ماجد الحمد
لا شيء أشقّ على نفس الداعية الأبيّ من أن يُرى مأسورًا بوصاية تحُكِم الطوق حوله، يغدو معها عاجزًا عن البوح بما يعتقد أحقِّيته، فلا السكوت يسعه والأمة تتخبط في ظلمة البدع والأهواء، ولا نفسه تجيبه لما في الانعتاق من هذه الوصاية من أذى يناله، فيعيش حالة قلقة مع هذا الواقع المأزوم.
ولا شكَّ أن الواقع ـ بمكوِّناته الاجتماعية والسياسية ـ يفرض على الداعية وصاية توجب عليه حسن التعامل معه، فالخضوع الكامل له يكبِّل الداعية بأغلال تمنعه من الحركة والعطاء، والإعراض عنه بالكلية لا يخفى على أحد ما فيه من خطورة قد تكون سببًا في فشل مشروعه الدعوي برُمَّته، ونفور الناس من قبول الحق الذي يحمله ويدعو إليه.
والداعية الذي آتاه الله موهبة مؤثرة في جماهير الناس وعامّتهم؛ ترى الكل يسعى لاحتوائه وفرض وصايتهم عليه؛ ليكون رجع صدى لما يقولون.
والمتابع للمشهد الدعوي الراهن في زمن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني والحوار مع الآخر التي نقلتها رياح التغيير الغربية يلحظ أن الدعاة يتجاذبهم تياران: تيار الأتباع، وتيار المثقفين.
فالأتباع هم منظومة الداعية الفكرية التي رضع لِبَانها في صغره، وجماعته التي درج في محاضنها التربوية، ونهل من معينها القَرَاح، وهم أحبابه الذي يشاطرونه أفراحه وأتراحه، لذا يرون لهم من الحق عليه ما يوجب ردَّ الجميل منه حين نضج فكره واستوى سوقه أن يكون حاميًا للمنهج الذي اجتمعوا عليه لا أن يكون عونًا للخصم في هدم ما شيَّدوه سويًا.
وليس بخافٍ أن الداعية والأتباع يتبادلون وصاية أبوية حانية، فهو يعلّم جاهلهم ويقوِّم معوجّهم ويكبح جماع غلوّهم، وهم إن رأوا منه ضعفًا قوّوه وشدّوا من أزره، أو ميلًا عن الحق قوّموه بالنصح والتوجيه؛ إذ لا معصوم إلا خير الخلق #، في وصاية خفية حين يكون هناك تناغم بينهما، ولكنها تطفو على السطح إذا صدر من أحدهما صوت نشاز خرج به عن المألوف الفقهي أو الدعوي.
فبعض الدعاة لا يمكن توقّع ما يفعل، ولا أي طريق سيسلك، إنما أتباعه يلهثون خلفه لرَتْق ما يفتق، ولتدارك الشقوق التي تحدث؛ لرَقعها قبل أن تتّسع، فهم في كَبَدٍ ونصب معه.
وبعض الأتباع فيهم من الجمود والانغلاق على ما ألفوه، فهم أشبه بالعامّة، يعيش الداعية معهم في عَنَتٍ ومشقة، لا يطرح رأيًا ـ بذل جهده وأفرغ وسعه في بحثه ـ إلا أنكروه واستهجنوه، شعارُهم: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104] .
وليس ثمَّة شك أن في حذر الأتباع من بعض الآراء المستجدة لدى فئة من الدعاة له ما يبرّره؛ ففي حالة العراك الفكري مع خصم يستقوي بعدِّو الأمة؛ ما يجعلهم يحذرون من كل جديد ويجفلون من كل رأي ملبس، خوفًا أن يكون هذا قمة جبل الجليد الطافية، أو أنه مشروع انتكاسة في طور التكوين.
أما المثقف فهو يعيش أزمة مع مجتمعه؛ لما يحمل من أفكار نخبوية لا تلامس هموم العامة عادةً، مع توجّس يلحظه في أعينهم نحوه، حيث هو موضع شكٍّ ورِيبة عندهم، بسبب الأفكار المصادمة لثوابت الشرع عند بعض المحسوبين في عِداده، لذا لا يستغرب ـ مع استماتته في فرض وصايته ـ محدودية تأثيره في عامّة الناس.
لذا يلجأ المثقف عادة ـ لنشر أفكاره ورُؤاه ـ إلى البحث عن قناة يتسلّل لواذًا من خلالها إلى المجتمع المحيط به، تحمل طهرًا ولا تبعث ريبة، ولن يجد خيرًا من داعية يسلّمه قياده.
فهم قد عجموا عيدان الدعاة؛ فمتى ما رأوا من أحدهم قابلية للتأثير أقبلوا إليه يخادعونه تارة ويغرونه تارات وتارات!
يزعمون أنهم سيخرجونه من ضيق المحلّية إلى سعة العالمية، ومن محدودية التأثير إلى وهج الإعلام الجماهيري!
فيبدؤون بزحزحته عن بيئته التي أحبها وأحبته وعاش في كنفها سنوات عمره الأولى، فيكثرون فحيحهم عن وصاية أتباعه عليه وأنه أسير فكرهم، لذا كثيرًا ما يشيعون ـ في زمن الانكسار ـ أن ذا الداعية أو ذاك يحمل همًّا تجديديًا ورُؤى إصلاحية يبثّها إلى خاصّته ولا يجرؤ على البوح بها علانية خوفًا من نفور أتباعه أو من سياط النقد التي يوجهها إليه مريدوه، وحقيقة مرادهم رمي الواقع المعاش بالفساد؛ والدعاة بالجُبْن.
فإن هو أصاخ بسمعه إليهم ورضي قولهم وأشرب قلبه شبهتهم، دعوه إلى مصادمة أتباعه ومحبِّيه، إذ لا يمكنه الانعتاق من إسار وصايتهم عليه إلا بالمجاهرة بمخالفته، فيبدأ مشروعه معهم بالترويج لفتاوى فقهية ليس عليها العمل في بلاده تكون متّكأ لما بعدها، فإن رأوا منه إحجامًا أو تردّدًا عادوا لتعييره بخوفه من وصاية أتباعه، فأصبحت هذه الوصاية فزاعة ينخسونه بها كلما تلكّأ، حتى تراه يخوض في ثوابت الشرع والعقيدة، فإذا هو يردّد ما يقولون ويكتب ما يملون، ما إن تقع معركة فكرية بين أتباعه الإسلاميين وخصومهم إلا وجدته حيث ينبغي أن تفقده، وهو بعمله هذا يحسب أنه كسر طوق الوصاية عنه، وما علم أنه ما زاد أن استبدل وصاية الأدنى بالذي هو خير، وصاية أشد حدية وأكثر شراسة وقمعية للآخر المخالف لنَسَقِها الفكري، وهم بعد لا يُؤمن لهم جانب، فساعة حاجته لهم يخذلونه، فكم داعية أجابهم لبعض ما يريدون ظنًّا منه أنّ تنازلَه هذا سيخفِّف من كَلَبهم على الدعوة ويمنحه صورة مشرقة لديهم، فإذا هم يبتزّونه كل ساعة حتى يتبع منهجهم ويكون أُلعوبة في أيديهم وإلا هدّدوه بالإقصاء والهجر من قنواتهم الإعلامية.
بل متى ما رأوا أن هذا الداعية فَقَدَ بريقه الإعلامي واحترقت أوراقه، وأنكرته قلوب العامّة ـ لكثرة لهاثه خلف رغبات أعداء الأمة ـ قلوه وأقصوه واستبدلوه بداعية آخر يتصيدون به دهماء الناس.
وكثيرًا ما يستشهد أولئك المثقفون على أن الأتباع عديمو الفائدة ـ فهم يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع ـ بقصة الإمامين أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية، كيف أن الأمة خرجت تشيع جنازتهما وتظهر الحزن على فقدهما، فبغداد كلها خرجت في جنازة الإمام أحمد حبًا وإجلالًا لهذا الإمام القدوة، وشيخ الإسلام ابن تيمية خرجت دمشق عن بكرة أبيها تعلن محبتها لهذا الإمام الذي وافته منيته سجينًا.
فيتساءل أولئك: أين هذه الحشود عندما سجن الإمامان؟!
ألا تجيد هذه الحشود إلا عمل النائحة التي تتنظر موت صاحبها ـ بفارغ الصبر ـ حتى تبدأ في ممارسة عملها بجدارة؟!
والمصيبة تشتد حين تتسق نظرة بعض المثقفين الإسلاميين مع نظرة العلمانيين حيال الدعاة وطلبة العلم، فهم في نظر البعض سُذج وبُلْهٌ ولا يدركون كُنْه الواقع وفقهه، ولا يحسنون التعامل مع المخالف، لذا على الدعاة أن يصدروا عن رأي هذا المثقف، وأن يوقّعوا على بياناته في وصاية مقيتة وأستاذية متعالية، فإن رأى من الدعاة رفضًا لمشروعه الدعوي لما فيه من مخالفة لقطعيات الشرع، عاد باللوم عليهم ورماهم بالهلع من الأتباع تبرئةً لمشروعه المتهالك، فأصبح الأتباع مشجبًا يعلق عليه كل استعصاء أو تمنّعٍ يبديه الدعاة على ما يطرحه المثقف.
وإذا كان المثقف يرى خضوعه لوصاية واقعه السياسي حكمةً وبُعْد نظر؛ أفلا يعذر الداعية حين يلين لوصاية أتباعه تأليفًا لهم وحسن سياسة منه نحوهم؟
فعلى الداعية أن لا يلتفت إلى مثل هذه التخرّصات، وأن يحرص على تأليف قلوب أتباعه، والبُعْد عما يكدر صفو الودِّ بينهما، إذ هم سنده بعد الله، فهم ناشرو علمه، وحاملو فكره، والذابّون عن عِرْضه حين يسلقه خصومه بألسنة حِدَاد، خصوصًا في زمن هذا المخاض العسر الذي تعيشه الأمة، فدَرْءُ مفسدة الخلاف داخل الصف الإسلامي مُقدَّم على مصلحة اجتهاد تنفر منه القلوب، فإن فساد ذات البَيْن هي الحالقة.
وله أسوة حسنة بسيد ولد آدم #، الذي حبُّه إيمان وبغضه كفر ونفاق؛ وطاعته واجبة وأمره ونهيه معصومان من الزّلل والخطأ، حيث كان يترك بعض الاختيار مخافةَ افتتان بعض أصحابه، فقد ترك هدم الكعبة وإعادتها إلى قواعد إبراهيم ـ عليه السلام ـ لحداثة عهد قريش بجاهلية، وترك # مصلحة قتل المنافقين ـ مع عِظَم خطرهم على الإسلام ـ لمفسدة أعظم منها؛ كي لا يتحدث الناس أنه # يقتل أصحابه، أفلا يسع الداعية ذلك وهو لا يَبْلغ مُدّ أحد أصحاب محمد # ولا نصيفه؟