فهرس الكتاب

الصفحة 4881 من 5925

حوار

ماذا يجري في الجزائر؟!

حاوره في قطر: أحمد بن عبد الرحمن الصويان

هذه خطتي لوقف نزيف الدم في الجزائر

لكن متى ترى النور؟!

تشهد الساحة الجزائرية صراعًا داخليًا عنيفًا، برزت معالمه بقوة بعد إلغاء

الانتخابات في عام 1992م، ثم اشتعلت حرب ضروس قادها التيار الاستئصالي

في المؤسسة العسكرية، أدخلت البلاد في دوَّامة سياسية مضطربة، أنهكت الشعب

الجزائري وأتت على كثير من حقوقه وخيراته.

وبعد أكثر من عشر سنوات من السجن خرجت قيادات الجبهة الإسلامية

للإنقاذ، وعلى رأسها: الشيخان عباسي مدني، وعلي بن حاج، وقبيل عيد

الأضحى الماضي أعلن الشيخ عباسي مبادرته للوئام، في الوقت الذي يستعد

الجزائريون للانتخابات الرئاسية في شهر أبريل القادم.

وللوقوف على حقيقة هذه المبادرة وموقف المؤسسة السياسية منها؛ نلتقي

فضيلة الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية، ونسمع منه رؤيته في

الانتخابات، والمخرج من الأزمة التي يعاني منها الشعب الجزائري.

* ضيفنا في سطور:

وُلد الشيخ الدكتور عباسي مدني بمدينة سيدي عقبة جنوب شرقي الجزائر

28/2/1931م، بدأ تعليمه في المدرسة القرآنية، وختم حفظ القرآن الكريم في

سنوات طفولته، التحق بالمدارس الفرنسية الابتدائية لكنه طرد منها كمعظم أطفال

الجزائر القرويين، إثر ذلك تكفل بتعليمه الشيخ النعيمي في أحد مساجد بسكرة

العتيقة، كما تعلم أيضًا بالمدارس الحرة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في

عام 1963م سجَّل في الدراسات العليا لدراسة الفلسفة والتربية، واستمر في دراسته

حتى حصل على الدكتوراه درجة ثالثة، في الفترة من 1975 - 1978م انتقل

إلى لندن وحصل على دكتوراه دولة في التربية المقارنة، عاد إلى بلده مدرسًا

ومحاضرًا بجامعة الجزائر، وبدأ بعد عودته بسلسلة من الدروس والمحاضرات

والنشاطات المتنوعة والاتصال بالشيوخ والدعاة.

وحياة الشيخ - حفظه الله - حافلة بالأعمال الجليلة، مواكبة للأحداث

والتطورات التاريخية التي مرت بها الجزائر منذ شبابه إلى الآن، في كفاح مستمر

وجهد متواصل يسعى إلى تحقيق حياة إسلامية ينعم بها الشعب الجزائري المسلم،

ويعد تأسيس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أبرز المحطات والأعمال في حياة

الشيخ، حيث سعى مع الشيخ علي بن حاج إلى تأسيس الحزب، والذي فاز

بالأغلبية في الانتخابات البلدية عام 1990م، وبعد استعداد الجبهة لدخول

الانتخابات التشريعية بزعامته تم إلغاء الانتخابات، ليدخل الحزب في إضراب

سلمي، ويُعتقل الشيخان، ويصدر في حقهما حكم نهائي بالسجن 12 سنة نافذة،

لكن أفرج عن الشيخ عباسي مدني بعد 6 سنوات إفراجًا مشروطًا، ثم حُوّل إلى

الإقامة الجبرية، صار بعدها معزولًا عن عائلته التي استقرت في ألمانيا وعن

الناس وعن الأحداث، وصار تهدده أمراض كثيرة، إلى أن رُفعت عنه الإقامة

الجبرية يوم الأربعاء 2/7/2003م، ليطرح بعد ذلك مبادرته لحل الأزمة في

الجزائر.

البيان: فضيلة الشيخ عباسي مدني، بعد الانتخابات السابقة التي تدخّل فيها

الجيش، ودخلتم إلى السجن مع قيادات الجبهة، حصلت تغيرات كثيرة في داخل

الجزائر، وحصلت فتنة عريضة، هل لكم أن تحدثونا عن الذي جرى في هذه

الفترة؟

-بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم،

ورضي عن الصحابة وعن التابعين، والحمد لله رب العالمين. الحقيقة سؤالكم

الكريم يريد أن يرجع بي إلى ما يزيد على 12 عامًا، والرجوع لهذه الفترة قد يكون

مفيدًا إلى حد ما؛ لأن القضايا المستجدة كلما أردنا النجاعة والفعالية يقل اهتمامنا

بتلك الفترة، وما دامت الرغبة أن نتذكر، فلنتذكر وإن بشيء من الاختصار.

الذي حدث في الجزائر بعد الانتخابات التشريعية التي قرر فيها الشعب

الجزائري إرادته في التغيير في إطار لحظة شاملة أصيلة، في إطار مشروع

مستقبلي رسالي حضاري؛ هو توقيف المسار الديمقراطي وليس الانتخابي فقط؛

بدليل المدة التي مرت كلها، والتي دلت على أن البلاد منذ ذلك العهد ألقي بها في

محيط اليأس والبؤس والفقر والتقتيل والتشريد؛ بحيث لا مجال للمقارنة بين ذلك

وبين ما كانت عليه الجزائر إبان تلك اللحظة، وإبان تلك الصحوة، وإبان تلك

الوثبة التي وثبها الشعب الجزائري؛ مما يبين كيف أن الكيد كان خطرًا، وأنه ما

يزال يمضي بالبلاد في أعماق المجهول، وفي أغوار اليأس والبؤس، حتى صار

الشعب الجزائري الذي كان أغنى شعب في المنطقة؛ أفقر شعب في المنطقة،

وحتى صار الشعب المنتصر بنصر الله له إثر حرب التحرير التي خاضها ضد

الاستعمار الفرنسي، والتي كلل الله مسعاه فيها بنجاح تام، واسترجع استقلاله

الكامل، وسيادته على كافة ترابه الوطني؛ يلقى به في المجهول ثانية، وما يزال

على تلك الحالة.

ويلاحظ كل المؤرخين أن الشعب الجزائري ما يزال على عهده مع الله ثابتًا،

وما يزال على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم مستمرًا، وما يزال يطمح في

نهضة أصيلة تكون في مستوى قيادة إفريقيا وتلك المنطقة دون شك.

كما تعلمون أن الشعب الجزائري ابتلي باستعمار يعترف جل المؤرخين بأنه

كان وما يزال أخبث استعمار في العالم؛ لماذا؟ لأنه في الجزائر خاصة كان يركز

على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية، ولكن حرص الاستعمار الفرنسي على

القضاء حسب زعمه على الإسلام وعلى اللغة العربية في الجزائر؛ ما زاد الشعب

الجزائري إلا تشبثًا واستماتة إلى أن نصره الله واسترجع سيادته وحريته واستقلاله،

وبصفة لم يسبق أن حققها شعب ابتلي بالاستعمار من قبل ولا من بعد حتى الآن.

هذا ما جعل الاستعمار عندما عجز عن فرض سياسته الاستعمارية التي كانت

متمثلة فيما يسميه بالجزائر الفرنسية، عندما خاب وخضع للاعتراف بالاستقلال

التام والسيادة التامة للشعب الجزائري؛ لجأ إلى المكر والخديعة، فاعترف

بالاستقلال لكنه لم يترك القرار السياسي في يد الشعب، بل وضعه في يد عملائه،

وضعه في يد عملائه الذين تكفلوا بما كُلفوا به للقيام به في فترة ما بعد الإعلان عن

الاستقلال الجزائري استقلالًا تامًا، والمتمثل في النظام الذي استُجلب واستورد

وفُرض بطريقة الخداع بطريقة العناصر، العناصر التي تسربت من الجيش

الفرنسي في جيش التحرير وسرعان ما استولت على قيادة جيش التحرير، وما أن

جاء الاستقلال حتى استولت عن طريق الانقلاب الذي حدث أولًا، حتى قبل عودة

المهاجرين إلى الجزائر؛ أعني في طرابلس سنة 1962م، استعمل الانقلاب الأول

على الحكومة المؤقتة الجزائرية التي فاوضت فرنسا على الاستقلال، وكان يرأسها

بن يوسف بن خدّة - رحمه الله -.

إذًا تلاحظون أن الانقلاب وقع من أجل أن يكون القرار في يد عملاء فرنسا،

وكان كذلك في عهد بومدين ثم استمر إلى اليوم، إذًا الجزائر استقلت واعتُرف

باستقلالها، الجزائر استرجعت سيادتها، الجزائر صارت دولة، ولكن النموذج

الذي حاربت من أجل تحقيقه والمتمثل في نداء أول نوفمبر 1954م لإقامة دولة

حرة مستقلة ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، هذه الدولة هذا النموذج الذي

حُدد في نداء أول نوفمبر كان هو منطلق ثورة التحرير الوطني، هذا النموذج جُمّد

ووضع موضعه النظام الاشتراكي العسكري الاستبدادي الذي أقل ما يقال عنه إنه

خليفة الاستعمار، وبالفعل أوغل بالجزائر في التخلف وفيما آلت إليه إلى هذه

الساعة.

هكذا ترون كيف أن الشعب كافح من أجل نموذج لدولة جزائرية حرة مستقلة

ذات سيادة، تحترم الحريات الديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية، هذا

المشروع الذي له أكثر من معنى من حيث الأصالة، ومن حيث أنه كان موضع

إجماع من الشعب الجزائري؛ يؤجل ويجمد إلى الساعة، لم يتحقق هذا النموذج بل

أتي ببديل له هو الحكم الاشتراكي العسكري.

من هذا الواقع الأليم يمكن للمؤرخ أن يستنبط جميع ما يمكن أن يترتب على

مثل هذا المسعى المخيب للآمال، آمال شعب أبلى البلاء الحسن طيلة قرن ونصف

وهو يواجه الاستعمارالفرنسي دون هوادة، لكن شاء الله أن جعل إرادة الشعب قوية

على الرغم من كل الذي حدث في عهد الاستعمار والذي حدث أيضًا في هذا العهد،

فإن الشعب الجزائري ما يزال ثابتًا على دينه، ما يزال مستمسكًا به أشد الاستمساك

ولن يرضى به بديلًا، من أجل ذلك بقي الشعب الجزائري قويًا وما يزال ذا طموح

وذا آمال وذا استعدادات قوية لفرض وجوده، فهو كما خرج من بلية الاستعمار

التقليدي منتصرًا؛ إن شاء الله سيخرج أيضًا من بلية الاستعمار الحديث منتصرًا إن

شاء الله.

البيان: كما أن أبناء فرنسا قطفوا ثمرة مواجهة الاستعمار، كذلك في

الانتخابات السابقة جاء أبناء فرنسا وقطفوا ثمرة الانتخابات، وأعادوا المنطقة إلى

أتون الصراع السياسي والعسكري، وحدثت في هذه الفترة مجازر كثيرة وكثر

الخلط واللبس، فمن المسؤول عن هذه المجازر التي تستهدف المدنيين بكل

وحشية؟

-سؤالكم يحمل كل أبعاد المأساة، في مختلف أشكال التضليل والمكر

والخديعة، إلى درجة أنهم جعلوا من الضحية المجرم، يذبحون القتيل ويتهمونه

بالجريمة!

أخي الكريم! الآن الأمور اتضحت، والمكايد انكشفت، ولم تعد ثمة أي

صعوبة كي نتكلم في هذا الباب بالوضوح الذي لا يترك أي مجال للشك؛ حيث إن

الضباط الذين عاينوا هذه الأحداث وعايشوا هذه المأساة انفلتوا من قبضة الجيش

وخرجوا للخارج وكشفوا ما حدث، مثل الضابط (سويدية) في كتابه(الحرب

القذرة)، فقد بيّن كيف كان الجنود المخصصون لمثل هذه المذابح يخرجون من

الثكنات، وكيف يلبسون لباسًا أفغانيًا أو ما شاكله، ثم يُغيرون على الأماكن المحددة

مسبقًا، وماذا يفعلون بها من مجازر، حتى إنهم يأخذون الصبي الصغير ويشوونه

على النار، هذه الحقيقة ما ذكره الضابط سويدية، ثم ضباط آخرون جزاهم الله كل

خير عندما خرجوا من الجزائر قدموا اعترافات وبينوا بالأدلة القاطعة ما فعلته هذه

الأيدي الآثمة المجرمة الوحشية بالجزائر في هذه الفترة، من أولئك العقيد سمراوي،

الذي كان قد وعد بنشر كتاب يفضح فيه هذه الجرائم، وسمعت أن الكتاب قد نشر

الآن، ويوجد في الأسواق على ما أعتقد باللغة الفرنسية.

إذًا هذه الأمور صارت مفضوحة الآن، ولا تحتاج إلى جهد كبير لإظهار هذه

المآسي وهذه الجرائم، في الحقيقة باختصار شديد نطرح السؤال: لِمَ حدث وما

يزال يحدث؟ كل الذي حدث من الجرائم في حق الشعب الجزائري، ماذا فعلوا بعد

أن أوقفوا المسار الديمقراطي مسار الانتخابات وحرموا الشعب من استعمال قراره

السياسي في صالحه والتصرف في ثرواته وفي مجالات سيادته؟ الجواب صار لا

يحتاج إلى دليل، عندما زعموا أنهم منعوا من أسموهم بالإسلاميين من الوصول

للحكم لأنهم إن وصلوا للحكم لا يتركونه، ثم ماذا فعلوا في هذه المدة كلها؟ لو أنهم

بنوا الجزائر في هذه العشرية كما كان المشروع الذي أعده المسلمون لهذه الفترة

للنهوض بالجزائر حضاريًا ورساليًا! ماذا فعلوا؟ لو أنهم بنوها لقلنا لهم الحق في

الكلام، لكن ماذا فعلوا؟ لقد زادوا الشعب فقرًا، وزادوا الشعب تقتيلًا، وزادوا

البلاد هدمًا وتخلفًا وبؤسًا إلى الدرك الأسفل الذي لم يشهده حتى في عهد الاستعمار

الفرنسي المباشر! لذلك الحقيقة أخي الكريم هذه المأساة من قام بها ومن دبرها ومن

يزال يعمل حتى الآن على استمراريتها واضح.

البيان: لكن ألم يتورط بعض المتسرعين من أبناء الحركة الإسلامية في

شيء من هذه المجازر؟

-والله يا أخي الكريم يأتي متسرع كما يقولون ويشعل عود ثقاب فيشعل

بركانًا! هذا غير معقول، البركان اشتعل ولا يمكن أن يُشعله عود ثقاب، البركان

هو بركان معد، وتفجيره هو تفجير في وجه نهضة أمة، وفي وجه مشروع عالمي

رسالي عظيم.

أخي الكريم! الناس يدَّعون ولهم أن يدعوا، ولكن هناك منطق، هناك علم

يسمى بعلم التاريخ يحتاج إلى أدلة يحتاج إلى براهين يحتاج إلى منطقية تجريبية

تاريخية. كل هذه المزاعم باطلة باطلة تمامًا، بطلان مزاعم الكفر والإلحاد طيلة

صراعها مع الحقيقة الرسالية الربانية القرآنية، الحمد لله.

البيان: لكن ألا توجد جماعات مسلحة تنتمي إلى الحركة الإسلامية موجودة

في الساحة؟

-الحركات الإسلامية التي تسمعون عنها أغلبها.. حتى أخيرًا في الأيام

الأخيرة في اليوم الذي كنت أنا قادم فيه من جدة إلى الدوحة في الطائرة؛ وجدت

صحيفة الحياة اليومية اللندنية، وجدت فيها ما ادعى بأنه تقرير عن نشاط حركات

الدعوة السلفية التي في الجبال، تبين أن هذه الحركة هي الأخرى سطوا على

قيادتها الحقيقية، وأُتي بقيادات أخرى لتقودها، كما فعل غيرها بما يسمى

بالحركات الإسلامية المسلحة، كما فعل (الزوابري) ، وكما فعله (زيتوني) ،

وما فعله غيرهما.

البيان: تعني أن الحركات المسلحة اخترقوها؟

-أغلبها أغلبها بنسبة عالية تمامًا، هي الآن مخترقة، وهي الآن تعمل وفق

المخطط الذي يريد أن يبقي الجزائر تشتعل بنار الفتنة التي أشعلوها منذ حادثة

1992م، أخي الكريم! تلك المزاعم باطلة.

البيان: لكن هذه الفتنة التي حدثت في الجزائر خلال الثنتي عشرة سنة

الماضية؛ ألم تؤثر على قاعدة الحركة الإسلامية في الجزائر؟

-القاعدة الإسلامية هي من الشعب الجزائري المسلم، مائة في المائة،

الشعب الجزائري كما قلت لك عانى من أجل الإسلام منذ ما يزيد عن قرن ونصف،

وما زاده ذلك إلا صلابة في دينه وثباتًا عليه، فهذه المزاعم لا تستطيع أن تغير

الحقيقة التي تتمثل في رغبة الجزائر في النهضة بسيادتها وحريتها واستقلالها من

أجل تشييد قطرها وعمرانها؛ بدءًا بتشييد دولتها على أحسن ما يكون عليه القوام،

وعلى أحسن ما تكون عليه الشرعية والمشروعية، المشروعية العقائدية والشرعية

القانونية الوضعية التي ينجح الشعب الجزائري في تأسيسها كدولة تتمتع بكافة

شروط الوجود؛ من حرية واستقلال وأمن واستقرار بإذن الله، هذا الهدف هو الذي

يشغل بال كل راشد وكل عاقل وكل مسلم في هذا البلد، ولئن أرادوا أن يمنعوا أو

يحرموا الشعب الجزائري من تحقيق هذا المبتغى؛ فإنهم لا شك - إن شاء الله -

خائبون في مسعاهم، فكل ما يحدث من أحداث هو فقط للحيلولة دون ترك الشعب

الجزائري يبني هذه الدولة التي حلم وجاهد من أجل تحقيقها.

البيان: بعد أن حُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وزج قادتها وكثير من

قواعدها في السجون؛ هل ترون أن قاعدة الجبهة انحازت إلى الحركات الأخرى

الموجودة في الساحة الإسلامية وتركت الجبهة بعد ذلك؟

-والله! هذا أمر لا يهمنا كثيرًا، المهم هو أن تبقى الجبهة جبهة القضية

الجزائرية، جبهة الحق، جبهة الجد في الحق والصواب فيه، الناس يتغيرون،

الناس يموتون، ولكن الحق يستمر، والحركة التي ثبتت على الحق تستمر

باستمرار الحق، هذا بالتجربة التي عشناها ما يزيد عن نصف قرن من مواجهة

الاستعمار، وما يزيد عن قرن ونصف في مواجهة الاحتلال الاستعماري الفرنسي،

تبين أن الأمر يتعلق بصدق الموقف، والتعامل مع المنهج القويم المناسب للمبدأ

الشريف الذي هو تحرير البلاد، الذي هو احتضان الشعب في محنته، والذي هو

قيادة الشعب من أجل نهضته، هذا المسعى هو الذي ينجح، هذا المسعى هو الذي

سيحقق الله له وبه النصر بإذن الله إن آجلًا أو عاجلًا.

البيان: لبثتم - حفظكم الله - في السجن أكثر من عشر سنين ثم خرجتم،

خلال فترة السجن كان هناك انقطاع وعزلة عن الشعب الجزائري، ما الذي تغير

بعد خروجكم؟ كيف وجدتم الشباب الجزائري بعد هذا الانقطاع؟

-سؤال مهم جدًا، هذا الذي كان يُظن قبل أن نخرج إلى الشارع ونذهب إلى

المساجد، لكن الحقيقة كذّبت هذه المزاعم تمامًا، ثق أخي الكريم! أننا لم نجد شيئًا

من الضعف فيما تركناه خلفنا بل العكس وجدنا العزيمة، ووجدنا الروح الفياضة

الوثابة في المجتمع الجزائري، إذا لم تكن أقوى ليست أقل من تلك التي تركناها

قبل أن ندخل السجن، هذه هي الحقيقة، ويشهد بها كل من ذهب إلى الجزائر

وشاهدنا عندما ندخل المسجد أو نمشي في الشارع أو ندخل السوق، أو عندما كنا

في موسم الحج، كلما كنا نلتقي بالجزائريين استقبلونا بحرارة وشوق عجيب لا

يمكن أن يترك المرء يشك في هذه الروح القوية التي ما يزال المجتمع الجزائري

يعيشها ويتمتع بها، ولله الحمد، «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع

وانفصل» ، سبحان الله تتجلى لك هذه الأسرار وتعيشها، رغم أننا في موقف

حرج لا أخرج من البيت إلا وتمشي معي ست سيارات من الشرطة ليرهبوا الناس،

لكن ذلك لم يؤثر فيهم شيئًا، والغريب هناك أطفال ولدوا بعدما سُجنّا يجرون

وراء السيارة: الله يحفظك يا شيخ، الله يحفظك، الله يحفظك ... ، هذا في

الجزائر العاصمة، وكذلك الأمر بعدما انتقلت إلى البليدة وإلى شرشال وإلى ناحية

دلّس، حيثما ذهب المرء يجد هذه الروح، اطمئن أخي الكريم.

البيان: هذا على مستوى الثبات العاطفي، لكن ماذا على مستوى الوعي

السياسي والوعي الفكري بمجريات الأحداث؟ هل تشعر بأن هناك نموًا في هذا

الوعي؟

-والله! حجمتموه في نطاق عاطفي، وإن كنت لا أوافقك على ذلك؛ لماذا؟

لأن العاطفة انطباع، والعقيدة مكمنها العقل والوجدان، لو لم تكن عقيدة راسخة،

لو لم تكن إرادة ثابتة، لو لم تكن وجدانًا يتأجج بإرادة الحق والرغبة فيه

والاستمرار عليه؛ لما دعا الأمر إلى كل هذا الثبات بعد كل الذي جرى وبعد كل

الذي يجري، وطيلة كل هذه المدة. المواقف الانطباعية لا تدوم أخي الكريم،

المواقف الانطباعية لا تثبت فهي تتأرجح، فهي تتغير، لو كانت كذلك لانتهى كل

شيء، وهذا ما كانت تعتقده فرنسا، كانت تظن أن الإسلام في الجزائر هو عاطفة

وانطباع، ومن أجل ذلك صبت جام غضبها على الشعب الجزائري بكل أنواع

الأسلحة، التجهيل والتفقير والتضليل والتشتيت إلى غير ذلك والتهجير، ولكن ما

زاد السياسة الاستعمارية إلا وبالًا وضياعًا، إلا دليلًا قاطعًا على أن الإيمان لا

تزعزعه هذه الأمور، إيمان الشعب الجزائري معروف، شهد بذلك المؤرخون،

حتى المؤرخون الفرنسيون الموضوعيون المعروفون.

البيان: فضيلة الشيخ، أحداث الجزائر وانعكاساتها الداخلية هل أثرت في

الحركة الإسلامية في تقديركم في خارج الجزائر، بمعنى أن الحركات الإسلامية

كيف نظرت إلى أحداث الجزائر وتجاوبت معها؟

-كثير من الحركات الإسلامية ضُللت في العالم، سواء كانت في البلاد أو

في خارجها، الحقيقة ضُللت تضليلًا كليًا، بحيث نجد أن القضية الجزائرية منذ بدء

الغزو الفرنسي للجزائر لم تُظلم ظلمها في هذه الفترة، كأن وسائل الإعلام المحلية

والدولية كلها شكلت حصارًا على ما يحدث في الجزائر، وتكالبت كلها لتضليل

الناس، الرأي العام الدولي ضُلل، أما الرأي العام المحلي، أما الشعب الجزائري

بحكم خبرته بحكم تجربته؛ لم يُضلل وما يزال والحمد لله ثابتًا ثبات جباله الشم

جبال الأطلس والصحراء.

البيان: لكنني لا أشير إلى الرأي العام العالمي، ولا أشير إلى الرأي العام

العربي، وإنما أشير تحديدًا إلى الحركات الإسلامية التي تؤمن من حيث الأصل

بالأهداف التي تؤمن بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، يعني كيف كانت رؤيتها لهذه

الأحداث؟

-أرجوك أن تعفيني من الحكم على ما وقعت فيه الحركات الإسلامية، وعلى

الابتلاء الذي ابتُليت به في هذه الفترة، هي أمام امتحان صعب جدًا، ويُخشى عليها

من الله، ويخشى عليها من التاريخ.

البيان: فضيلة الشيخ، ننتقل إلى محور آخر، وهو محور المبادرة الشعبية

التي طرحتموها قبل شهر تقريبًا على الشعب الجزائري، كانت هذه المبادرة جريئة

على الرأي العام الوطني والعالمي، فلعلكم تعطون فكرة عن هذه المبادرة؟

-تتلخص المبادرة في أمرين رئيسيين:

أولهما: إنهاء المحنة، بمعنى وضع نهاية للمأساة بتوجيه نداء لتوقيف وسائل

العنف؛ بدءًا بتوقيف القتال، ثم على السلطة هي الأخرى توقيف ما تقوم به من

العنف بأشكاله تدعيمًا لنداء وقف نزيف الدم في البلاد، ثم رفع حالة الطوارئ،

بحيث لا يخشى الناس الذين ينزلون من الجبال من أن يكونوا فريسة لعنف السلطة،

كذلك لا بد من إصدار عفو عام رئاسي يشمل جميع المعتقلين الموجودين في

سجون البلاد، وإعادة الأحياء المختطفين إلى ذويهم سالمين بما هم عليه إن كانوا

من المصابين بأذى، مع السماح كذلك للمهاجرين الذين فروا حتى لا تمتد إليهم يد

الشر والظلم يد الاعتقال أو الاختطاف أو التقتيل إلى غير ذلك، ثم بعد ذلك إن أدت

السلطة ما عليها نكون قد وضعنا نهاية للمأساة؛ مما يجعلنا قادرين على حل الأزمة

والتي كانت هي السبب في كل شيء.

وكذلك مشروع مباشر في تغيير النظام الذي أفضى بالبلاد إلى هذه المآسي:

والذي بلغ به حد الفساد مبلغًا لم تبق فيه مؤسسة سالمة قادرة على أن تؤدي المهام

في مختلف مصالح الدولة، وفي مختلف مصالح الأمة، وبناء على ذلك الفساد الكلي

الذي عم أرجاء السلطة والحكم؛ قدَّمنا البديل في ضوء المآسي التي حدثت منذ سنة

1962م، منذ بداية زرع بذور هذا النظام الذي خلف الاستعمار، وأفضى بالبلاد

إلى ما هي عليه من التخلف بكل أبعاده، وعلى مستوى أعمق مشكلاته وتناقضاته.

إذًا المبادرة قدمت النموذج الذي يكون في مستوى طموحات الشعب الجزائري

وأجياله المستقبلية على مدى قرن من الزمن في المستقبل إن شاء الله، لتكون

الجزائر في طلائع الأمم الناهضة بما وهبها الله من إمكانات بشرية ابتداء، ثم

طبيعية ينهض بها القطر الجزائري من ثروة طبيعية متنوعة، مع الموقع

الاستراتيجي من إفريقيا ومن أوروبا في آن واحد، ومن موقع بين العالمين؛ العالم

العربي، والعالم الإسلامي والتي تنتمي إليه بالأصالة من حيث هي بلد الإسلام دار

الإسلام، من حيث هي شاركت في نهضة أمة الإسلام منذ أن وصل إليها عقبة بن

نافع - رضي الله عنه - وإخوته الفاتحون الأبرار.

هكذا نقدم هذه المبادرة كحل جذري للمعضلة الجزائرية فيما بعد الاحتلال

الفرنسي وبعد اعتراف فرنسا بحق الشعب الجزائري، واسترجاع سيادته كاملة على

كافة ترابه الوطني، وطن واحد وشعب واحد يدين بدين الرب الواحد.

هكذا إذًا قدمت هذه المبادرة في ضوء المحنة وفي ضوء الأزمة وفي ضوء

التجربة من جهة، وحسب تطورات العالم في القرن الجديد.

البيان: لكن هل هذه المبادرة تمثل عباسي مدني أو أنها تمثل الجبهة

الإسلامية للإنقاذ؟

-بطبيعة الحال المبادرة تعالج قضية الشعب الجزائري في المستقبل القريب

والبعيد، ومن ثم لا يمكن أن تكون مبادرة شخص، كذلك لا يمكن أن تكون مبادرة

حزب، فهي تتجاوز حدود الزعامة الفردية، وتتجاوز حدود الزعامة الحزبية

والحركية، بل هي مبادرة الشعب الجزائري، قدمت للشعب الجزائري، وعلى

الشعب الجزائري مسؤولية كل المسؤولية كي يتجاوب معها بالقدر المطلوب من

حيث العبقرية، ومن حيث الإرادة المغيرة الواعية التي تكون في مستوى مستجدات

عالم القرن الجديد.

البيان: يعني هذا: أن هذه المبادرة عُرضت على قيادات الجبهة في الداخل

والخارج وتبنوها، ثم أيضًا عُرضت على بعض قيادات الحركة الإسلامية والشعب

الجزائري واتفقوا عليها ثم اطلقت؟

-لا؛ بل عُرضت على الشعب الجزائري، عُرضت على كل من كان له

استعداد لكي يدرسها ولكي يقبل ما فيها مما يقبله ويرفض ما يراه جديرًا بالرفض،

هي مشاركة عامة مفتوحة، لم تُترك لتحتكر لطرف ولا لشخص؛ لماذا؟ لأن الحق

حجة على الناس ولا يمكن أن يكون الناس حجة على الحق، فالحق يجمع من يريده

ويفرق من لا يريده، فنحن ننشد ليس الناس بل رب الناس، فنحن غايتنا ليس أن

تقنع الناس وإنما نقدم للناس ما يقنعهم إن كانوا على صواب، إن كانوا يريدون

الخير للناس جميعًا ولأمة الإسلام ولبلاد الإسلام والتي منها الجزائر، إذًا المعيار

ليس هو الناس، ومتى كان الحق معيارًا يخضع للناس؟! وإنما الناس هم الذين

بمنطقهم بعلمهم بنواياهم يقاسون حسب تجاوبهم واستجابتهم للحق.

البيان: هناك من الناس من يذكر أن أحد مفاتيح حل الأزمة الجزائرية هو

موقف الشيخ علي بن حاج؟

-إن شاء الله نعم.

البيان: فهل الشيخ علي على وجه التحديد موافق على هذه المبادرة

ومتبنيها في داخل الجزائر؟

-والله! هذا يُستحسن أن يوجه للشيخ علي بن حاج، أما علمه بها فأكيد،

ورأيه عليها أكيد، تبقت الإجابة، ما دام حرًا وما دام حيًا يرزق زاده الله إن شاء

الله حياة وصحة وعافية؛ فالأحسن أن يُوجّه إليه السؤال.

البيان: كيف نظرت المؤسسة العسكرية في الجزائر إلى هذه المبادرة؛ هل

ظهر شيء من التجاوب أو ردود الفعل في المؤسسة العسكرية أو في المؤسسات

السياسية في الجزائر؟

-الحقيقة في البداية هناك تعبير بالاستعداد للتجاوب مع المبادرة إلى أيام بل

إلى شهور بعد خروجي من الجزائر، والورقة عندما أُعدّت بشكلها شبه النهائي،

وإن كانت هي ما زالت تقبل التغيير والتطوير حتى تكون محل إجماع إن شاء الله،

أُرسلت إليهم عن طريقهم، ولكن مع الأسف ونحن لا نلومهم قد أنكروا وصولها

وجحدوا اطلاعهم عليها، وبالتالي ما لم يعلنوا رأيهم للاتفاق كما سبق أن وعدوا؛

فلا داعي لتحميلهم ما لا يتحملون، فهم مسؤولون.

والظاهر أن السلطة بقيت مهتمة فقط بالانتخابات، والحقيقة هنا يقف العاقل

وبوسعه أن يتبين الأمور؛ إذا كانت البلاد منذ 12 عامًا وهي غارقة في الدماء،

يُقدَّم حلٌّ على هذا المستوى من الشمولية والوضوح والنداء؛ بدءًا بتوقيف القتال

وسائر أمور العنف بما في ذلك عنف السلطة، ثم السلطة لم ترد عليه بشيء إلا

التركيز على الانتخابات فقط؛ ألا ترى أن في هذا دلالة على أن همّ السلطة ليس

هو إيقاف القتال، أن همها ليس إيقاف النزيف الدموي، أن همها ليس وضع حد

لهذه المآسي المريرة التي يعيشها الشعب الجزائري في كافة أجزاء القطر الجزائري،

إذا كان همها في هذا الأمر لا شيء؛ ألا يكفي هذا دلالة على أن أمر السلطة ما

زال لم يتغير، ما زالت على حالها تريد بقاء الحال على حاله!

البيان: لكن بعض اللائكيين من المفكرين والصحفيين يقولون إن هذه

المبادرة تفتقر إلى جدية، وإنما هي ورقة انتخابية جاءت في هذا التوقيت من

أجل أن تدعم الحركة الإسلامية في العام الانتخابي القادم؟

-هذا بعيد عن الواقع، أولًا نعتبر أي انشغال عن هذا الأمر بأي شيء آخر

كالانتخابات ما هو إلا موقف منحرف يطمح دائمًا إلى إبقاء الحال على حاله لكي

تبقى دار لقمان على حالها، وهذا هو الناتج عن الانتخابات، ليس هو التغيير، هل

هذه الانتخابات هي التي ستضع حدًا لهذه المآسي؟ الجواب لا، ما دام لا؛ إذًا ما

مبرر هذه الانتخابات وهي تُجرى في حالة الطوارئ، وهي تُجرى والشعب يعاني،

الحقيقة الأمور واضحة، لم ندع لحزب ولا لشخص من هؤلاء الذين نعتبرهم بكل

صراحة إن تورطوا في أمر الانتخاب أبعد ما يكون عن الصواب المفضي إلى

وضع نهاية لهذه المحنة، ومن أجل إخراج البلاد من هذه الأزمة الحادة التي

صارت تهدد كل مكاسب الشعب الجزائري بالضياع.

البيان: لكن لو أن السلطة لم تستجب لهذه المبادرة كما يبدو في هذه الأيام؛

هل ما زلتم مصرين على الدعوة إلى وقف إطلاق النار من طرف واحد، يعني

هل أنتم مصرون على دعوة الشباب إلى وقف أعمال العنف في هذه المرحلة؟

-الحقيقة المسألة كلية، وجّهنا المبادرة لجميع الشعب الجزائري بما فيه

السلطة وما فيه الأحزاب وما فيه الإخوة في الجبال، ولا يمكن أبدًا أن نرى أن

المسلك الجزئي يفيد في هذا الأمر، نحن لا نستطيع أن نحمل الناس ما لا يتحملون،

فإذا كانت السلطة ما زالت تتابعهم، وإذا كانت ما زالت تحمل السلاح وهي تغطي

أوسع رقعة في البلاد جبالًا وسهولًا شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا كافة التراب الوطني،

الآن السلطة هي التي تقوم بكل أعمال العنف حتى ضد الجندرمه وضد العسكر

أنفسهم، إذًا فالمسؤولية واضحة؛ من جهة هي على الدولة بل على السلطة حتى

نكون أكثر دقة، ثم على الشعب الجزائري، الآن الشعب الجزائري هو المطالب

بأن يضع حدًا لهذه المأساة، وهو مسؤول أمام الله، ثم مسؤول أمام التاريخ،

مسؤول أمام أجياله المقبلة، وبلاده صارت في خطر، يهددها الاستعمار مرة أخرى،

إذًا على الشعب الجزائري أن يقف الموقف المطلوب كما هو معهود ومعروف في

التاريخ.

البيان: لكن هل يظن فضيلتكم بأن السلطة حينما تنتهي في الأزمة الانتخابية

سوف تلتفت من جديد إلى هذه المبادرة؟

-أخي! السلطة ما ركبت صهوة جواد الانتخابات إلا لكي يبقى الحال على

حاله، وبالتالي لا يُرجى من السلطة خير أبدًا، إلا ما شاء الله.

البيان: إذًا على من تعولون في هذه المبادرة؟

-على الله، ثم على الشعب الجزائري المعني بالأمر، السلطة الآن في

وضعية الميؤوس منها، ونسأل الله أن يكون العكس،[قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ

صَادِقِينَ] (البقرة: 111) ، فالباب مفتوح، باب الخير لن يُغلق أبدًا لا للسلطة

ولا لغيرها.

البيان: لكن إذا لم تتجاوب السلطة مع هذه المبادرة ستبقى هذه المبادرة

مجرد رأي من الآراء التي تطرح ثم يقف الأمر عند هذا الحد؛ أليس كذلك؟

-لا يا أخي الكريم! المبادرة ليست رأيًا، المبادرة حل، كالدواء إذا ثبت

المرض وعُلم بحقيقته وحيثياته وعُرف دواؤه؛ أصبح الأمر منتهيًا أراد المريض أن

يُشفى أو لا، أراد الطبيب أن يعالجه ليُشفى أو لا، هذه أمور تبقى للمستقبل، هكذا

رفضت فرنسا استقلال الجزائر، وهكذا قاومت فرنسا فكرة استقلال الجزائر طيلة

أكثر من أربعين عامًا ثم انتهى الأمر في النهاية إلى أن اعترفت بالجزائر، فجحود

الذي لا يريد للشمس الظهور لا يمنع الشمس من الظهور، هذا الشعب له حقه في

البقاء، حقه في الوجود، وحقه في السلم، وحقه في الأمن، وحقه في الحضارة

وحقه في الرسالة، وحقه في الكرامة، لا يمكن بحال أن يهضم ما دام له طالب، ما

ضاع حق وراءه مطالب، كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه.

البيان: ننتقل - حفظكم الله - إلى العملية الانتخابية، الآن الجزائر مقبلة

على مسار ديمقراطي جديد؛ فهل ما زلتم مؤمنين بالعملية الانتخابية في داخل

الجزائر؟

-والله! قلتم مسار ديمقراطي جديد، المسار الديمقراطي أوقف ولو ترك

على الشرعية لحلت المشكلة، إذًا الإشكالية هي هنا أن السلطة لا تريد أن تكون

هناك ديمقراطية حقيقية تساعد على إرجاع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي

للشعب الجزائري، هي تريد أن تحتفظ به هي ومن يستفيد منه في الخارج، وهذا

هو عمق الإشكالية، السلطة لا تريد أن يسترجع الشعب الجزائري قراره السياسي

وقراره الاجتماعي وقراره الاقتصادي كي يتصرف في أمره، السلطة تريد أن يبقى

الشعب الجزائري مستقلًا شكليًا ولكنه مستعمر حقيقيًا، هذا الذي سعت إليه وما

زالت تسعى إليه ما استطاعت، لكن إلى متى؟ إلى متى يدوم هذا الظلم؟ إلى متى

يدوم هذا الجور؟ إلى متى يقبل الشعب الجزائري استمرار هذا الوضع؟ هذه هي

الأسئلة الجادة التي يمكن أن تُطرح، وهي مطروحة إن لم تكن بلسان المقال

مطروحة بلسان الحال.

البيان: إذًا ما هدف السلطة من هذه الانتخابات؟

-لكي يبقى الوضع على حاله، لكي تجد في وجه الرأي العام الدولي

والعربي والإسلامي والمحلي؛ تجد مبررات شرعية شكلية وهمية فقط لا غير.

البيان: في داخل الجزائر هناك من يتحدث عن ضرورة دعم موقف الرئيس

عبد العزيز بوتفليقة على وجه التحديد، على اعتبار أنه من أنظف السياسيين في

هذه المؤسسة الجزائرية، ودعمه ربما يساعد في تطوير مرحلة الوئام الوطني؟

-والله! يا أخي، هذا سؤال يخرج بي عن المنهج.

أولًا القضية ليست قضية شخص، لو كان الأمر عائدًا للرئيس عبد العزيز

بوتفليقة لانتهى الأمر، أنا لا أعتقد أن الرئيس يتواطأ ويرضى ببقاء الجزائر على

هذه الحال وهو قادر على تغيير الوضع، عبد العزيز بوتفليقة لم يستطع أن يحقق

ما كان يريده وما كان قد وعد به ليحققه، ولن يستطيع ما بقي الوضع على هذه

الحالة أبدًا لا هو ولا غيره، الأزمة لا بد أن تحل بإرادة شعبية عامة، يجتمع فيه

أو عليه كافة أو أغلب الجزائريين، ما لم يقف الجزائريون مثل وقفتهم أمام

الاستعمار الفرنسي، ما لم يقفوا هذا الموقف مستحيل أن تستطيع الجزائر أن تخرج

من هذه الورطة.

البيان: لكن هناك من يقول إن تحالف التيار الإسلامي مع التيار الوطني ربما

يكون من أفضل الخيارات التي تنتظر الجزائر لقطع الطريق على التيار الاستئصالي

اللائكي؟

-الحقيقة؛ ما لم يعد الأمر لمحورية التاريخ علام يتفقون؟ إن كان الاتفاق

على التغيير تفضلوا! [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (البقرة: 111) ،

أنا في هذا الأمر سامحني لا أفرق بين هذا ولا ذاك، المعيار كما هو الشأن في

العراق البحث عن استعادة سيادة العراق للعراقيين، دولة بدون سيادة لا معنى لها،

كذلك الجزائر اليوم دون أن تعود السيادة للشعب الجزائري، دون أن يعود قرارها

قرار السيادة للشعب الجزائري؛ بحيث يصبح هو المتصرف في أموره في مصالحه

في ثرواته في إمكانياته البشرية والطبيعية؛ لا يمكن للجزائر أن ترى خيرًا أبدًا إن

بقيت على هذه الحال، هذه الحقيقة أخي الكريم.

البيان: لكن الآن بعض الحركات الإسلامية تحضّر بقوة للخوض في هذه

الانتخابات؟ هل تتوقع أن يحققوا مكاسب تُذكر في هذه المرحلة؟

-إن لم يستقم الإسلاميون على قاعدة العقيدة الحقة، وعلى قاعدة الشرعية

العادلة؛ يتحولوا إلى أشرار مهما كان اسمهم، والله! لا أرى في هذه المساعي غير

السوية غير القائمة على المنهجية الشرعية كما جاءت في القرآن الكريم والسنة

النبوية بوضوحها ولا الشرعية الدولية المتعارف عليها، ما لم تكن الأمور في هذه

الأطر الواقعية الموضوعية العلمية والمنطقية التاريخية الشرعية؛ فكل ذلك يبقى في

نطاق العبث، والذي لن يزيد الأمور إلا فسادًا، ولن يزيد الأزمة إلا تعقيدًا، ولن

يزيد الزمن إلا ضياعًا.

البيان: من أبرز المرشحين في الحركة الإسلامية للخوض في الانتخابات

الشيخ عبد الله جاب الله؛ فهل تتوقعون أن يكون له دور فاعل في مثل هذه

الأحداث؟

-لا أبدًا، لا جاب الله ولا غيره، على احترامي له كأخ، لكن إنْ أحترم

جاب الله أحترم الحق أكثر، والصواب ألزم، لن يغير شيئًا أبدًا لا جاب الله ولا

غيره ما بقي الحال؛ لماذا؟ لأن المنطق يقول لا يمكن أن تتغير النتائج ما لم تتغير

مقدماتها، فإذا بقيت المقدمات، كيف يمكنك أن تتوقع تغيير النتائج!

البيان: لكن المؤسسة العسكرية أعلنت بأنها لن تتدخل في تغيير المسار

الديمقراطي في هذه المرة، وذكر هذا على لسان الركن محمد العماري؟

-الحقيقة نتمنى أن يكون هناك شيء من الصدق في هذه الأمور. ولكن

شتان بين الحقيقة وبين المزاعم، فالعسكر ليس كل الجيش، ولكن هذه القيادة ومن

بينها الذي ذكرتم الآن هم الذين يعملون على بقاء الوضع على حاله بأي طريقة

كانت، وما الانتخابات إلا لعبة من لعبتهم.

البيان: إذًا أنتم ترون أن مصلحة الشعب الجزائري في مقاطعة هذه

الانتخابات؟

-الشعب الجزائري ينبغي له أن يعرف، وهو يعرف ما ينبغي أن يفعله،

يعود الأمر بعد الله إلى الشعب الجزائري، لا بد من أن يفكر ليس فقط في مقاطعة

الانتخابات في تغيير الوضع كلية.

البيان: لكنه سوف يستخدم العملية الديمقراطية في تغيير هذا الوضع!

-أبدًا اللاديمقراطية وليس الديمقراطية، الديمقراطية تتطلب الشرعية، وأين

هي الشرعية لهذه السلطة؟ كيف يمكن أن تكون انتخابات مشروعة وشرعية تحت

طائلة حالة الطوارئ؟ وأنتم تعلمون أن الانتخاب بيعة ولا بيعة لمكره، فهي باطلة

من أساسها.

البيان: إذًا أفهم أنك متشائم من نتائج العملية الانتخابية، وأن الحل ليس

في العمل الديمقراطي وإنما في صورة جديدة من صور العمل السياسي؟

-لا، يا أخي الكريم، بل هذه واقعية تاريخية مبنية على أدلة مشروعة

معقولة، أنا لا حق لي بأن أتدخل في الأمر، أن أكون انطباعيًا تشاؤميًا أو تفاؤليًا،

لا محل للتشاؤم ولا للتفاؤل في هذا الباب، اسمح لي! قبل كل شيء فأنا دارس،

دارس لهذا الميدان على مستوى علم التاريخ، وعلى مستوى العلوم الإنسانية

السياسية والاجتماعية وغيرها، أنا لا أسمح لنفسي أن أعالج أمرًا كهذا على هذا

المستوى من الخطورة المصيرية للشعب الجزائري ولأمة الإسلام جمعاء، أن

أعالجه بالطريقة العاطفية الانطباعية أبدًا، بل هذه هي الحقيقة، وسنرى عما قريب،

سوف ترون أن الانتخابات تُجرى ثم بعد ذلك كل شيء ينتهي ويبقى الحال على

حاله.

البيان: هل أفهم من هذا فضيلة الشيخ بأن العملية الديمقراطية في شتى

الدول العربية والإسلامية ليست من أجل الوصول إلى مصالح الشعوب، وإنما هي

من أجل تخدير الشعوب وتضليلهم؟

-حتى الآن لم تحصل بعد ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية والإسلامية،

حتى تركيا، رغم الضغوط الأوروبية من أجل أن يعود الأمر إلى الشعب التركي،

وعلى الرغم من أن الانتخابات في تركيا هي أقرب إلى الديمقراطية الحقيقية؛ فإن

ما عدا ذلك، ولعل - إلى حد ما - الأمر يكون بالنسبة لإيران، بعد ذلك لم نر بعد

بلدًا تُجرى فيه الانتخابات بطريقة مشروعة جدية تعبّر عن إرادة الشعوب والأمة،

ما لم تتحقق هذه يا أخي! لن تحل المشكلة السياسية ولا المشكلات الاقتصادية

والاجتماعية بحال من الأحوال.

البيان: بعد أن خرجتم - حفظكم الله - من السجن، وخرجت قيادات

الجبهة؛ هل حصل هناك تواصل مع قيادات الحركات الإسلامية الأخرى في داخل

الجزائر لتنسيق المواقف وإعادة بناء الحركة الإسلامية؟

-عاطفيًا هناك تواصل، أما عمليًا ومنهجيًا فلا، فبعض الحركات التي

ذكرتم تمشي حسب مصالحها وحسب توجهاتهم غفر الله لنا ولهم، فالحقيقة الذي

يجمعنا هو الإسلام الحق، الذي يجمعنا هو الصواب في التعامل مع الأمانة، أمانة

الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أمانة هذه الشعوب، أمانة أمة الإسلام، هذا

الذي يجمعنا بهؤلاء، فإن غيروا فلا سبيل إلى الاجتماع على الباطل، إخواننا

إخوان لنا ولكن في الحق، أما في غيره فلا؛ كانوا من كانوا.

البيان: لكن ربما تكون هناك بعض القضايا اجتهادية ويسع فيها الاختلاف

ولا تمنع من التواصل والتعاون!

-نحن نتكلم عن البديهيات، حق الشعب في العزة، حق الشعب في الحرية،

حق الشعب في الاستقلال، حق الشعب في التصرف في ثرواته وإمكاناته، هذه

مسلمات في شريعتنا تسمى بمقاصد الشريعة، فمن خالفنا في هذا فلا نستطيع أن

نجتمع معه، إنها بديهيات يا أخي الكريم، ساعة كنا في الاستعمار البين الواضح

كان أناس مع الاستعمار على الرغم من أنهم مسلمون يصلون ويزكون ويحجون

وإلى آخره، إلا أننا لم نكفرهم ولم ندخل في هذا الباب، لكن لم نستطع أن نرتبط

بهم، ارتبطنا بالحق، حتى من عاد منهم إلى الصواب بعد الثورة وبعد الاستقلال

وبقي من بقي إلى الآن على نهجه، إذًا معيارنا هو الحق، معيارنا هو مقاصد

الشريعة، فمن كان ضدها بصريح النص وكان في حكم الخيانة لا نستطيع أن

نجاريه بل ينبغي أن نصارحه بموقفنا.

البيان: وهل هذا موجود في الحركة الإسلامية! نحن لا نتحدث عن عامة

الناس، نحن نتحدث عن أبناء الحركة الإسلامية؟

-وقد يوجد، أنا لا أستطيع أن أنصّب نفسي حكمًا على الناس وإنما حكم

على تصرفات الناس، سلوكيات الناس، مواقف الناس، عندما يمشي واحد في خط

هذه السلطة على ما ارتكبته من إجرام وما ترتكبه من ظلم، حتى وإن كان لا قدر

الله ابني هذا الذي هو أمامك؛ لا أعترف له ولا أعترف به، ولن أستطيع أن

أجاريه ولن أوافقه بل أقاومه، وهو نفسه لا قدر الله لو يراني سرت على هذا الخط،

خط الخيانة له أن ينتقم مني، وله أن يحاربني، ما يجمعنا هو الحق، ما يجمعنا

هو الشرع، ما يجمعنا هو مقاصد الشريعة الواضحة البينة المتفق عليها، ومن كان

على غير ذلك فإن كان مخطئًا فله أن يعود إلى صوابه، وإن كان عامدًا مستمرًا

فأمره إلى الله ثم إلى الشعب الجزائري، لست أنا الذي أحكم عليه، أترك الشعب،

والشعب الجزائري له خبرة وله وعي، والحمد لله، وهو قادر على التبين وعلى

معرفة من هو أهل لأمانته، ومن تلزم مواجهته وحرمانه من حق ثقته فيه، ثقة

الشعوب غالية لا تعطى وإنما تكتسب، فهم لذلك بيننا وبينهم الله، وبيننا وبينهم

الشعب الجزائري، ولا ندخل لا في خصام ولا في مشاجرة ولا في أي شيء أبدًا

الحمد لله، والله يشهد أنه على الرغم مما قد يأتي من شيء لم نرد، نحن لسنا

معارضة للمعارضة.

البيان: لعلي أختم بسؤال أخير لو سمحتم لي فضيلة الشيخ، وهو أن

تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ تجربة عامرة بالأحداث ومليئة بالتجارب، وهذه

التجارب لا شك بأنها حق الجبهة، لكنها أيضًا من حق الحركات الإسلامية في

مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليطلعوا على هذه التجربة، لكن ربما كانت الأحداث

السياسية السابقة لم تجعل أدبيات الجبهة تظهر، وتجاربكم الشخصية أنتم وبقية

الحركة لم تصل إلى جمهور الناس، وقد ذكرتم قبل قليل بأن بعض الحركات

الإسلامية ربما ضُللت في كثير من الأحداث؛ فهل في خطتكم أن تدوّن هذه

التجربة بوضوح وصراحة، أو على الأقل ما يسمح بالظهور والصراحة؛ بحيث

أن الجميع يستفيدون من تفاصيل هذه التجربة؟

-الحقيقة وعد الحر دين، أنا لا أريد أن أتحمل هذا الدين فضلًا على الديون

التي أثقلت كاهلي، أسأل الله أن يوفق الجميع ممن أسهموا ومن عاشوا هذه التجربة

وذاقوا حلوها ومرها وعانوا من آلامها واكتسبوا منها خبرة قد تكون في مستوى

التدوين للإفادة منها، نشجعهم جميعًا على مثل هذه التجربة.

وفيما أعتقد أن هذا الجهد كبير يحتاج إلى تعاون جميع أهل الخير، من حيث

النصح ومن حيث الإفادة بالنشر نشر الكلمة كلمة الحق، كما أسأل الله أن يوفق

إخواننا أن يكتبوا الكتابة الصادقة وأن يكونوا أمناء؛ لأنها أمانة كبيرة بإمكانها أن

تغير الأجيال كل الأجيال المتعاقبة؛ لأن المسيرة طويلة وطويلة جدًا جدًا، وهذه

الكنوز ينبغي أن تكون محفوظة، عندما تُعرض تُعرض بموضوعية تامة أي بأمانة

كاملة، وقد أوصانا الله بأداء المهمة في قوله جل جلاله بعد أن أعوذ بالله من

الشيطان الرجيم:[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ

النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] (النساء: 58) ، فإن لم نحكم حتى يقال إنكم عدلتم أو

ظلمتم، وإن حكمنا كان ما تصرفنا به في إطار الشرع وفي إطار ما وعدنا به أمتنا

والحمد لله، والله شاهد، والتاريخ شاهد، والشعب الجزائري شاهد، فإن ما بقي

يبقى ممكنًا طالما نحن بقينا على العهد، على عهد الصدق، على عهد الأمانة من

بينها أمانة التاريخ.

هذه التجربة الثرية ينبغي أن تُقدّم بشكل موضوعي تمامًا لا زيغ فيه ولا

تزوير ولا تحامل على الحق ولا على الحقيقة، هكذا أنصح جميع إخواني ممن

أعطاهم الله فرصة إمكانية تقديم هذه التجربة؛ أن تكون بالكيفية المشروعة

المطلوبة علميًا وتاريخيًا وعقائديًا رساليًا وحضاريًا.

البيان: ما وصيتكم - حفظكم الله - لأبناء الحركة الإسلامية في داخل

الجزائر وفي خارجها بشكل عام؟

-الحقيقة وصيتي الصدق مع الله، ثم الصدق مع أمة الإسلام، ثم العلم

والتثبت فيه، والعمل إلى درجة اليقين، وهذه من شروط الصدق، ثم النزاهة

وإبعاد الذاتية والأغراض الشخصية والأهواء الفكرية أو المذهبية أو الطائفية أو

الحزبية، ينبغي أن نتجرد، أن نكون لله، وأن نكون لرسالته، وأن نكون لمشروع

الأمة، أمة الإسلام التي تتطلع لتكون في مستواها الرسالي، ومستواها الناهض

الحضاري، أن نكون أمناء، أمناء لخير أمة، جادين في تحقيق هذا النموذج

الرباني القرآني ليبقى شاهدًا ومعلمًا في قيادة الأمم الحائرة أمم هذا العالم الحائر،

هذا العالم المتعطش للحق، إلى نموذج الصدق والدعاء، بالجدية المطلوبة والحكمة

المحمودة، وإن شاء الله إن بقي الجيل الصاعد على هذا المنهج القويم، ثابت على

عهد الصدق مع الله ثم مع الأمة؛ سيكون إن شاء الله هو المرشح لقيادة الأمة

والإنسانية إلى ما فيه الخير، وما فيه أمن وأمانة وسلم واستقرار عبر ربوع العالم

وفي كل أرجاء الإنسانية جمعاء، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا،

وهكذا كان صحبه الكرام سائرين، وعلينا أن نبقى على النهج ثابتين مستمرين،

وبالله التوفيق. وشكرًا لكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت