البيان الأدبي
قصة قصيرة ... قارب النجاة
إسلام دعدوشة
خرج من الفندق الضخم الذي غالبًا ما ينزل فيه مدة إجازته رغم أن لديه شقة
في القرية. لقد قرر أن يُجشِّم نفسه مشقة السفر إلى قريته بين حين وآخر ليزور
بعض الأهل، ويتفقد أحوال صديق صباه وشبابه؛ فمنذ أن بدأت رحلة الغربة لم
يزر القرية التي ترتمي في أحضان الحقول الخضراء، ولم يملأ رئتيه من أريج
أشجار التفاح.
الطريق موحش ومترب، غاصتْ قدماه في طريقها المترب الطويل. وطافت
بذهنه وهو يتهاوى في كلل وسأم ذكرى يوم أن عزم على السفر والغربة وصوت
صديقه الهامس يدوي:
-أخاف عليك من هذه الغربة.. إنها مغامرة.
-سأجرب حظي.
اختار صديقه كلية الطب، فلقد كان مولعًا بشفاء الأبدان من أدوائها وأسقامها،
وليخفف من أتراح الملهوفين وأناتهم، واختار غريب كلية التربية ليعالج الصدور
من أمراضها وجواها، ولتحيا قلوبهم وأرواحهم بنور البصائر.. إنها رسالة واحدة؛
فبالطب تحصل حياة الأبدان والأشباح، وبالعلم تحصل حياة القلوب والأرواح؛
فالظلام والفقر والمرض ثالوث مرعب يخيم على أهل القرية. ويتردد صوت
صابر وهو يودعه بكلماته المؤثرة:
-أتمنى ألا تخرج من أحلامك كما خرجت من قريتك.
-لا تخف.. سنة أو بعض سنة ونعود لنكمل رسالتنا.
وطالت رحلة الاغتراب لكنه عازم على أن يضع حدًا لغربة طالت؛ فهل
تنتهي غربته عن نفسه حين يضع عصا الرحيل والسفر؟ !
نعم! إن جيوبه الآن ممتلئة بالدراهم لكن قلبه فارغ من الأهداف، خالٍ من
المشاعر، إنه يستطيع أن ينثر الدراهم التي جمعها في أعين الآخرين، ويمكنه أن
يدسّها في جيوبهم ليحقق مآربه وأمانيه، ووسط هذا الشرود اعترض طريقه بعض
أهل القرية فحياهم ببرود وفتور. وقاده أحدهم إلى منزل صديقه.
وهرول الصديقان فتعانقا، وأجلسه صابر إلى جانبه قليلًا.
-كيف حالك يا غريب؟ منذ وقت طويل لم نتقابل.
-لكن قدر الله أن نلتقي ثانية.
وجاء ابن صديقه بالشاي، فراحا يحسوانه، وأخذا يقلبان صفحات ذكريات
ثرّة.. وابتدره صابر:
-ترى هل قررت أخيرًا الاستقرار وإنهاء هذه الغربة؟
-نعم! لكن الاستقرار سيكون في المدينة، فلم أعد أطيق هذا الموات!
-آه ... لقد تغيرت كثيرًا.
-لا بل أفكارك أنت لا تزال تقليدية تمامًا مثل هذه القرية الموحشة.
اغتصب ضحكة وواصل:
-حدثني عن أحوالك وأفكارك بالتفصيل.
-أنوي بناء مستشفى أهلي خمسة نجوم، فهل تضع يدك في يدي؟
-عظيم.. لكن..
-أعرف أنك ستقول: لِمَ لا نجعل هذا المشروع في القرية؟
-ولِمَ لا؟ الأقربون أوْلى بالمعروف، وليكن بجانب المستشفى «معهد ديني»
ينشر النور في ربوع القرية؟
فردَّ متململًا:
-ألا زلت قائمًا على هذه الأوهام؟ أتظن أني مجنون أنثر الصدقات وألقيها
على كل من هب ودب؟ !
ساد صمت مطبق، لقد أصبح شخصًا غريبًا، إنه تاجر لا مجال عنده
للعواطف، يحمل في جيبه آلة صغيرة تحسب له كل شيء الربح والخسارة، لم يعد
يقنع إلا بحديث الأرقام.
-وهل خُلق أمثالنا ليعيشوا لأنفسهم كما يعيش الرعاع البشري الهائم؟
-الإنسان يعيش مرة واحدة، ليعبر قنطرة الفقر المخيم على القرية.
وصل غريب إلى الثراء الذي كان يحلم به ويرغب فيه.. ولكنه انسلخ من
القرية الفقيرة، تغيرت أفكاره، وتبدلت نظرته للحياة؛ فأحاديثه كلها عن شراء
قطعة أرض هنا أو بناء عمارة هناك.. لكنَّ وجهه تعلوه سحابة من الضجر والأرق،
وعيناه يكحلها القلق، فطفق يشعل السيجارة من السيجارة. فانطلق صوت صديقه
يهدئ من روعه:
-يكاد القلق يحرق قلبك كما أحرق الدخان شفتيك؟ !
-لا أدري إني خائف ألاَّ يكفينا راتبي الذي سأحصل عليه هنا
-الأمر بسيط.. غيِّر قليلًا من عاداتك.
-لكني أفكر في مستقبل الأولاد الثلاثة.. وكيف أضمن لهم مستقبلهم فلا
يتعبون مثلي.
-إن تأمين مستقبل أولادك لا يكون إلا بشيء واحد.
-وما هو؟ .. لكن لتكن واقعيًا.
-أن تكون رجلًا صالحًا، فتفكر في غيرك وتعيش للآخرين.
-آه.. كف عن هذه المثاليات.. وانشغل بتأمين مستقبل أولادك.
لكنَّ صابرًا رد في ثقة وهدوء:
-صدقني يا غريب! صلاح الآباء هو التأمين الحقيقي لمستقبل الأبناء،
وجرب مرة أن تعيش لغيرك ولأمتك.
وافترقا دون أن يقتنع كل منهما بوجهة نظر صاحبه. وبدأ الجو يعبق بجنان
الشتاء المولي وبشائر الربيع، وتوارت الشمس خلف الأفق تسكب دمًا قانيًا على
الوجود الذي تلفع بالسواد. وارتفع صوت المؤذن فوق المئذنة القديمة المتهالكة.
ودلف غريب إلى المسجد ليصلي مع المصلين لعله يجد برد الراحة، ويسكت عنه
القلق.
واختلط صوت المؤذن بكلام صديقه الذي يدوي في مسامعه:
-التأمين الحقيقي أن تكون رجلًا صالحًا تعيش للناس. وانطلق صوت العم
رمضان إمام المسجد يتلو آيات من سورة الكهف. يا له من صوت عذب افتقده منذ
سنين! تذكر سورة الكهف التي تعود أن يهذها هذَّ الشعر غداة يوم الجمعة بلا أدنى
فهم أو تدبر وكأنه يسمعها لأول مرة، وانتهى العم رمضان إلى قوله تعالى:[وَأَمَّا
الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ] (الكهف: 82) .
كاد عقله يطيش وهو يسمع هذه الآيات، لقد حفظ الله الغلامين بصلاح
الأب.. هكذا يجني الولدُ صلاحَ الوالد.
جلس يستغفر، وبدأ برد السكينة يدب في عروقه، لقد أعادت هذه الآيات
الكريمة روحه إلى جسده المتعب، لقد انتهت غربته على عتبة هذا المسجد، فليست
السعادة كما تخيل في فراشٍ وثير ومالٍ وفير.
وبات يتساءل:
-كيف استحالت نفوسنا قبورًا تحمل أرماس رسالة خالدة؟ فمَن لمن أشله
الجهل وأعماه؟ ومَن للقطيع الشارد عن مولاه؟ ومَن للتائهين في لجج الحياة؟
من لكل هؤلاء إذا انكفأ أهل الخير على مرآة ذواتهم، وعاشوا لأنفسهم؟ !
حقًا إن هذا اللهاث المادي، والعيش في سرداب الذات جعل من روح الإنسان
العلوية نفسًا دنية دنيوية، تنتهي كحمار الرحى لا ينقطع عن الدوران لحظة ليل أو
نهار.
لا والله لن يبرح القرية بعد اليوم، الآن فقط انتهت غربته الحقيقية، واهتدى
أخيرًا إلى الطريق.