الافتتاحية
لا شك أن المحن التي تمر بالمسلمين اليوم شديدة، إلا أن انعدام الرؤية
لانجلائها أشد على النفوس من المحنة ذاتها؛ فالمرء قد يسعه الصبر في المحنة،
ويعينه على الثبات علمه أن للمحنة نهاية قريبة، أمَّا إن خفيت النهاية، فهنا قد
يعبث اليأس بالصبر، ويحل القنوط.
وقد لا تحتاج محن المسلمين إلى مزيد توصيف وتكييف أو حتى تزييف
يبعدها عن حقيقتها.
وواقع الأمة مليء بالشواهد والفواجع بما لا يحتاج إلى مزيد بيان في التفصيل.
فأعظم محنة يمر بها المسلمون اليوم هي تنحية شرع الله - تعالى - عن
الحياة: في الحكم والتشريع، والقضاء، والمعاملات، والسلوك، ولعل هذه المحنة
هي ما انفردت به أمتنا في عصرنا الراهن، دون عصور إسلامية سبقت؛ فكم
مرت بأمة الإسلام محن وشدائد! إلا أنهم كانوا يستظلون بحكم الله، وإن اعترى
تطبيقه بعض القصور في بعض العصور.
ثم تأتي الغربة على أهل الدين شديدة قاسية وهم بين ظهراني قومهم
وعشيرتهم؛ فبعد غربة الدين في الحياة تأتي غربة أهله بارتضائهم له منهجًا للحياة
وسلوكًا ينير دروبهم، وهو ما يتعارض مع واقع قطاع كبير من الأمة، وهنا منشأ
الغربة.
وكان من لوازم تلك الغربة أن نشأت عنها محنة أخرى تابعة لها هي محنة
الابتلاء الشديد الواقع على الدعاة بمختلف صنوفه وصوره حتى طال كثيرًا على
السالكين طريق الدعوة، وكم هو مؤلم انتفاش الباطل وأهله وتقلبهم في البلاد! حقًا
إنه مؤلم للنفوس الأبية، المستمدة قوتها من خضوعها لرب العزة.
وتبع الدعاة ما هو أشد من ذلك عليهم، وهو لزوم الصمت والتوقف عن
العمل لنصرة هذا الدين، مجبرين لا مختارين، مهادنين ومهدئين، وهو ما يصعب
على أُناس كانت حركتهم للدعوة وقود حياتهم وماءها وهواءها.
وإن توسعت بنا دائرة المحن، فسوف توصلنا إلى آلام الأمة من مشارقها إلى
مغاربها؛ فهذا العزوف الشديد عن الدين والانخراط في تيار الغواية قد ضم قطاعًا
كبيرًا من المسلمين عاشوا على هامش الحياة.
وقطاع آخر وقع عليهم البلاء الشديد من قتل وتشريد وانتهاك حرمات مما
يدمي القلوب ويدمع العيون، ويملأ النفوس ألمًا يزيد من لأوائها، مع قلة الناصر
وهول المصيبة.
ثم تأتي إحدى المحن الكبار بغياب عدد كبير من مصابيح الضياء، أعلام
الهدى، أئمة الدين، العلماء العاملين، الذين يُؤْذِن موتهم بقبض العلم ونشر الجهل، فكان في موتهم مصيبتان:
الأولى: فقدهم بعلمهم وعملهم وبركتهم على الأمة.
الثانية: إرهاص بالمحنة التي تليهم، محنة الرؤوس الجُهَّال في كثير من
البلدان.
ولو تتبعنا محن الأمة لطال بنا المقام والكلام والآلام، وهذه الصورة القاتمة
ينظر إليها بعض الناس ويتساءل: متى نصر الله؟ ولا شك أن شدة المحنة تصيب
قطاعًا كبيرًا من عامة الأمة باليأس والقنوط لضعف اليقين بوعد الله.
وحينما يبلغ القنوط واليأس مبلغه، ينتكس بعض الناس على عقبيه شاكًّا في
موعود الله الحق.
ألا وإن في هذه الشدة الشديدة للمحنة منحًا كثيرة من الله - تعالى - لا تخفى؛
ولكن ما ينبغي النظر إليه هو أن المحنة دائمًا في رحمها الفَرَجُ والنصر - بإذن الله- فقد روى الطبري عن قتادة أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
يا أمير المؤمنين أجدبت الأرض، وقحط المطر، وقنط الناس! قال: إذن مطرتم
ثم تلا قول الله - تعالى:[وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر
رحمته] [الشورى: 28] [1] .
وكان قبل ذلك يأس الرسل الذي حكاه الله - تعالى - في سورة يوسف مثالًا
على أن الفَرَجَ من لوازم المحنة:[حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا
جاءهم نصرنا] [يوسف: 110] .
وإن كانت شدة المحن لتنسي ما وراءها من الفرج والفرح، وأن العاقبة إلى
خير.
وكم من حادثة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج
إن هذه النظرة"الأَمَلِيَّة"الموقنة بصدق وعد الله لهي من مخففات المحن،
وهي بلسم ليأسٍ يراود النفس عند شدة الآلام، كما أنه يلزم عدم اعتبار العامل
الزمني الدنيوي مقياسًا لزمن الانفراج.
وقد ذكَّر الله - تعالى - نبيه وصحابته بذلك في قوله:[أم حسبتم أن
تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا
حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب]
[البقرة: 214] .
وعن أبي رزين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضحك ربنا من
قُنوط عباده وقرب غِيَره، قلت: يا رسول الله! أوَ يضحك الرب؟ قال نعم! قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرًا [2] .
وذات يوم قال ولد لوالده: يا أبةِ! اشتدت ظلمة الليل. قال: يا بني! اقترب
الفجر.
(1) تفسير الطبري، ج/21، ص 537.
(2) ابن ماجه، ح/177.