فهرس الكتاب

الصفحة 5056 من 5925

صلاح حسن رشيد

هجمة «شعوبية» جديدة على العربية.. «يسقط سيبويه» دعاية مكشوفة للعامية في مصر

كاتب يخطئ في قواعد العربية، ويتبنى أفكار سلامة موسى وطه حسين الخاسرة.

ثم يدَّعي موت الفصحى لحساب اللهجات العامية.

هل عادت الشعوبية تطل برأسها من جديد؟ وهل وُلد سلامة موسى ولويس عوض أعدى أعداء لغة الضاد مرة ثانية؟ وهل أضحت الفصحى مرتعًا خصبًا لتخريب دعاة الاستشراق وتلاميذ الغرب في القرن الواحد والعشرين؟ وهل لغتنا الجميلة عقيمة وميتة مثلما يردد هؤلاء الموتورون والحاقدون؟

هذا باختصار ما يتضح لأول وهلة فور مطالعة العنوان المستفز لمؤلف أديب معروف، مناصر للثقافة الغربية هو «شريف الشوباشي» وكيل أول وزارة الثقافة المصرية، في كتابه «تحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه» (1) . وهذا ما سألط الضوء عليه.

^ فاقد الشيء لا يعطيه:

بداية: كيف ينتقد شريف الشوباشي قواعد اللغة العربية، ويتهمها بالجمود والتخلف والتكلس، ويدَّعيِ أن الفصحى لغة ميتة، وأن هناك على حد تعبيره «شيزوفرنيا لغوية» داخل المجتمع العربي، بينما يبدو أسلوبه ركيكًا، فجًا، يخالف قواعد اللغة العربية، ومليئًا بالأخطاء النحوية والصرفية والسياقية والتاريخية؛ فضلًا عن خلوه من المنهجية العلمية التي تستوجب اتباع قواعد البحث العلمي القائم على الأدلة والبراهين والاستنتاجات لما يرمي إليه؛ بدلًا من الادعاء بلا دليل، وسوق النتائج بدون المقدمات المؤدية إليها، وهو ما وقع فيه الشوباشي؛ نظرًا لقلة بضاعته اللغوية، وعدم تمكنه من أدوات الكتابة، ناهيك عن التصدي لموضوع أكبر من حجمه، وأعلى من ثقافته الغربية.

^ ادعاء واهم:

ويدعي هذا المؤلف أن جيل الأمة العربية الجديد يعاني اليوم على حد قوله من «جراء تعلُّم العربية، أو يشعر بعقدة نقص لعدم إجادته العربية إجادة تامة» ليصل إلى أن السبب في ذلك ليس راجعًا لهؤلاء الصغار، ولكنه «في اللغة التي لم تشملها سُنَّة التطوير» ، وقوله: «إنما المعضلة تكمن في اللغة العربية التي ترقى تعقيداتها إلى مرتبة اللوغاريتمات المنغلقة على عقول غير المتخصصين» . ويصل إلى حقيقة الحقائق ـ من وجهة نظره الفاسدة والمغلوطة عقلًا ومنطقًا وتاريخًا ـ ليقول: «فالعربية هي اللغة الوحيدة في العالم اليوم التي لم تتغير قواعدها الأساسية منذ 1500 سنة كاملة» . ونسي هذا الرجل أن اللغة العربية متطورة، فتية، خصبة، راسخة، ثابتة. وأن استطاعة العربية أن تبقى شامخة بليغة، في حين اندثرت لغات ولغات؛ وهذا أوكد الدليل على كذب افتراءاته، وسقم آرائه.

ويتصور الشوباشي ـ بخياله الجامح ـ أن العربية «قد تتعرض لخطر التقوقع وربما الاختفاء، لا قدر الله، كلغة حية يستخدمها الناس في التعامل فيما بينهم. وقد تتحول إلى لغة لا يعرفها سوى بعض العلماء والمتخصصين، ويتعلمها الناس لقراءة القرآن الكريم فقط» .

وينسى هذا المؤلف أن جميع لغات الأرض تشتمل على الفصحى والعامية، وأن المجتمعات الغربية والشرقية تتكلم بلغة أدنى بعض الشيء من لغتها الرسمية. يحدث هذا في الإنجليزية والفرنسية، وكذلك في العربية؛ وإلا اختفت لغة الأدب طالما أن لغة الشارع هي الفصحى اليوم.

وأسأل الشوباشي: هل يفهم صغار فرنسا وإنجلترا أشعار شكسبير وجيمس جويس؟ وهل يتحدثون بلغتهم الصعبة؟ لا شك أن هناك ازدواجية في اللغة؛ لكنها لا تعني موت اللغة الأم، أو انتصار العامية عليها؛ مثلما يتقوَّل الشوباشي.

^ السير على أخطاء طه حسين:

ويعتمد المؤلف على معلومات خاطئة وقع فيها طه حسين من قبل، ويرددها دون إعمال عقل أو تفكير؛ مستندًا إلى آراء أستاذه طه حسين في كتابه النكبة: «مستقبل الثقافة في مصر» ـ الذي تبرَّأ منه قبيل وفاته ـ ومنها قوله: «وأنا نذير للذين يقاومون هذا الإصلاح بخطر منكر، وهو أن اللغة العربية الفصحى إذا لم ننل علومها بالإصلاح، صائرة ـ سواء أردنا أم لم نرد ـ إلى أن تصبح لغة دينية ليس غير، يحسنها أو لا يحسنها رجال الدين وحدهم، ويعجز عن فهمها وذوقها، فضلًا عن اصطناعها واستعمالها غير هؤلاء السادة من الناس» . وعلى قول طه حسين السقيم: «إن اللغة العربية ليست ملكًا لرجال الدين، ولكنها ملك للذين يتكلمونها جميعًا من الأمم والأجيال» ؛ وذلك لأن اللغة ملك الجميع الذين يتحدثون بها، ويشاركون في إثرائها بالجديد والمفيد من المصطلحات والتعبيرات، وليس كما يتخرَّص الشوباشي.

ويستدل المؤلف أيضًا بكتابات (فيليب حِتِّي) المعادية للعروبة والإسلام التي يقول فيها: «والعرب لم يبدعوا أن ينشئوا فنًا عظيمًا خاصًا بهم من الفنون المعروفة، ولكنهم عبروا عن الغريزة الفنية بصورة واحدة هي الكلام. فإن فاخر الإغريقي بما عنده من تماثيل الفن ومنشآت هندسة البناء؛ فالعربي يرى قصيدته أفضل ما يعبر عن خلجاته الداخلية» . ويتجاهل هذا الفرانكفوني أن إبداع الشعر أسمى الفنون والمواهب، وأن العرب امتازوا على أمم الأرض في هذه الملكة الني لم تدانيهم فيها أمة من قبل.

ويهاجم الشوباشي التشكيل في العربية، زاعمًا أنه السبب الرئيسي في الهوة الناتجة عن سوء استعمالها اليوم؛ متصورًا أن ذلك عيب فيها؛ بينما يؤدي الشكل إلى الإفهام والوصول إلى الإدراك بسرعة بدلًا من الإلغاز والضبابية والتشويش على المتلقي، وهو الحادث في اللغات الإنجليزية والفرنسية مثلًا.

كما يعتبر الشوباشي أن المثنى في العربية داء وبيل؛ لأنه غير موجود في اللغات الأخرى، وأنه يوقع المرء في اللبس، وهو زعم يبدو واهيًا؛ لأن التثنية شيء موجود في الواقع المعيشي، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله من حياتنا؛ فكيف نتهم لغتنا إذن بأنها غير واقعية، وهي التي تعبر عن الكائنات والأشياء بدقة سواء مفردة أم مثناة أو مجموعة.

ونصل في نهاية هذه القراءة السريعة لكتاب الشوباشي إلى أن سقطاته أدت إلى انحرافاته في الفهم، وقادته إلى الخطل، وسوء الفهم والقصد؛ لأنه قارن العربية باللغات الأوروبية المتيم بها؛ ولهذا جاء كتابه متحاملًا جدًا على لغته وتراثه ودينه، كما أنه أعاد العزف الممل لـ (سيمفونيات) مكرورة ساذجة «نشاز» عزفها من قبل سلامه موسى ولويس عوض وطه حسين، وثبت بطلانها وفسادها على مر الأيام؛ والدليل أن أسلوب طه حسين في الكتابة آية في البلاغة، والفصاحة، والتعبير الجميل؛ أما أسلوب تلميذه الشوباشي فلا يمت للعربية بأية صلة.

(*) صحفي وأديب مصري.

(1) صدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2004م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت