أحمد بن عبد الرحمن الصويان
نقائص العمل الإسلامي كثيرة، ومعايب الدعاة وقصورهم كثير كذلك، وليس من الشرع ولا من العقل أن نتعامى عن تلك النقائص والمعايب، بل يجب أن نملك الجرأة في تصحيح الواقع الدعوي، وتسديد رجاله وحَمَلَته، مع الورع والتجرد الذي يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، والذي يضع الأخطاء في حجمها الصحيح دون تهويل أو تهوين.
لكن التسديد والتصحيح مسؤولية من..؟!
الذي أحسبه أنه مسؤولية الجميع سواء كانوا في الساقة أو في الحراسة؛ فالعمل الدعوي ليس من أجل أحد من البشر، بل هو قُربة يتقرب بها الدعاة إلى الله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له، لا يرجون فيه حمدًا أو شكرًا من أحد كائنًا من كان؛ ولهذا تراهم حريصين على رعايته وتسديده قدر طاقتهم.
نعم! أعلم أنَّ كثيرًا من الدعاة ـ بسبب الخلل التربوي ـ قد يضيق بالنقد صدرًا، ويُصنِّف الناقدَ تصنيفًا منفِّرًا، وكثيرًا ما يجد الناقد المخلص صعوبة في التصحيح والترشيد، خاصة للممارسات التي ورثها الدعاة من بعضهم، وتجذرت في صفوفهم؛ لكن إذا لم نصبر على إخواننا ونقدِّر اجتهاداتهم فعلى من نصبر..؟!
ولست في هذه المقالة بصدد الحديث عن وسائل التصحيح والنقد، ولكن أشير إلى أن بعض الناقدين أو بعض (المتساقطين!) على جنبات الطريق، قد يتكلف النقد ليسوِّغ عجزه وقصوره، أو إعراضه وإدباره عن إخوانه، وهذه آفة من مداخل الشيطان خفية، تجره للتشكي والتذمّر المستمرين، والمبالغة في النقد الجارح وجلد الذات، حتى يصبح ذلك ملازمًا له لا يقوى على فراقه، متناسيًا قول الله ـ تعالى ـ: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] ، ثم يبدأ بالتفلت من المسؤوليات والتهرب من الواجبات تدريجيًا، ثم ينغمس بعد ذلك بأعماله الدنيوية الخاصة وارتباطاته الأسرية والاجتماعية التي قد تنسيه تطلعاته الدعوية السابقة.
ولو أنه حين رأى قصور إخوانه حرص على الإصلاح والتصحيح بإشفاق ورحمة ونَفَس طويل، وأخذ يدفع بالتي هي أحسن؛ لنفع الله به كثيرًا، لكنه أغار عليهم بالتقريع، وصال عليهم صولة المحاربين.
ولو أنه حين هجر إخوانه أو تشاغل عنهم قدَّم لنفسه ولأمته بديلًا نافعًاَ يتزود به في عاجل أمره وآجله لكان الأمر هينًا؛ فأبواب الدعوة مشرَعة لكل محتسب جاد، والعبد الصالح مبارك أينما كان، وقد يُفتَحُ له في أبواب من البِر ما لا يُفتح له في أبواب أخرى. لكن ألا ترون معي أن سوادًا كبيرًا من أولئك الإخوة يحكي واقعُه غيرَ ذلك؟!
يؤلمني ـ والله ـ أشد الألم عندما أرى أحد الصالحين ممن كان ذات يوم من روّاد الدعوة، المتحمسين للبناء والتربية، الذين يسابقون إخوانهم على مقدمة الصفوف عطاء وبذلًا وعملًا، ثم أراه بعد ذلك وقد طارت به الدنيا بهمومها واشتغل بأمور أخرى. نعم! ربما بقي على صلاحه ـ والحمد لله ـ لكن أين هي همومه الدعوية؟! وأين همته وحيوته التي عهدناها منه؟! وأين مسؤولياته التي هجرها وأعرض عنها؟!
وربما يأتيك الجواب من بعضهم بالهجوم على إخوانه وتوبيخهم، وقد يكون بعض نقده صحيحًا، لكن هل الحل هو الإعراض والهجران؟! وإذا لم ُتجْدِ النصيحة؛ فهل الحل هو الانكفاء على الذات وترك العمل الدعوي بالكلية؟!
جميل أن يعمل الدعاة في مناخات تربوية خالية تمامًا من القصور، لكن هل هذا ممكن في الواقع؟ ولِمَ لا نسدد ونقارب قدر الإمكان، وننظر إلى الخير الغالب؟ وبالتأكيد لا أطالب هنا بترك النقد والتواصي بالحق، لكن لا أرتضي تضخيم المشكلات، ولا أرتضي لغة التقريع والتوبيخ باعتبارها اللغة الوحيدة في التعامل مع مشكلاتنا.