المسلمون والعالم
أحمد فهمي
تحت عنوان: «تعديلات في الكتب المدرسية في العراق» نشرت صحيفة
الحياة رسمًا ساخرًا يبدو فيه مدرس عراقي في فصله؛ ممسكًا بكتاب يقرأ منه
لتلامذته متوترًا: «وهنا دَخَلَ الرئيس بوش وحرر ليلى من براثن الذئب!» ،
ويظهر وراء النافذة جندي أمريكي متلصص، يرمز إلى فعل المراقبة.
هذا الرسم يعبّر عن الوضعية التي تريد الإدارة الأمريكية أن تصل إليها في
الدول الإسلامية كافة، فالرئيس بوش لم يأت فقط لكي يحرر الشعب العراقي من
براثن صدام؛ بل أيضًا ليحرر ليلى من براثن الذئب، وليلى هنا ترمز إلى كل
شأن داخلي وخصوصية إسلامية، والذئب يرمز إلى المارقين المعارضين للحرية
على الطريقة الأمريكية.
وتأتي سياستا التفكيك والتقسيم للدول الإسلامية في مقدمة الوسائل المعتمدة
لتحقيق تلك الغاية، وهناك مدخلان لمتابعة تفاصيل هذه المؤامرة المزدوجة.
أولهما: عن طريق رصد ومتابعة الدراسات والبحوث والتقارير
والتصريحات التي تتسرب أو تُسرب من المراكز البحثية، والمؤسسات السياسية،
وجهات الضغط اليهودية، وهي طريقة حصرية لا شك، وتقدم لنا رؤية شاملة،
ولكن يعيبها أنها تدخلنا في متاهة من الخيارات والسيناريوهات المحتملة؛ كونها
تبدأ من نقطة مبكرة في العقل الأمريكي، ورغم احتياجنا إليها إلا أن هناك طريقة
أخرى من شأنها موازنة هذه الرؤية الأكاديمية.
ثانيهما: عن طريق تتبع وتحليل الأداء السياسي والعسكري الأمريكي في
العالم الإسلامي؛ على الأقل في الأعوام القليلة الماضية.
والسياسة الأمريكية تتميز باتباعها لأسلوب «الأنماط الحاكمة» ؛ بمعنى
التقيد بسلوك نمطي سابق في المواقف اللاحقة، أو بمعنى اعتبار كل قرار لها
بمثابة بروفة للقرار التالي، فعلى سبيل المثال: احتلال «بنما» كان تجربة
للإنزال البري في حرب الخليج، وحرب أفغانستان كانت بروفة لحرب العراق،
على الأقل من منظور عسكري، وهكذا. وسوف نتبع في هذا المقال الطريقة
الثانية.
* الاستراتيجية الأمريكية.. وسياستا التفكيك والتقسيم:
أولًا: تعريفات:
التقسيم السياسي للدول؛ مصطلح معروف ومتداول ومعناه ظاهر للأفهام. أما
التفكيك؛ فنعني به في هذه الدراسة ما يأتي: سعي قوة خارجية إلى سلب قدرة نظام
ما على نَظْم القوى السياسية الداخلية - عرقية أو طائفية أو سياسية - في عقد واحد
ينبثق من عقيدته السياسية.
وبمعنى آخر؛ فإن التفكيك مرادف لانفراط العقد الداخلي، وتداعي مركزية
النظام وسيطرته على القوى الداخلية. وينبغي الانتباه إلى أن التفكيك بهذه الوضعية
لا يماثل الانهيار، بل هو مرحلة سابقة عليه، وفي حال نجحت القوة الخارجية في
إحداثه؛ فإنها يمكن أن تحافظ على الاستقرار الداخلي بإعادة تركيب القوى الداخلية
وفق نظم خاص بها.
ثانيًا: الأهداف الأمريكية في العالم الإسلامي:
لماذا تريد الولايات المتحدة أن تفكك أو تقسم الدول الإسلامية؟ الإجابة عن
ذلك تتضح من خلال خمسة أهداف، اثنان منها يتعلقان بالدولة الصهيونية،
ويتحددان وفق مصالح دينية وسياسية مختلطة، وهذه الأهداف هي غاية ما يريده
الأمريكيون، وليست أهدافًا مرحلية:
1 -تدشين القوة الأمريكية كإمبراطورية معاصرة تسيطر على دول العالم
التي لا تعتنق الحضارة الغربية.
2 -ضمان أن تفقد الدول الإسلامية أي قدرة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية
أو ثقافية على مواجهة أو تهديد أمن «إسرائيل» وسلامتها، والفقد هنا ينبغي أن
يكون شاملًا ودائمًا.
3 -التهيئة لدولة «إسرائيل» الكبرى وإقامتها وفق الحدود والتعاليم
التوارتية، أو قوة «إسرائيل» العظمى وفق الحدود الحالية، وفي النطاق العربي
والإسلامي.
4 -يتعلق بالإرهاب؛ الوصول بالدول الإسلامية إلى حالة العجز الكامل عن
تخريج حركات إسلامية «متطرفة وإرهابية» حسب المفهوم الأمريكي، عن
طريق إصابة الشعوب بالعقم الديني والثقافي والسياسي؛ بما يقلل من أي احتمال
لانبعاث إسلامي يهدد المصالح الأمريكية.
5 -ضمان استمرار الدول الإسلامية مصدرًا مأمونًا للمواد الأولية وفي
مقدمتها البترول، وسوقًا استهلاكية مفتوحة للمنتوجات الأمريكية.
ثالثًا: أمريكا تجدد الرؤية الاستعمارية:
استعمار العالم الإسلامي في القرنين السابقين من قِبَل الأوروبيين؛ مرَّ بأربع
مراحل متتابعة استغرقت منهم عشرات السنين، وهي: الاحتلال العسكري -
التغيير الداخلي بما يتلائم مع ثقافة المحتل ومصالحه - تعيين نظام هش يدير البلد
بإشراف مباشر من المحتل - الانسحاب وفسح المجال لنُظُم عميلة أو معادية للإسلام.
هذه المراحل هي نفسها التي طبقها الأمريكيون في أفغانستان والعراق،
ويخططون لتطبيقها في دول أخرى، مع فروقات مهمة، وهي:
-الزمن الإجمالي للمراحل ما عدا الانسحاب لم يستغرق أكثر من أشهر
معدودة، وهو ما فاق قدرة الكثيرين على الاستيعاب، وخاصة الذين لم يفقهوا بعد
أساليب الاستعمار القديم.
-أن الانسحاب يُفترض به أن يكون اختياريًا وليس جبريًا بعد أن تكتمل
خيوط المؤامرة، ويثبت النظام البديل جدارته، كما أن الاستقلال في هذه الحالة لن
يكون تامًا.
-هذه الرؤية الأمريكية تتميز أيضًا بأن لديها القدرة على ابتكار مسوِّغات
فورية للبدء في أولى مراحل الاستعمار؛ ما يعني أن فترة التحضير قد تُدغم في
أسابيع قليلة؛ ما يعني كذلك أن الرؤية اليومية قصيرة الأجل للأحداث، والتي
تقدمها وسائل الإعلام العربية للرأي العام الإسلامي، يمكن أن تقوي البصر تحت
القدمين، ولكنها تسبب العمى فيما وراء ذلك!
-حسب مفهوم الاتعاظ بالغير؛ فإنه يمكن في حالات معينة تجاوز المرحلة
الأولى، والانتقال المباشر إلى المرحلة التالية وفق آلية سوف نتناولها بالتفصيل
لاحقًا، وهو ما اخترنا له اصطلاحًا تسمية «التفكيك السياسي» .
رابعًا: التفكيك السياسي وليس التقسيم؛ هو المرحلة المقبلة:
تقسيم بعض الدول الإسلامية هو وسيلة أمريكية وليس غاية، والغاية ما
ذكرناه سابقًا، وإن كان التقسيم وسيلة جذرية لتحقيق المقصود؛ إلا أنها تبقى غير
عملية في كل وقت لأسباب كثيرة:
-هناك دول إسلامية غير قابلة للتقسيم؛ من حيث عدم وجود تمايز عرقي أو
طائفي داخلها.
-كثير من الدول القابلة للتقسيم لا يشترط أن يتوفر فيها عوامل أساسية
مُحفزة؛ توفرت في النموذجين العراقي والأفغاني الأكثر عرضة لخطر التقسيم؛
مثل القمع الداخلي، وتمايز الأقليات جغرافيًا، أو حتى توفر معارضة سياسية
ناشطة ذات مطالب انفصالية واضحة.
-في بعض الحالات، مثل السودان، يكون التقسيم مطلبًا مرفوضًا، فقد
أبدى جون جارانج ذو التبعية الأمريكية رغبة واضحة في الحفاظ على وحدة
السودان، وهذا يعني أن تقسيم الدين يأتي في مرتبة متقدمة على تقسيم الدولة في
المفهوم الأمريكي.
-التقسيم بدون إعدادت مسبقة قد يؤدي إلى حالة من الفوضى يعتبرها
الأمريكيون المجال الخصب لنشأة الحركات «الإرهابية» في زعمهم؛ حيث تكثر
الكيانات ذات السيطرة المركزية المحدودة، كما أنه يتطلب تغطية عسكرية مكثفة قد
لا تتوفر في ظل التجربتين الأفغانية والعراقية، كما أن الدول الغنية بمواردها مثل
العراق؛ لن يستقيم الانتفاع بثرواتها في ظل فوضى سياسية وعسكرية.
-لا توجد سيناريوهات مقنعة إلى الآن لتنفيذ انتقال تعسفي من مرحلة الدولة
الواحدة إلى كيانات متعددة، وهو ما يقوي الحاجة إلى مرحلة انتقالية تحقق جل
فوائد التقسيم دون التعرض لمفاسده.
وكان التفكيك السياسي - بدون احتلال عسكري - هو المرحلة الملائمة للواقع
الإسلامي، وخاصة أنه أسلوب يناسب الدول كافة؛ كونه: يتضمن ليس فقط الدول
ذات التمايز العرقي والطائفي؛ بل ذات التمايز السياسي والقبلي أيضًا، كما أنه
يوفر القوة العسكرية لمناطق أخرى، ولا يسبب التورط فيه أزمات داخلية أمريكية.
لكن في المقابل يبقى التفكيك مرحلة انتقالية لما بعدها، يعني التقسيم إلى دول
وكيانات صغيرة، أو إعادة رسم الحدود بين الدول الحالية. وننبه إلى أمر مهم،
وهو أن الأمريكيين لا ينظرون في هذا الصدد إلى أي دولة بوصفها واقعًا، وإنما
بوصفها قدرة؛ بمعنى أنه قد تكون دولة ما حليفة لهم في الوقت الحالي، وهذا واقع،
ولكن الدولة نفسها بوصفها قدرة تصنف خطرًا محتملًا على المصالح الأمريكية
لمجرد كونها إسلامية، واحتمالات التفكيك والتقسيم تعنى - فقط - بقدرة الدولة،
وليس واقعها، وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير كثير من المتناقضات في الأداء
السياسي الأمريكي، بل والأوروبي مع دول مثل تركيا.
* آلية التفكيك السياسي في الدول الإسلامية:
تملك الولايات المتحدة أوراق ضغط كثيرة على الدول الإسلامية، بعضها
للأسف سُلمت من قِبَل هذه الدول عن طواعية؛ لذا تبقى المسؤولية موزعة بين
طغيان الأمريكيين، وتخاذل المسلمين.
ويمكن بلورة مراحل التفكيك السياسي وصوره في النقاط الآتية:
أولًا: القوة العسكرية:
وهي الوسيلة الآكد في هذا المجال، ولكن الإشكالية الأزلية في العمل
العسكري ليست هي تحقيق المكاسب، وإنما الحفاظ عليها بعد ذلك، وفي العراق
وأفغانستان يمكن تلمس الخطوات الإجرائية التي قامت بها الإدارة الأمريكية: إيجاد
المسوِّغ لضربة عسكرية - تنفيذ عملية احتلال قوية وسريعة - إقامة نظام سياسي
داخلي صوري، على رأسه عملاء سابقون للمخابرات الأمريكية؛ أمثال قرضاي
والجلبي والجعفري؛ لذا فتش دائمًا عن المعارضين المدعومين أمريكيًا، فهم رؤساء
المستقبل.
وبعد ذلك يؤسس الأمريكيون توازنًا داخليًا يكون الوجود الأمريكي العسكري
حجر الزاوية فيه، بل يتحول كما في العراق إلى مطلب لفئات كثيرة داخليًا
وخارجيًا، وقد مر بنا كيف أن بعض الإسلاميين يطالبون أمريكا بعدم الرحيل قبل
أن تستقر الأوضاع، وهذه قمة البراعة السياسية الأمريكية، والتي تكتمل بكون
الانسحاب الأمريكي في حال تحققه يعني تدشين مرحلة التقسيم فعليًا على أرض
الواقع، وبأيدي العراقيين أنفسهم، يعني بأسلوب ديمقراطي، وهو ما يتجنب
كثيرون الخوض فيه، وإلا فماذا يمكن أن يحدث لو قرر الأمريكيون الانسحاب
فورًا من أفغانستان والعراق؟ وهو ما ينقلنا إلى سؤال أصعب: هل بقاء الأمريكيين
في هذه المرحلة أفضل أو انسحابهم؟ ومحاولة الإجابة عن هذا التساؤل هي الفتنة
التي وقع فيها بعض الإسلاميين في العراق كما سبق، والسر يكمن ليس في معرفة
الجواب؛ بل في تحديد السؤال الصحيح.
ثانيًا: التفريغ السياسي:
هناك مفهوم سياسي يمكن أن نطلق عليه «تزاحم القوى» ، يمكنه تفسير
ديناميكية التوازن بين القوى السياسية الإقليمية والمحلية، ومن ثَمَّ تفسير طريقة
التفكيك السياسي لأي دولة، ويفيد هذا المفهوم أن: منطقة النفوذ التي تتنازل عنها
قوة دولية أو إقليمية أو محلية جبرًا أو طوعًا لا تبقى أبدًا فارغة، بل تُشغل على
الفور من قِبَل قوة أخرى فاعلة؛ لكي يتحقق التوازن وفق الوضع الجديد.
وهذا المفهوم يستخدم بتوسع من قِبَل الأمريكيين في إحداث تفريغ سياسي
داخل الدولة الإسلامية المستهدفة عن طريق ممارسة ضغوط على نظامها السياسي
الحاكم؛ بحيث يتخلى عن بعض نفوذه، وفي مقدمة ذلك العقد الذي تنتظم فيه القوى
السياسية المحلية؛ بحيث تحدث خلخلة سياسية تتيح للأمريكيين الدخول كشريك
رئيس في اللعبة السياسية الداخلية، ويُستخدم النفوذ الأمريكي من قِبَل أطراف
مختلفة في تدعيم مواقفهم في مواجهة النظام الحاكم، ويعاد رسم الخريطة السياسية
من جديد بعد إضافة الشريك الأمريكي.
ويمكن فهم الأمر بطريقة أخرى، فمن المفترض أن أي دولة لها أهداف
استراتيجية كبرى يكون العمل على تحقيقها مهمة النظام الرئيسة، وهذه الأهداف
مثل: تحقيق الاستقرار والتقدم، والتحول إلى قوة إقليمية، والحفاظ على الوحدة
الداخلية، وتطوير القوات المسلحة، ونصرة القضايا العربية، ومنها أيضًا حماية
النظام لنفسه، وهو أمر معتبر، والذي يحدث أن الضغوط الأمريكية ومنها إشاعة
مخططات التقسيم وترويجها تؤدي تدريجيًا إلى اختزال الأهداف الاستراتيجية
للنظام، حتى لا تترك له غاية إلا حماية نفسه، وذلك يعني فراغًا سياسيًا داخليًا
كبيرًا لا بد أن تشغله قوى أخرى، ويعني أيضًا سهولة توجيه النظام لخدمة
المصالح الأمريكية، والمتأمل في حال أغلب الدول الإسلامية يلحظ بسهولة أنه لم
يعد لها أدوار خارجية مؤثرة، وتآكل دورها الإقليمي إلى حد كبير، وطرأ خلل
واضح على مفهوم العلاقة بين الدولة والنظام؛ متمثلًا في سؤال: هل النظام يحفظ
الدولة، أو أن الدولة تتولى حماية النظام؟
ثالثًا: تحفيز الأقليات:
كثير من الدول الإسلامية ذات تمايز عرقي أو طائفي أو قبلي، ويعتبر وجود
الأقليات أحد عوامل التوتر وعدم الاستقرار الدائمين في أي دولة، ومدخل رئيس
لأعدائها في محاربتها. وتحرص أجهزة المخابرات الأمريكية على ترسيخ علاقات
قوية مع جميع الأقليات في الدول الإسلامية، في السر والعلن، حسب كون
المعارضة خارجية أو داخلية، وتعتبر الأقليات أحد وسائل الضغط السياسي لخلخلة
النظام في الدولة وإضعاف مركزيته، ويمكن تقسيم الأقليات باعتبار تأثيرها إلى:
أقليات ناشطة، وأقليات نائمة، والأولى تتميز بحركة سياسية قوية، ومطالب
واضحة، وعلاقات راسخة مع الأمريكيين، ويصل نفوذها في بعض الدول درجة
مواجهة السلطات، والاتصال بالمسؤولين الأمريكيين عند حدوث أي أزمة، ويصح
أن يطلق عليها دولة داخل الدولة، ومثل هذه الأقلية تصبح عنصرًا مهمًا في تفكيك
الدولة، وفسح المجال للنفوذ الأمريكي.
أما الأقليات النائمة؛ فليس لها مطالب واضحة، ولا نشاط سياسي قوي،
ويحاول الأمريكيون في الفترة الأخيرة الاتصال بممثلين لهذه الأقليات في دول
مختلفة، والعمل على إيقاظها وتحفيزها، للاضطلاع بدور مستقبلي.
رابعًا: العد التنازلي:
وهو مرحلة متقدمة من الضغط السياسي، تصبح فيها الأزمة مع الأمريكيين
أزمة وجود، بالنسبة إلى نظام الدولة الإسلامية بالطبع، وتعطي الإدارة الأمريكية
تحذيرات واضحة، ومهلة محددة أحيانًا لتنفيذ المطالب.
وقد تعرضت لهذا الأسلوب بالتحديد أربع دول إسلامية(أفغانستان، العراق،
ليبيا، سوريا)، في اثنتين منها (أفغانستان، العراق) وصل العد إلى الصفر،
وفي واحدة منها (ليبيا) تدارك النظام نفسه وأوقف العد على الطريقة الأمريكية،
وفي الأخيرة (سوريا) يبدو الحال متأزمًا، وخاصة أن الخيارات الأمريكية كثيرًا
ما تحصر الدولة المهددة بين: سُمٍّ وسيف، وفي النموذج السوري؛ جاء الهجوم
«الإسرائيلي» قرب دمشق ليعلن بصراحة أن لا قابلية لوجود دولة البين بين؛
فإما التحول إلى نموذج صدام الرافض وتحمل العواقب، وإما التحول مائة
وثمانين درجة بطريقة درامية.. كما فعل القذافي.
خامسًا: الشرعية التاريخية:
يعتقد الغربيون بقوة في قدرة المرجعية التاريخية على التأثير في الواقع،
وبصفة عامة؛ فإن أي قوة سياسية في أي بلد تتخذ من إحدى نقاط التاريخ محورًا
ومرجعية لها، ففي مصر مثلًا يرى الليبراليون أن فترة حكم الوفد والانتخابات
الديمقراطية فترة ذهبية، ويرى الناصريون أن فترة حكم عبد الناصر ينبغي أن
تكون مرجعًا محوريًا للأمة كلها، والإسلاميون يتخذون من الخلافة العثمانية أقرب
مرجعية تاريخية لهم، وتسعى كل قوة إلى العودة بالواقع لمطابقة مرجعيتها
التاريخية، ويتسلل الأمريكيون من هذه الرؤية التاريخية؛ لتسويغ تفكيك بعض
الدول الإسلامية، حيث تفترض أن وضعًا ما في التاريخ المعاصر لهذه الدولة هو
وضع طبيعي، ويكون هذا الوضع عادة تفكيكيًا قبل التوحد، فتعتبر هذه المرحلة
من التاريخ هي المرجع، وأن الواقع ينبغي أن يدور لمطابقتها مرة أخرى، ولا
شك أن ذلك سوف يكون لحساب أطراف دون أخرى.
وقد حاولت الإدارة الأمريكية استخدام هذه المرجعية التاريخية في كل من
أفغانستان والعراق، عن طريق الملك ظاهر شاه، والشريف حسين.
سادسًا: الضربات العسكرية الخاطفة:
دشنت الحكومة (الإسرائيلية) أسلوبًا جديدًا في هذا المجال، وذلك بضربتها
الجوية الخاطفة لمخيم «عين الصاحب» في سوريا، وهذه الخطوة ربما يكون
الدافع الرئيس لها هو النيابة عن الإدارة الأمريكية المتورطة عراقيًا في معاقبة
بعض الدول المشاغبة، لكن بأسلوب «الأنماط الحاكمة» الأمريكي الذي سبق
الحديث عنه، وبذلك تكون هذه الضربة نمطًا حاكمًا لما يليها بالصورة الآتية:
ضربة لمخيم فارغ - ضربات داخل دمشق لمراكز الفصائل الفلسطينية - ضربة
جوية للمفاعل الإيراني - ضربات جوية لتحييد القدرة النووية الباكستانية، وقد
تستغرق هذه التتابعية أشهرًا أو سنوات، لكن ما يهمنا هنا أن هذه الضربات تنشئ
نوعًا من الاضطراب السياسي الداخلي؛ لأن النظام المستهدف يتم ضربه دون أن
يقدر على الرد؛ لأنه يعلم أنه يُستدرج إلى حتفه، ومن ثَمّ تتزايد حالة الاحتقان
الداخلي، وتضعف سيطرة النظام.
وهذا الأسلوب يعتبر حلًا بديلًا - أو مؤقتًا - للخطة الأمريكية الأصلية،
والتي سربها الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك المرشح الأمريكي الديمقراطي
لانتخابات الرئاسة القادمة، في كتاب له؛ أنه بلغته معلومات منذ عام 2001م،
وقبل هجمات سبتمبر، بوجود خطة أمريكية لاحتلال خمس دول بعد العراق؛ هي:
سوريا وليبيا ولبنان والصومال وإيران.
وتبقى قدرة الأمريكيين والإسرائيليين على إيجاد المسوّغات لتوجيه مثل هذه
الضربات عاملًا محددًا، ويلاحظ مؤخرًا أن هناك نشاطًا غير معتاد في توجيه باقة
متنوعة من الاتهامات لمختلف دول المنطقة، وهذا بدوره يثير حالة من القلق
والتوقعات غير المرغوب فيها.
* من يحمل الهم الإسلامي؟
هناك إجراءت لا بد أن تُتخذ، وهناك ردود أفعال لا يمكن أن تغيب في
مواجهة مؤامرة تفكيك العالم الإسلامي وتقسيمه، والخطاب هنا موجه إلى أربع
فئات على وجه التحديد: الحكومات - الشعوب - التيارات الإسلامية - المقاومة.
أولًا: الحكومات:
يرى كثيرون أن الخطاب الموجه للحكومات في هذا المجال خطاب عبثي،
لعدة أسباب، لعل من أبرزها اختلاف المنطلقات والرؤى والأهداف، ولكن مع ذلك
يظل توجيه الخطاب إليهم لازمًا.. ولو باعتبار وعظي.
وتتبدى ملامح العجز لدى كثير من حكومات الدول الإسلامية في أمرين
رئيسين:
-السعي إلى امتلاك القوة العسكرية.
-القدرة على استخدام القوة سياسيًا وعسكريًا.
أما أولهما؛ فقد تراجعت في أغلب الدول جهود السعي إلى امتلاك قوة
عسكرية بارزة، خاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وفي العالم العربي تحديدًا
قلَّ أن تجد دولة تعقد صفقة عسكرية ملفتة، تُحدث نقلة نوعية في الميزان العسكري
مع العدو الصهيوني، ولا ينبغي أن نُخدع بالمليارات التي تدفع لشراء مجموعة
طائرات الإف، فهذه الأسراب الحاشدة تنتظر تمام التطبيع والسوق الشرق
الأوسطية؛ لكي تتولى «إسرائيل» مهمة تحديثها وتطوير أنظمتها أسوة بما يحدث
مع الهند وتركيا، بل إن أهم المنتوجات التي سيتم تبادلها مع اليهود في هذه
المرحلة: المنتوجات العسكرية الأمريكية بما فيها قطع الغيار اللازمة، والتي
صُنعت في المصانع «الإسرائيلية» .
وطيلة أكثر من ثلاثة عشر عامًا لم نسمع أن دولة عربية واحدة تجاوزت
الحدود في هذا المجال، أو ضُبطت لها صفقة صواريخ متطورة، أو حاولت
امتلاك أحد أسلحة الردع الشامل.
أما بالنسبة للقدرة على استخدام القوة المتاحة عسكريًا أو سياسيًا؛ فذاك من
مواطن الضعف البارزة عربيًا وإسلاميًا، نتيجة الفوضى الحادثة في منظومة
الأهداف الاستراتيجية للنظام، والرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان له عبارة
معروفة، يقول: «إن أمن أي دولة يتوقف على عزمها على استخدام القوة أكثر
مما يتوقف على رغبتها في التفاوض» . ونضرب مثالين على ذلك بدولتين
إسلاميتين:
فباكستان تملك قوة ردع هائلة، وصناعة عسكرية متطورة، ولكنها تحولت
بين يدي نظام برويز مشرف إلى عامل ضعف وانهزام، وصرنا أمام حالة سياسية
فريدة من نوعها: نظام باكستان ينهزم في مواجهة الضغط عليه لامتلاكه السلاح
النووي؛ بدلًا من أن يضغط هو بالسلاح نفسه لتحقيق مطالبه وتخفيف الضغوط!
وفي برنامج وثائقي قدمته البي بي سي عن إرهاصات حرب أمريكا على
أفغانستان؛ صرح مسؤولون أمريكيون بارزون: أن أربعة فقط من الضباط الكبار
في الجيش الباكستاني كانوا سيتسببون في إخفاق ذريع لخطة بوش لو أصروا على
موقفهم الرافض لتقديم الدعم لقواته العسكرية، ولم تكن أمريكا تملك في مواجهة
باكستان أكثر من تفعيل الحصار الذي تفرضه عليها أصلًا منذ التفجيرات النووية.
والكيان المحاصر يتحتم عليه البحث عن مخرج لفك حصاره، وليس البحث عن
جحر يفاقم أزمته!
وهذا الفهم البسيط لهذه الإشكالية يغيب عن دولة نووية، ولكن تستوعبه حركة
مقاومة مثل حماس؛ حيث يتصرف قادتها بناء على حقيقة مهمة، وهي أن العدو قد
فقد كل وسائل الضغط في مواجهتهم، ومن ثَمَّ لا مسوِّغ للانكماش.
وفي المقابل.. فإن نظام صدام حسين الذي كان قد فقد أسباب قوته؛ يجاهر
باستخدام القوة، ويهدد بدحر الأعداء وقهر المعتدين، في حين تبين لاحقًا أن صدام
يعجز حتى عن مجرد الذود عن ولديه، فصدام كان يهدد بقوة لا يملكها، ومشرف
كان يملك قوة لا يستخدمها، وبقية الدول الإسلامية حالهم بين هذا وذاك!
ثانيًا: الشعوب الإسلامية:
كانت الحكومات والحركات والتنظيمات تمارس من قبل أدوارها في آفاق
بعيدة نوعًا ما عن الاهتمامات الشعبية اليومية، ولكن اليوم تغير الحال، وتدنت
السُّقف حتى لامست الرؤوس، ولم يعد هناك مجال للحركة دون استئذان، ولكن
الشعوب لا تبالي، وهذا يعني أن جهود أدلجة الفساد والفسق والفواحش من قِبَل
علمانييِِ النظام والفوضى؛ قد لاقت نجاحًا كبيرًا في تشويه الشخصية الإسلامية،
وتحولت المأساة الإسلامية إلى خبر يومي متكرر لا تتغير فيه إلا الأسماء والأرقام،
وصارت العقلية الجماهيرية تنتعش يسيرًا ببعض الدماء الرطبة، ولا تشعر بأطنان
الدماء اليابسة، تتفاعل بحرقة مع مشهد الدرة، ثم لا تتأثر بمئات الدر التي يهراق
دمها يوميًا، تثور وتغضب من زيارة شارون للأقصى، ثم لا تشعر بفتح شارون
باب الزيارة أمام مئات من اليهود، يقول بعض الناس إن ثورة الجماهير في وقتنا
الحالي ربما تكون علامة مرضية أكثر منها صحية. والحال هكذا، حيث الثورة لا
تعني إفاقة بقدر ما تعني نجاح وسائل الإعلام في استثارة المشاعر.
والحاصل أن قدرة الشعوب على حمل الهمّ الإسلامي لا تعدو آنيًا كونها قدرة
تشجيعية تفتقر إلى من يطورها ويوجهها؛ بما يعني أن الشعوب لا تسابق، لكنها
ميدان للسباق، وهذه حقيقة مهمة ومؤثرة.
ثالثًا: التيارات الإسلامية:
مَرَّ بنا أن الأمريكيين قدّموا رؤية جديدة للاستعمار، اختزلت مراحله الزمنية
بصورة غير مسبوقة، ومع تداول احتمالات التفكيك والتقسيم لدول إسلامية كبرى؛
فإن مواجهة هذا الخطر برؤى فكرية صيغت قبل عشرات السنين؛ يُعَدُّ تقصيرًا في
حق الدين والأمة، والعبء الأكبر في ذلك يقع على عاتق الإسلاميين، والمطلوب
صياغة فكر استباقي في مقابل الفكر الارتدادي الذي تروِّجه تيارات مختلفة، فكر
يكون من أهم ملامحه استيعاب جميع المتغيرات، وأهمها أنه يواجه استعمارًا متعدد
المراحل، ومنها قدرته على الاستفادة من أخطاء الماضي في مواجهة الاستعمار،
والتعلم من تجربة سرقة علمانيي مرحلة الاستقلال لمجهودات الحركة الإسلامية.
هذا الفكر ينبغي أن يقدم للأمة رؤية موحدة، وخيارات متعددة، تستبق
الأحداث وتخرج من أسر ردود الأفعال، وتتجهز لما هو آت؛ حتى نتجاوز مرحلة
الصدمة التي يتعرض لها الإسلاميون في كل هجمة من قِبَل الأعداء.
إن متابعة أداء الإسلاميين في الفترة الأخيرة، خاصة في أعقاب الحرب على
العراق؛ لا تعطي صورة متفائلة، فبينما لا يزال الجدل محتدمًا حول جدوى العمل
السياسي في ظل أنظمة غير ديمقراطية؛ يفاجئنا بعض الإسلاميين في العراق
بتسويغ العمل السياسي في ظل المحتل الصليبي، ومن لوازم ذلك: تجريم كل
حركات المقاومة للاستعمار القديم والجديد، والسلوك الأعجب تمثل في رد الفعل
لدى الإسلاميين، والذي تراوح بين اللامبالاة، وبين اعتبار ذلك شأنًا عراقيًا،
وأهل بغداد أدرى بدروبها! وبذلك فإن الإسلاميين يواجهون مؤامرات التفرقة؛
بتجزئة المواقف، وأقلمة الثوابت، وإعادة إنتاج الأخطاء القديمة، وإنه من أكبر
الخلل حاليًا أن يقال عن فعل إسلامي في بلد ما إنه شأن داخلي، والدول الإسلامية
قد تحولت بأسرها إلى سفينة واحدة، ليس انطلاقًا من مفهوم ديني للأسف، ولكن
وفق مخططات التآمر الأمريكي، فكيف يليق بنا مع هذا أن نصف أفعالًا جوهرية
بأنها شؤون داخلية؟!
وفي مجال التوحد بين التيارات الإسلامية لم تُقدم إلى الآن استراتيجية فعالة،
وبات كثير من الإسلاميين يَعُدُّون من ضمن الثوابت التراكمية: استحالة أن يتم
التوحد أو على الأقل تضافر الجهود وتنسيقها عن طريق التواصل بين قادة التيارات
المختلفة جغرافيًا ومنهجيًا، ولكن كان هذا في الماضي، فهل قُدمت رؤية جديدة
لتمهيد هذا الطريق؛ ومعلوم ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج فعالة؟
وقد يرى بعضهم أن إقامة كيانات جديدة يكون هدفها لمّ الشمل، وتوحيد
الرؤى؛ هو إجراء كاف، ولكن الأمر أعجل من ذلك، وخاصة أنه قد بدرت بوادر
غير محمودة العواقب لتوجهات من قِبَل بعض الحركات الإسلامية التي تبدي تأثرًا
إيجابيًا في مواجهة الجائزة التي يلوّح بها الأمريكيون على طريق العمل السياسي
نموذج حزب العدالة والتنمية التركي في ظل نظام علماني مطلق النموذج التركي،
وهذه البوادر منها: التبرؤ الفكري والمنهجي من قطاعات عريضة من الإسلاميين
بديلًا للتوحد وترسيخ نظرية الشأن الداخلي في التعامل مع الفصائل الإسلامية بديلًا
للشراكة، وللأسف هذه هي نوعية الفكر الاستباقي التي تمت صياغتها حتى الآن
في الأوساط الإسلامية!
أمر أخير يحتاج إلى مراجعة، وهو حتمية تخلص الإسلاميين من رؤية الحل
الواحد التي يتقيدون بها، والتي توقع العمل الإسلامي في وضعية الأزمة عندما
يتبين عدم ملائمة الرؤية لتطورات الأحداث، ونوضح أكثر فنقول: إن تقويمنا
لحالة التفكيك والتقسيم بأنها مصيبة كبرى قد تلحق المسلمين؛ لا يعني عدم بلورة
رؤية مناسبة للعمل في ظل وضعية كهذه بافتراض حدوثها.
رابعًا: المقاومة:
ثلاث دول إسلامية.. المقاومة فيها تقف حاجزًا في طريق إكمال مؤامرة
التفكيك والتقسيم: أفغانستان، العراق، فلسطين. ففي باكستان تتمثل المهمة
الرئيسية لنظام مشرف حسب الرؤية الأمريكية في التعامل مع منظومة: المقاومة
-البعد الديني لدى الباشتون - الحدود الأفغانية، وفي حال قُضي على المقاومة،
وكُللت مساعي مشرف بالنجاح في علمنة الباشتون وتأمين الحدود؛ فإن الغاية من
بقائه تتلاشى، ويتم الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي تقسيم الدولة الباكستانية،
وقد تحدثت دراسات أمريكية عن توقع ذلك مع العام 2010م.
وفي العراق وفلسطين؛ تفعل المقاومة الشيء نفسه عن قصد أو بدون قصد،
حيث أدت المقاومة الفعالة إلى وقف هذه الخطط التي تحدث عنها كلارك سابقًا
وتأجيلها، وربما إلغائها، وهذا يلفت الانتباه إلى أن تأثير المقاومة خارج حدودها
أصبح أكبر بكثير من تأثيرها داخل الحدود، ولذا ينبغي أن يتقرر في حسّ هذه
المقاومة وفي عقلية منظريها ومخططيها؛ أنها تقوم بدورين متلازمين: السعي إلى
طرد المحتل من بلدهم إرهاق وتعطيل قوات المحتل عن متابعة مخططها في
المنطقة. وقد يعتقد البعض تماثل الدورين، ولكن عند التدقيق وليس هذا مجال
بحثه يتبين الفارق!
أمر آخر يلزم المقاومة في العراق، وهو إيجاد غطاء سياسي، أو عمل
سياسي متزامن مع المقاومة، وفي أفغانستان بعد البروز الأخير لطالبان وفي
فلسطين يتوفر هذا الغطاء أيضًا؛ لذا تتمكن المقاومة من حصاد مجهوداتها
وتضحياتها، وقد تسربت مؤخرًا أنباء عن محاولات أمريكية للاتصال بحركة
طالبان وإغرائها بالسيطرة على بعض المناطق، كما أنه من أهم الأسباب التي
دفعت الكيان الصهيوني لمحاولة تصفية الجناح السياسي لحماس؛ أنه كان فعالًا في
توظيف مكاسب المقاومة لصالح الحركة والقضية الفلسطينية، لكن الأمر يختلف في
العراق، في غياب عمل سياسي، حتى على مستوى أهل السنة عامة، والعمل
السياسي الأبرز كان المشاركة في مجلس الحكم، وتبدو الأزمة فاعلة لو افترضنا
انسحاب القوات الأمريكية بتأثير المقاومة، فمن سيحصد مكاسب المقاومة؟ ?
* خاتمة:
تحدث مالك بن نبي - رحمه الله - قبل عشرات السنين عن القابلية للاستعمار
بوصفها داءً خبيثًا يُطوّع البلاد الإسلامية لمحتليها، والمؤسف أنه بعد نحو خمسين
عامًا من الاستقلال عن الاستعمار القديم؛ تبدي كثير من الدول استعدادًا واضحًا
للتفكك بيد الاستعمار الجديد، وحتى في حال تعطل مخططات الاستعمار لا يبدو
عليها تأثر إيجابي، وتظل تسير في الطريق بفعل القصور الذاتي؛ رغم أن النتائج
الاستراتيجية للحرب الأمريكية على العراق تدعو إلى التفاؤل بتضاؤل التهديد
الأمريكي، ومن أبرز هذه النتائج:
-تعجز الولايات المتحدة تمامًا عن احتلال بلدين احتلالًا عسكريًا شاملًا في
وقت واحد بقوات برية حاشدة.
-لا تستطيع القوات الأمريكية بوضعها الحالي أن تشن حربين شاملين على
بلدين مختلفين في الوقت نفسه، وحتى الآن تبدو قدرتها على شن حرب جديدة دون
تحقيق حد أدنى من الانتصار في حربها الأخيرة أمرًا مشكوكًا فيه.
-قدرة مقاومة محدودة في عددها وعدتها على تعطيل مخطط استراتيجي
لدولة عظمى.
-تأكدت في الحرب الأخيرة مقولة: إن الأمريكيين يندفعون لتنفيذ مخطط ما؛
تحت ضغط مجموعة متداخلة من المصالح الفردية والجماعية والرؤى؛ بطريقة
تمنعهم من تدبير رؤية تخارجية على المستوى نفسه من التخطيط.
-من مظاهر الخلل الرئيسة في النظام السياسي الأمريكي: قصر فترة
الرئاسة أربع سنوات؛ أي أن قرارت الرئيس الأمريكي تخضع لتعقيدات الربح
والخسارة بصورة كاملة في فترة السنة والنصف الأخيرة، وتتميز الفترة الأولى
بالقدرة على اتخاذ قرارات جذرية وجريئة؛ بينما تصبح قرارات الفترة الأخيرة
محسوبة بدقة شديدة.
هذه النتائج من شأنها أن تحدث حالة من الاطمئنان في الأوساط السياسية،
ولكن بدلًا من ذلك أحدثت حالة من القلق؛ لأن العقول تفككت منذ زمن، وتثاءبت
على مصالح وقتية، تجعلها تظل ساكنة في انتظار التعافي الأمريكي؛ بما يذكِّر
بحالة المسلمين أيام الغزو الصليبي الأول.. حينما كان العلج الرومي يأمر ضحاياه
المعدّين للذبح بانتظاره ريثما يتفرغ لهم، وكانوا - للأسف - ينتظرون..!