فهرس الكتاب

الصفحة 4843 من 5925

ملفات

الحرب على الحجاب مدخل للتغريب

أحمد بن عبد الرحمن الصويان

تضطرب البيئة المعاصرة بطوفان متعدد الأطياف من التيارات الفكرية، وهذا

الاضطراب ناتج في كثير من الأحيان عن صراع فكري واجتماعي متعدد الجبهات

في البلاد الغربية، تمتد انعكاساته في البيئة العربية والإسلامية، فترى ألوانًا من

التخبط والخلط الفكري الذي بلغ مداه في العقد الأخير.

ومع كثرة الهزائم والنكسات السياسية والحضارية التي تشهدها البلاد الإسلامية

ازداد التخبط والاضطراب، وتكاثر المتهوكون في أودية الباطل.. أولئك

المنهزمون الذين لم يجدوا سبيلًا لرفع رؤوسهم إلا بالتقليد المطلق لكل ما غربي؛

فهو المحور الذي يدورون في رحاه، واستعلوا بانهزاميتهم، وتطاولوا بسقوطهم،

وعدُّوا ذلك بابًا من أبواب التزيّن يتبخترون به على غيرهم..!

قال الله تعالى:[وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ

فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ

كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا

فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (الأعراف: 175-176) .

إننا نرى آثار هذه الانهزامية هشيمًا يسري في أغلوطات فكرية وإعلامية

مستمرة، ويتطاير شررها في الحاضر والبادي، وضجت الصحافة العلمانية

والقنوات الفضائية بثرثرة مملَّة، فيها كل شيء ما عدا الكلام العلمي الذي يبني

العقل ويربي الخلق..!

من آخر الأمثلة الصارخة على ذلك: موقف هؤلاء المنهزمين إزاء القانون

الفرنسي الفج من الحجاب الإسلامي؛ حيث تسابقوا على تسويقه والتماس المعاذير

له بتملق وتكلف لا يخفى، وأسرف بعضهم في الهجوم على الحجاب والقيم

الإسلامية، ونعى على المسلمين بسخرية وشماتة تخلفهم ومتاجرتهم بـ(فقه

الآخرة!)، وبتعلقهم بتلك التوافه الشكلية التي تقيد الحركة وتنتهك الحقوق، في

الوقت الذي تقدمت فيه المرأة الفرنسية، وبلغت قمة السمو الحضاري بزعمه، بل

إن بعضهم راح يؤكد بكل أنواع التأكيد سلامة النهج العلماني، وأنَّه هو الخيار

الأمثل أو هو الوحيد الذي سوف يضع أمتنا في مدارج التحضر والتقدم الإنساني..!

وصدق المولى جل وعلا:[فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي

الصُّدُورِ] (الحج: 46) .

والطريف في الأمر أن وزير الخارجية الفرنسي قام بزيارة إلى دول الخليج

وبعض البلاد العربية لشرح موقف بلاده، ونسي أن بعض هؤلاء المتساقطين من

بني جلدتنا ربما كانوا أكثر حماسًا وتشنجًا في الدفاع عن كل ما هو غربي، وتزيينه

بكل أنواع الزينة المصطنعة، إنها بكل وضوح عقدة الانكسار والهزيمة التي تطغى

على العقل، وتجعله كالإمَّعة الوضيع، وتحوطه بالمهانة والصغار، وصدق المولى

جل وعلا: [وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ] (الأعراف: 202) .

ولهذا ليس عجيبًا أننا بدأنا نقرأ ونسمع في بلادنا العربية من أثنى على فتوى

شيخ الأزهر، وطار بها فرحًا، بل والأخطر من ذلك من يريد تعميم هذه الفتوى

على الواقع الإسلامي لتشابه الظروف والدواعي التي من أجلها صدرت الفتوى.

وكل ذلك ليس حبًا في الأزهر أو انتظارًا لرأيه، ولكن لأنها وافقت هوى استقر في

نفوسهم..!!

إنَّ المأزق الذي يتساقط فيه هؤلاء يومًا بعد يوم أنهم لا يملكون مشروعًا

حضاريًا جادًا لنهضة الأمة كما يزعمون، وإنما غاية ما يملكونه أنهم يريدون أن

يزجوا بالأمة في المستنقع الغربي الآسن، ليكون أبناؤها عبيدًا يتمرغون تحت

أعتابهم، ويجترون بكل بلاهة قيمهم المادية والاجتماعية، حلوها ومرها، خيرها

وشرها، كما قال أحد أشياخهم منذ زمن ليس بالبعيد!

وحسبك أن تقرأ أطروحات ما يسمى بالاتجاه الليبرالي في منطقة الخليج

بخصوص قضية المرأة مثلًا؛ فالحجاب الشرعي هو الحائل بزعمهم عن تسريع

عجلة التنمية والنمو الاقتصادي، ومنع الاختلاط عندهم رمز من رموز البدائية

والتخلف، جعل الأمة العربية في حضيض المجتمعات الإنسانية المعاصرة.

والانتصار الكبير الذي ينتفشون به ويصفقون له عندما تتجرأ إحداهن بنزع حجابها

متجاوزة حدود الشرع وقيم الأمة، وفي كل بلد تتكرر مسرحية سعد زغلول،

وهدى شعراوي..! والعجيب أنهم يريدون أن يقنعونا بأن التحديث والتطوير الذي

يتطلع إليه جميع الناس قرين التغريب الثقافي والاجتماعي..!

إن النازلة القادمة التي تجددت الدعوة إليها بعد مبادرة(الشراكة الأمريكية

الشرق أوسطية)التي أعلنها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي هي: قضية

المرأة وتغيير القيم الاجتماعية للأسرة التي قررها الشرع المطهر. وأحسب أن

المسألة ليست مجرد معركة حجاب عابرة، أو دعوة للاختلاط بين الرجال والنساء

فحسب، بل هي مقدمات حثيثة لإعادة صياغة جميع القيم الاجتماعية صياغة جديدة،

تُمسخ فيها الهوية الإسلامية، وتنتزع فيها الكرامة الإنسانية، وتصبح فيها المرأة

المسلمة مجرد ألعوبة تافهة، ودمية هزيلة، يعبث بها رؤوس الفساد، ودعاة المنكر.

لست قلقًا من هؤلاء الصغار؛ لأن هذه المواقف المكشوفة تفضحهم عند

الخاصة والعامة، وتميط اللثام عن انتكاسهم الفاضح، وتبرز بجلاء حقيقة شعاراتهم

المتناقضة التي يتشدقون بها بكل صفاقة ومهانة. قال الله تعالى:[وَلَوْ نَشَاءُ

لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ](محمد:

نعم.. لست قلقًا من هؤلاء إذا ما وعى الدعاة والمصلحون طبيعة المعركة،

وأدركوا أن الحق يُصرَع إذا أُخِذَ بتهاون وتثاقل.

ولكن ثمة حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن العلماء والدعاة قصروا تقصيرًا

بينًا في الدعوة في أوساط النساء، وكان الخطاب الدعوي في مجمله خطابًا رتيبًا

مكررًا يفتقد للجاذبية والتجديد والإبداع، في الوقت الذي تصدَّر فيه المفسدون

للتغريب ونشر الرذائل والعبث بالقيم، وفتنوا الناس في أخلاقهم وأعراضهم.

هذه حقيقة مهمة يجب أن نعيها؛ لأن ذلك سيقودنا بعون الله تعالى إلى إعداد

رؤية شاملة للدعوة في الوسط النسائي، وتقديم البدائل العملية الجادة التي تحفظ

للأمة كرامتها وعفتها.

وها هنا وقفة مهمة مع الأخوات الداعيات لتذكيرهن بواجبهن الشرعي في أخذ

زمام المبادرة، والإقبال على الدعوة والتربية، والحرص على سعة الأفق، والبدء

بالأولويات.

إن للمرأة الداعية طاقات كبيرة ومجالات عديدة لا يملكها الرجال، وتستطيع

بإذن الله تعالى إن هي أقبلت على الدعوة وجدَّت في العمل أن تنجز إنجازات كبيرة،

وتذبّ عن الأمة شرورًا كثيرة.

ولئن كنا قد قصرنا في وقت مضى، فلا عذر لنا فيما يأتي. وردود الأفعال

الآنية مهمة ولا بد منها، لكن لا يجوز أن نبقى هكذا عاجزين متواكلين، بل يجب

أن نبادر بأطروحات مستبصرة، نستشرف فيها أبعاد المرحلة وتبعاتها. قال الله

تعالى:[فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ

يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: 17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت