قصة قصيرة
سليمان بن ناصر السعوي
يوم أن غادر قريته متوجهًا إلى تلك المدينة الساحلية كي يقضي شهر العسل؛
هنالك.. لم يتمالك نفسه.. ذرفت عيناه الدموع.. حمد الله وأثنى عليه، فلولاه لم
يصل إلى هذه المرحلة.. عاد أدراجه.. حين كان صبيًا يلعب مع أولاد القرية في
أزقتها المتهالكة.. يدلفون من ممرٍ إلى آخر.. يتقاذفون قطعة من القماش على شكل
كرة.. يمر عليهم شهر وشهران لا يرون فيها ريالًا واحدًا..
انتقلت به الذاكرة إلى الأمام قليلًا، حينما دخل المدرسة، وكان فتىً ذكيًا يُثني
عليه أساتذته.. يشكرون له اجتهاده وحرصه.. حتى إنهم يحزنون لغيابه.. شعلة
من النشاط.. يتقافز خفةً ومرحًا..
خنقته العَبْرة.. أحست به زوجته، استنطقته.. صمت قليلًا، ثم قال:
أجدني منساقًا للحديث عما دار في ذاكرتي، ولم لا وأنتِ الشخص الأول في حياتي!
سأخبركِ بكل شيء، وعن كل شيء، وبالتفصيل الممل.. وبدأ يسرد حياته من
ألفها إلى يائها..
على شاطئ هذه المدينة الساحلية اختارا مكانًا هادئًا، بعيدًا عن المارة..
وبينما هما يرتبان المكان داعبته قائلة: كم كنت شقيًا في طفولتك!! ضحك، ثم
أردف: شقاوتي لم تكن بدعًا من الأمر، لكني أحمد الله أن صرت إلى ما صرت؛
زوجة صالحة.. وظيفة جيدة.. مركب وثير.. كلها تستحق الثناء لله.
بعد بضعة أيام.. وفي طريق العودة رسما معًا خطة المستقبل.. الترتيبات
المهمة للحياة الجديدة التي دخلاها.. كل شيء على ما يرام.. السكن.. الأولاد..
الأمور كلها تسير بالشكل الصحيح..
حين وصل إلى قريته ليلًا ما كان لينتظر حتى يسلّم على أبيه وأمّه.. أشارت
عليه زوجته أن ينتظر حتى الصباح، فربما يسبب لهما إزعاجًا.. راقت له الفكرة
على أن يُصبّح فيهما.. لذا قررا المبيت في سكنهما الخاص هذه الليلة..
صوت منبه الساعة يقرقع آذانهما.. صحت قبله.. أيقظته.. لا حراك..
هزته برجلها.. جثة هامدة.. صرخت.. ولولت:
-أيها الناس! أيها الجيران!
«لقد مات» .. هكذا سمعَتْهم يتهامسون بها.. تصدق.. جُنّ جنونها.. لقد
كان معي البارحة.. كنا في رحلة ماتعة.. أخبرني عن مشاريعه المستقبلية..
خطَّطنا للسكن.. للأولاد.. كل شيء تطرقنا له.. أدق تفاصيل حياتي عنده..
أصحيح أنها ستدفن معه؟! أليس لي أن أراه مرة أخرى؟!
نزعت ثياب زواجها، وراحت إلى بيت أهلها كي تقضي أربعة أشهر وعشرًا.