأبرز
الشخصيات النسائية فيها لعبت دور الأم.
لذلك يمكننا القول بأن القيمة الفنية للعمل الأدبي لا تتوقف على نوع الأحداث
أو الشخصيات، إذ أن الكاتب القدير يستطيع أن يحول أحداثًا بسيطة وشخصيات
مألوفة إلى عمل فني جميل قادر على أن يحوز على إعجاب النقاد، ويترك أعمق
الأثر في نفوس قرائه.