ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
خاتمة الملف
الحمد لله وصلى الله على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد تجولنا بكم إخواننا القراء في هذا الملف في عددين متواليين، اطلعتم من
خلالهما على شؤون وشجون في هذا الموضوع بعد تحرينا الحقيقة والبحث عن
مصادرها الموثوقة.
نعم قد تبدو الصورة قاتمة، وهي بالفعل كذلك في بعض أجزائها، وقد يبدو
أن الجرح الذي أحدثته الخرافة في عقل الأمة عميق، ولا شك أن له امتدادًا طوليًا
وعرضيًا في تاريخ الأمة وواقعها، وقد يبدو أن المرض مزمن وعلاجه صعب؛ إلاّ
أن الأمور الجسام تحتاج إلى جهود عظيمة غير عادية في طبيعتها وفي حجمها.
ومع كل ذلك فإننا نعتقد أن الصورة التي أبرزتها مشاركات الملف ليست
صورة كلية، بل هي جزئية مجهرية اقتضتها فنون التشخيص التي لا بد من
اجتيازها للوصول إلى العلاج الناجع لأحد الأمراض التي سرت في الأمة.
وتستكمل هذه الصورة بأن سوق الخرافة كان ولا شك أكثر رواجًا وانتشارًا
في الماضي القريب، فبعد عقود من جهود دعوية (غير منظمة وغير مركزة) تشكك
كثير من معتقدي الخرافة في معتقداتهم، إضافة إلى صفوف من شباب الصحوة نبذ
الخرافة كليًا وحمل لواء محاربتها.
ولذا لا بد أن يُستحضَر في الذهن حقيقة أن المظاهر والممارسات الخرافية
التي أوجدها ابتداع الأضرحة والعتبات المقدسة تقل في الأماكن والأزمنة التي ينشط
فيها الدعاة إلى الله على بصيرة.
وهذا ينقلنا إلى نقطة تالية، وهي: أن التغيير لا يتم تلقائيًا ولا يحدث
بالأماني، ولكنه يحدث بالفعل والعمل ف[إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: 11] وفضلًا عن كون أصحاب هذه المعتقدات لن يغيروها من
تلقاء أنفسهم، فإن أئمة الخرافة والمنتفعين من وراء رواجها لن يكلّوا في الدفاع
عنها والترويج لها.
ولذلك كله فإننا نرى أن الأمل موجود، ولكن تحقيقه معقود ببذل الجهد
والإخلاص من كل مسلم لإنقاذ هؤلاء التائهين في دروب الخرافة والوهم، بدءًا من
أئمتهم وانتهاءً بدهمائهم وعوامهم.. ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن
يكون لك حُمْرُ النّعَم) [أخرجه البخاري] .
ويتعين على العلماء العاملين الذين هم ورثة الأنبياء أن يولوا أمر نشر التوحيد
ومحاربة الشرك أولى اهتماماتهم؛ فالتوحيد أصل الدين ورأسه، فينبغي تقديمه على
كل معروف وتقديم النهي عن ضده الشرك على كل منكر، وهذا ما وجه به رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- حين بعث معاذًا إلى اليمن: فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله عز وجل..) [أخرجه البخاري ومسلم] .
وفق الله الجميع إلى العلم النافع والعمل الصالح.