د. يوسف بن صالح الصغير
لقد عاش العالم في السنوات الأخيرة مرحلة دبلوماسية الملفات المتتابعة، وتتلخص في فتح ملف بلدٍ ما عن طريق تصريح مسؤول أو مقالة صحفية مقربة من دوائر صنع القرار، أو محاضرة في إحدى الدوائر الرسمية، ثم يُسَكت عنها حتى يخال المرء أن القضية انتهت، وينشغل العالم بملف جديد ومن بعده آخر. وبدون مقدمات يعود الملف الأول إلى واجهة الأحداث لفترة من الزمن، ومن ثَمَّ يوضع على الرف مرة أخرى بعد أن يصل الملف إلى نقطة جديدة تصلح أن يبدأ منها، أو إلى طريق مسدود ينبغي أن يتم التراجع عنه. إنها سياسة الخطوة خطوة مع تعدد الملفات وهو ما يمكِّن صناع السياسة في الغرب من التعامل مع ملفات شائكة كثيرة بصورة متوازية، وكل ملف يتقدم فيه العمل ينتقل إلى مرحلة جديدة. فمثلًا يبدأ الملف دعائيًا، ثم دبلماسيًا، وينتهي غالبًا عسكريًا.
وعلى هذا يُفْهَم الملف العراقي بعد حرب الكويت الذي تعدى مرحلة الحسم العسكري الفاشل إلى مرحلة الخروج المشرف، والملف الكوري الذي يعيش حاليًا مرحلة سُبات، والملف السوري الذي شهد تسخينًا شديدًا تُوِّج بتهديدات وإملاءات وصلت إلى حد طلب التحقيق مع رأس النظام والتلويح بتوظيف تمرد نائب الرئيس عبد الحليم خدام على النظام. ويعيش الملف السوري حاليًا مرحلة التقاط أنفاس وترتيب الأوراق من جديد؛ فنائب الرئيس الأمريكي يقابل سعد الحريري وآلاف المتظاهرين ضد التدخل الأمريكي في لبنإن في محيط السفارة الأمريكية في بيروت؛ وذلك استعدادًا لجولة جديدة بعد الجولة الحالية في تسخين الملف الإيرإني الذي وصل إلى مرحلة متقدمة دفع رئيس الوزراء الإيرإني إلى محاولة فتح جبهة تنفيس جديدة بالكلام عن أسطورة إبادة اليهود في أوروبا وأن الأوربيين إذا ارادوا الاعتذار الجاد لليهود فليقيموا لهم كيانًا في النمسا أو ألمانيا وليس في فلسطين، وأن من استخدم الأسلحة النووية ضد الأبرياء في العراق هم الذين يستحقون العقاب.
إنها محاولات متأخرة؛ فقد شاركت إيران في تسهيل مهمة الغرب في السيطرة على افغانستان والعراق على امل سيطرة الشيعة الموالين لها على العراق، وتجاوز أتباعها الحد في اضطهاد السنة تحت الراية الأمريكية، وهي الآن تواجه مأزقًا استراتيجيًا حيث أصبح التورط الأمريكي في العراق والإحساس المتزايد لدى الأمريكإن بأن سياستهم السابقة بمحاربة السنة بالشيعة تخدم مصالح إيران بقدر ما تضر بمصالحهم في المحيط السني دافعًا لأمريكا للضغط على إيران من أجل تقزيمها بل وتفكيكها، ولا يستبعد أن تثور قضية تهميش السنة في إيران، وبدلًا من تقسيم العراق يتم تقسيم كلٍ من إيران والعراق، وتدخل المنطقة في مرحلة اضطراب طويلة قد يمتد لهيبها إلى كل دولة في المحيط يوجد فيها تنوع طائفي. والذي أريد إن أصل إليه أن كل دولة فُتِحَ لها ملف فهو مؤجل حتى الفراغ من بقية الملفات، وليتذكر الجميع أن كل من يعين أمريكا على إغلاق ملف فهو يقرب من أوان فتح ملفه الخاص.
(*) أستاذ مساعد في كلية الهندسة، جامعة الملك سعود، الرياض.