مقال
عبد العزيز كامل
من تناقضاتنا التي نعيشها اليوم نحن المسلمين أننا أصبحنا من حين لآخر
نفاجأ بمقولات أو آراء، أو مواقف تهجم علينا كالصاعقة أو الصدمة المذهلة
المحيّرة، التي تحتاج لمجرد الإفاقة من وقعها وقتًا للعودة إلى التوازن، وما ذلك إلا
لأنها تضرب فينا عصبًا مكشوفًا، أو وترًا حساسًا، أو شعورًا مستقرًا.
إنها كالماء الشديد البرودة الذي ينهمر على جسدك في زمهرير الشتاء، إذا
فتحت خطأ صنبور الماء البارد بعد أن استكان الجسم واستروح لذة الدفء.
لسنا نقصد هنا صدمات ومفاجآت المتلونين من العلمانيين على اختلاف
توجهاتهم وتقلباتهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فهؤلاء لا يستغرب منهم
ذلك، لأنهم لا ثوابت لديهم! ، ولا أصول ولا عقائد مستقرة لهم، وإنما همنا
وحديثنا عن تلك الظاهرة الطارئة الدخيلة علينا نحن الإسلاميين، التي سببتها كثرة
التناقضات الفكرية، والمشاحنات الحزبية، وكذلك ما انبنى عليها من آراء
استفزازية وردود كيدية، وأيضًا ما كثر أخيرًا من الآراء السياسية، انتهازية كانت
أو اضطرارية أو إرضائية.
لن نقف طويلًا للإسهاب في استعراض بعض هذه الصدمات والصعقات
والكدمات، ولكن تكفينا إطلالة سريعة على العديد من قضايانا الأساسية والمحورية
لنتفقد ما أصاب ثوابتها من دخن، وما اعتراها من دخل، اهتزت له قناعات،
وخفقت وخمدت بسببه أصوات وحركات.
* خذ مثلًا: قضية الصراع مع العدو اليهودي، أو ما أطلق عليه إعلاميًا:
(الصراع العربي الإسرائيلي) ، تلك القضية التي لن نلوم على التفريط فيها
عصابات العلمانيين بعد أن رفعوها ثم أنزلوها ثم دفنوها، لن نلومهم لأنهم ليسوا لها
ولا أهلها، إنما نتحير من ذلك التغير الذي بدأ يعتري ثوابتها لدينا نحن الإسلاميين!، كم هي الثوابت التي كانت حتى عهد قريب مستقرة لدينا، مستعصية على أي
محاولة للالتفاف أو الالتفات أو التزييف، استعرض بذاكرتك هذه الثوابت فهي
معروفة وتأمل فيما طرأ عليها وهو معروف أيضًا فستجد أن كل قائم ثابت من تلك
الثوابت قد أصيب بسهم غرر من إحدى كناناتنا، أو بصاروخ من إحدى قواعدنا.
أين نحن الآن من وضع اليهود على رأس قائمة الأعداء، واعتبارهم أهل
حرب دائمة وشاملة، وتحريم السلام الدائم الشامل معهم، وعدم إقرارهم على أي
جزء من أرض المسلمين، ووجوب نصرة المجاهدين الفلسطينيين ضدهم، وتحريم
الهجرة الجماعية لإخلاء الأرض أمامهم، أين نحن من تحريم وتجريم الاعتراف
بدولتهم وتخوين الاتصال بقادتهم.. دقق النظر في كل تلك الثوابت، تجد أنها كلها
أو جلها قد قيل فيها قولان! ! ، أو انتطح فيها عنزان، أو اختلف فيها نظران.
* وإذا أردت مثالًا آخر لقضية ما كان لنا أن نُخضع ثوابتها لرياح الاختلاف؛ فأمامك قضية تحكيم الشريعة في حياة المسلمين، والموقف من المناوئين لها،
المحاربين لأهلها، والمصرين على الحكم بغيرها.. انظر كيف تطرق الاختلاف
إلى ثوابت كثيرة فيها ابتداء من اعتبارها قضية من قضايا الأصول المرتبطة
بالاعتقاد، ومرورًا بضرورة جمع الجهود والقلوب حولها ومعاداة من يجاهر بحربها، بقوله أو فعله.
أليس من العجيب والغريب أن تصدر العديد من الإصدارات لتقرير شرعية
الأنظمة المبدلة للشريعة.
ماذا بقي من الثوابت لدينا في هذه القضية، بعد أن أصبح منا من يردد
دعاوى الإرجاف الإعلامي العلماني، ولا يتورع عن ترديد الأوصاف التي ابتكرها
لازدراء العاملين لنصرة دين الله من قبيل: (التعصب التطرف الارهاب التشدد) ؟!.
* سأعطيك مثالًا ثالثًا: كان من الثوابت حتى عهد قريب، ما يشبه الإجماع
بين فصائل الإسلاميين على أن نصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان
واجب بالنفس والمال، وأن تبني قضاياهم ومراقبتها وطرحها وكسب الأنصار لها
من أعظم واجبات الدين وأوثق عرى الإيمان.
انظر الآن، كيف أصبح هذا في نظر بعضهم، نوعًا من الاشتغال المحرم
بالسياسة، وضربًا من ضروب إلهاء الأمة، ولونًا من ألوان تدخل المرء فيما لا
يعنيه، والكلام عما يؤذيه، أو هو شكل من أشكال الشغب على الحكومات والهيئات
والمنظمات..!
بل أصبح من بعضهم من يصف كل جهاد مشروع للذود عن النفس والدين
والعرض، بأنه افتتاح للمزيد من المحارق، افتعالًا للمعارك، وإشعالًا للمهالك! !
سبحان الله! هل غدا الجهاد فريضة منسوخة أو منسوءة في كل البقاع، أو
سقطت فريضته مع سقوط الخلافة، فلا يقوم إلا معها؟ !
إنك إن أردت أن تعدد معي قضايا أخر كثيرة تعرضَتْ لمثل ما تعرضت له
أخواتها تلك لما عدمت الحيلة، ولا أعوزتك الوسيلة ... ويكفيك استعراض العناوين
الكبيرة لقضايانا مثل:(الولاء والبراء، وفرضية اجتماع المسلمين، والسعي لإعادة
كيانهم، وفرضية العمل لذلك فرديًا، ومشروعيته جماعيًا، وضرورة إنكار المنكر، والصدع بكلمة الحق ... إلخ).
يكفيك استعراض تلك العناوين وغيرها، وتأمل ما شاب ثوابتها من اهتزاز،
لتشعر بحجم المشكلة وخطورة المسألة.
إنه لابد لنا من حماية ثوابتنا، والتنادي لإحكام السياج الواقي حولها حتى لا
نتيه مع الاختلافات أو نضيع في مفترق التناقضات، ولا مفر أمام العاملين في
الساحة الإسلامية من ضرورة وضع الأطر العامة في برامجهم التربوية لضمان الحد
الأدنى من الاتفاق عليها وتأمينها من عوادي التغيير والتحوير والتأويل.. ولعله
يتسنى في عدد قادم استعراض بعض الوسائل المعينة على ذلك (إن شاء الله) .