قضايا دعوية
بلاغ الرسالة القرآنية.. معالم في المنهج الدعوي
منهج التعرف إلى الله والتعريف به
(2 ـ 2)
د. فريد الأنصاري [*]
تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن أن أول مقاصد القرآن الكريم هو تعريف
الناس بالله، وأن المعرفة بالله درجات ومراتب، وأن الذات لن تعرف إلا بمعرفة
أسباب وجودها، وأن مفهوم الخلْق دال عمومًا على التكوين والإنشاء، وأن الذي
ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداءً عميقًا في معرفة من أسدى إليه نعمة
الوجود، وأن المراد من إحصاء الأسماء الحسنى هو العمل بها، وفي هذه المقالة
يتم الكاتب ما يراه من منهج التعرف إلى الله والتعريف به.
-البيان -
* مفهوم الحياة والتعريف بالله:
هل تعرف: ما الحياة؟ هذا المعنى اللطيف الغريب العجيب الذي يوصف به
كل كائن حي في هذا الوجود، ما دامت نسمتها الغريبة تسري بجسده، حتى إذا
فارقته تلك النسمة؛ فارق الحياة، أو بالأحرى فارقته الحياة؛ فصار ميتًا، ولم يعد
معدودًا من أحياء هذا الكون.
مهم جدا أن تستحضر أن (الحياة) بكل ألوانها وتجلياتها مصدرها واحد: هو
(الحي) سبحانه. فليس عبثًا أن يعلمنا الله أن من أسمائه الحسنى هذين الاسمين
العظيمين: (الحي) و (المحيي) . فهو الحي بذاته سبحانه، المحيي لغيره. ولا
حياة لأحد سواه إلا بأمره. فسبحانه وتعالى من رب عظيم، وله الحمد في الأولى
والآخرة.
وقد وصف الله جل جلاله (الحياة) في القرآن الكريم بصفتين متقابلتين:
الأولى هي (الدنيا) والثانية هي (الآخرة) . وذلك نحو قوله تعالى:[أَرَضِيتُم
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ] (التوبة: 38) ،
وقوله سبحانه: [وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ]
(الرعد: 26) .
فالحياة إذن طبقتان: الأولى تنتمي إلى عالم الشهادة، وهي حياتنا هذه التي
نحيا بها، والثانية تنتمي إلى عالم الغيب، وهي الحياة الآخرة.
وقد علمت أن الإيمان بالآخرة في الإسلام من حيث هي (حياة) ركن من
أركان الإيمان الستة التي وجب على كل مسلم أن يعلمها، ويؤمن بها. ولنبدأ الآن
رحلة التدبر لهذا المعنى في الرسالة القرآنية.
ذلك أنه ما قُرِن بالإيمان بالله شيء في الكتاب والسنة مثل الإيمان باليوم الآخر.
فهو أصل من أصول الرسالة القرآنية، ومقصد من مقاصد البلاغ الإلهي. وما
كان ذلك ليكون لولا أن فيه حكمة ما. وهو ما نحاول اكتشاف بعض أسراره في
هذه الإشارات بحول الله.
وأما الآيات فلنذكر منها أمثلة تدل على ما سواها؛ فذلك في القرآن أكثر من
أن يحصى لفظًا ومعنى. ونحوه قول الله تعالى في حق المؤمنين الصالحين من
سائر الملل:[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]
(البقرة: 62) ، وقوله عز وجل في حق المنافقين:[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا
بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ] (البقرة: 8) . وقال في حق أهل الكتاب
الذين عرفوا الحق فأسلموا:[لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ
آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ](آل عمران: 113-
114)، وقال في سياق التشريع:[ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ
الآخِر] (البقرة: 232) ، وقال سبحانه في حق العابدين من عُمَّار المساجد:
[إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ
يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ] (التوبة: 18) ، وقال
سبحانه في التنبيه على التأسي بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم:[لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]
(الأحزاب: 21) ، ومعلوم أن مثل هذا في القرآن كثير.
وأما السنة فقد تواتر فيها هذا المعنى بهذه الضميمة: «الإيمان بالله واليوم
الآخر» ، تواترًا معنويًا كليًا؛ فمن ذلك قوله عليه السلام: «من أحب منكم أن
يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» [1] ،
وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو
ليسكت» [2] ، وقوله أيضًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا
ولا ذهبًا» [3] . ونحوه في السنة الصحيحة كثير جدًا.
والغاية عندنا إنما هي بيان طبيعة هذه العقيدة في الإسلام، واكتشاف بعض
أسرارها؛ إذ رغم أن المسلمين اليوم يؤمنون باليوم الآخر، إلا أن آثار ذلك في
حياتهم قليل جدًا؛ بسبب عدم الإحساس بحقيقته في وجدانهم، وضعف السير إليه
خلال آياته؛ لاكتشاف مشاهده الإيمانية من خلال مشاهده القرآنية. وهذا عمل
إيماني وجب على كل مسلم أن يسعى لاكتسابه؛ حتى يجد ما وجد الصحابة من هذه
الحقيقة القرآنية العظمى. ويلتقط واحدًا من أعظم مضامين رسالة الله رب العالمين
إلى الناس أجمعين. إن الله جل جلاله يخبرك يا صاحِ بخبر [فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى]
(طه: 13) ! وافقه عن الله ما يقول؛ فإن الأمر يهم وجودك، ومصيرك أنت
بالذات! اقرأ، وأنصت، وتدبر قوله تعالى:[إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ
مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا
حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ
السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (يونس: 24-25) .
ههنا لمفهوم (الحياة) حقيقتان: حقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الحياة الأخرى.
فأما الحياة الدنيا فأهم خصائصها الجوهرية أنها فانية؛ فهي محكوم عليها بـ
(الفناء) ، وقد ضرب الله لها في الآية السالفة مثلًا: وهو دورة الحياة والموت في
الطبيعة؛ إذ ينزل ماء الحياة في فصل الخريف وفصل الشتاء، غيثًا يبعث النبات
من أعشاب وزروع، فتبتهج الأرض بالربيع الزاهر، وتحتفل بموسم الجمال،
أشجارًا وأطيارًا وأنهارًا، وزخرفة تعلو الروابي والبساتين والسهول؛ فتكون أشبه
ما تكون بالحسناء المتزينة بشتى التلاوين وفنون الصنعة؛ حتى تكون في أسحر
أحوال الإغواء والإغراء. ذلك أن الزخرفة الصارخة تلقي على قلب الإنسان شباكًا
سحرية، فتستوعب كل وجدانه وتفكيره، فلا يرى شيئًا بعد ذلك إلا من خلالها؛
حتى إذا جاء الصيف، وأنضجت الزروع حبوبها كان الحصاد مآلها، فلا ترى لها
في الأرض أثرًا إلا هشيمًا من حصيد؛ تمامًا كما تتناثر أوراق الأشجار عند
الخريف، لَقىً ذابلًا تذروه الرياح بكل البطاح، فتعوي ريح الفناء بالوديان والقيعان
لتكنس كل أثر للحياة، وكأن الأشجار المتحطمة الأغصان ما أورقت قط ولا
أزهرت، وكأن الأطيار الراحلة في الأفق البعيد ما عششت ههنا ولا غردت[كَأَن
لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْس] (يونس: 24) .
ولنا في هذا المثال الرباني الحق عِبرتان كلتاهما ترجع إلى حقيقة كونية
عظمى: الأولى تتعلق بمفهوم المكان، أي طبيعة بناء الكون، والثانية تتعلق
بمفهوم الزمان، أي طبيعة حركة العمر.
فأما الحقيقة الأولى، أي مفهوم المكان؛ فهو راجع إلى أن هذا البناء الكوني
الممتد ما بين السماء والأرض ليست له طبيعة خالدة؛ لأن تكوينه الابتدائي كان
كذلك، أي أنه بني على هذا الوِزان، وهو أن يحيا إلى حين، لا إلى الأبد. فكل
المكان من حيث هو مكان قائم على مبدأ الفناء. فحركة أجرامه ومدارات فضاءاته،
كلها سائرة إلى نهايتها. ومن هنا كانت حياة هذا الكون الحالي إنما هي(الحياة
الدنيا). فهي حياة. نعم! لكنها إلى حين، إنها (دنيا) : أي قريبة الأجل، لا
خالدة، ولا حتى ممتدة امتدادًا طوليًا حقيقيًا، بالنسبة إلى امتداد (الحياة الأخرى) .
وكم أخطأ الناس في هذا الزمان في فهم معنى (الدنيا) ؛ إذ ظنوا أنها دالة على
الجمال، والغنى والرفاه؛ حتى جعلوا من أسماء بناتهم (دنيا) . وما هذا التعبير
بدالٍّ على المدح، بل له دلالة قدحية ناقصة. فالدنيا بهذا السياق خاصة من الدنو
والدناءة، وهي معنى نازل لا علو له. ولذلك قيل لسيئ الأخلاق: دنيء. أي له
أخلاق منحطة قريبة من الأرض. فالدنيا: حياة قريبة من الفناء، لا لذة حقيقية فيها
ولا متعة، ما دام كل شيء فيها إلى فناء. فهي دنيا. ومن هنا سمت العرب أبناءها
قبل الإسلام وبعده (خالدًا) و (خالدة) ؛ إذ رغبوا قبله في الخلود الدنيوي، وهو
محال؛ لأن الضدين لا يجتمعان، ثم رغبوا بعده في الخلود الأخروي السعيد، وهو
ممكن بإذن الله.
إن بناء الكون الدنيوي له ساعةٌ ينهار فيها، ثم يفنى بإرادة الله، فلا يبقى
شيء إلا الله الواحد الأحد. وهذه الساعة هي (الساعة) بتعبير القرآن؛ ذلك
الحدث الكوني العظيم. سألتك بالله أن تتدبر قوله عز وجل:[يَسْأَلُونَكَ عَنِ
السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِ لاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: 187) ، ومثله قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا
أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ] (الحج: 1-2) . والساعة: هي القيامة، والواقعة، والقارعة،
والصاخة ... إلخ من الأسماء التي عبر فيها الرب العظيم عن لحظة نهاية الكون
الدنيوي. فالكون الدنيوي إذن تكوين ابتدائي، والكون الأخروي تكوين استئنافي.
قال جل جلاله:[يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ
وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ] (الأنبياء: 104) ، وقال سبحانه:[أَوَ لَمْ يَرَوْا
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]
(العنكبوت: 19-20) ؛ ولذلك قال تعالى: [ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]
(الأعراف: 187) كما أوردناه قبل.
إن الساعة إذن هدم وبناء: هدم لكون الدنيا، وبناء لكون الآخرة. إنها تحول
كوني عجيب من طبيعة إلى أخرى، يحدث في لحظة واحدة، كاللمحة من البصر!
كما في قوله تعالى:[وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ
البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (النحل: 77) . وقال:[وَمَا
أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ] (القمر: 50) .
إن الكون الدنيوي خَلْقٌ فانٍ، ومعمار إلى زوال. هذه هي الحقيقة الأولى.
أما الحقيقة الثانية، أي مفهوم الزمان؛ فهو مرتبط في دلالته بالمكان، بل
إنما الزمان وليد حركة المكان. فالمكان الفاني لا ينتج عنه إلا زمان فان. كما أن
المكان الخالد لا ينتج عنه إلا زمان خالد. ومن هنا كان العمر البشري مهما توهمنا
أنه طال قصيرًا جدًا. ويكفينا في ذلك حقيقة واحدة: هي أن الشهوات الدنيوية كلها:
لذتها تنتهي ببدايتها! كل شوق إلى المزينات الدنيوية يموت بمجرد الحصول
عليها؛ فلذة الطعام الشهي الجميل إنما تشعر بها قبل أن تأكله، وعند بداية الأكل،
ثم يبدأ بعد ذلك خط التلذذ في الهبوط حتى درجة الشبع، فالتخمة، حتى يصير
اللذيذ بعد ذلك ممجوجًا قبيحًا، وقد كان قبل قليل في غاية اللذة. وقس على ذلك كل
المتع الدنيوية، مما زين للناس، من مثل الوارد في قوله تعالى:[زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ](آل
عمران: 14). إن طبيعة الشهوات الدنيا أنها فانية، لا تكاد تبتدئ حتى تنتهي!
وإنما جمال المتعة هو الخلود فيها. هذا هو الجمال الحق، وتلك هي الحياة الحق؛
ولذلك قال بعده مباشرة ينسخ قبح الزوال بجمال الخلود:[قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن
ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ
مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] (آل عمران: 15) . قضية العمر
أو الزمان راجعة إلى هذا المعنى، فالفرق فيه ما بين الوهم والحقيقة؛ هو بالضبط
فرق ما بين الفناء والبقاء.
وما أجمل قول الله الملك السلام في آيتي (يونس) مما أوردنا قبل للتدبر:
[إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ
النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ
عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ] (يونس: 24-25) . تدبر قوله في آخر الكلام:[وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ
السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ].
إنه معنى جميل جدًا؛ فقد جاء مقابلًا لما ذكر من أمر الحياة الدنيا وزخرفها
الفاني، ومآلها الحصيد. إذ كل ذلك مُوحٍ بالخوف والخراب؛ لأن دار الدنيا هي
دار الخراب؛ فكل نفس تعلقت بها إنما تعلقت بالوهم، وهذه حقيقة رهيبة تملأ
القلب هولًا وفزعًا، إذا كان لهذا الإنسان القارئ أو المستمع للخطاب الرباني قلب
فعلًا [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: 37) ،
فمقابل ذلك الشعور بما صوره القرآن لك من مآل مأساوي للحياة الدنيا، مكانًا
وزمانًا؛ ينفح الله روحك بالبشرى: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ] . السلام الحق
الجميل الممتد بلا نهاية، يملأ عرض السماوات والأرض؛ ولكن فقط لمن آمن
واهتدى. ولذلك قال: [وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] . فلا جنة بلا
هداية. عمر ممتد بلا نهاية، وزمان بلا حساب، يغرف من جمال الله خلودًا إلى
الأبد. ذلك هو السلام. قال عز من قائل:[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ *
نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ] (فصلت: 30-32) .
* الحياة بين الطول والعرض:
إن الإنسان عندما يتدبر هذه الحقائق القرآنية العظيمة يرى بأم عينيه أن العمر
الدنيوي مجرد حلم، وأن مفهوم (الحياة) إنما يتجلى بصورة حقيقية في الآخرة،
حتى لكأن ما دون الآخرة ليس بحياة! وتلك آيات القرآن العظيم ناطقة بهذا. قال
عز وجل:[وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: 64) . فلفظ {الْحَيَوَانُ} صيغة دالة في العربية على
الامتلاء، كقولك (فيضان) بدل (فيض) ؛ إذا كان قد بلغ السيل الزبى، والتقى
الماء على أمر قد قدر، فجرف كل شيء، فيقال حينئذ: (فيضان) . فلفظ
(حيوان) هو بمعنى الامتلاء حياة، بل هو فيضان الحياة. تلك هي طبيعة الحياة
الآخرة تفيض بالحيوية والحياة، وتمتد نعمها التي لا تنفد على عرض الكون، فلا
يعرف لها نهاية، خلودًا مؤبدًا، إلى ما شاء الله. ويبقى ما دون ذلك من (حياة)
أشبه ما يكون بطعم الصياد الذي يغري الفريسة لتقع على المتعة الوهمية؛ فتكون
من الهالكين. فهي (متاع الغرور) حقًا، كما قال عز وجل في سياق آخر:[كُلُّ
نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] (آل عمران: 185) .
والكافر لا يرى ذلك إلا بعد هلاكه. فما أعجب تعبير القرآن في هذا! إذ
يقول الله تبارك وتعالى:[وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ
الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي] (الفجر: 23-24) . فحسرة الكافر
وندمه إنما هو لكونه لم يقدم لحياته. ويقصد الحياة الآخرة، ولكنه لم يصفها بـ
(الآخرة) ؛ للدلالة على أنها هي وحدها حياته؛ إذ أدرك الآن عيانًا أن ما سبق من
حياته الدنيا ليس بحياة. فندم على تفريطه في حياته الحقيقية: الآخرة. ونتيجة
الأمر أنه ما حيي إلا من حيي في الآخرة وللآخرة. وأما الدنيا فهي بالنظر إلى هذا
المعنى ليست بحياة؛ إلا مجازًا. فإذن لا طول للحياة الدنيا ولا بقاء لها مكانًا وزمانًا.
بل هي مجرد خدعة للإنسان إن لم يستثمرها للحياة الحقيقية: الآخرة. إنها لو
تدبرت عمر في أيام.. فلا طول. وإنما الطول مفهوم يدل على الحصر؛ إذ ما
سمي طولًا إلا لقابليته للعد والقياس، وكل معدود محدود. ومن هنا وصف الله
الجنة بالعرض دون الطول. وذلك بعدما قرر عز وجل طبيعة الحياة الدنيا، فقال
على سبيل الجزم والتحذير:[اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ
بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ
مُصْفَراًّ ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا
الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الحديد: 20-21) .
لقد ابتدأ الخطاب في الآية بهذا الأمر الجازم: (اعلموا..!) والعلم إدراك
الشيء على ما هو عليه في الواقع قطعًا ويقينًا، أي بلا تردد ولا شك، ولا ظن.
(اعلموا..) هكذا قطعًا.
وجاء المثال القرآني العجيب مرة أخرى بصيغة أخرى: مثال الزرع؛ إذ
ينبهر الفلاح بخضرته وجماله وسنبله، فلا يلبث أن يصير حقله الجميل حطامًا، أو
حصيدًا كأن لم يغن بالأمس! فكذلك الدنيا كلها بزينتها وأموالها وأولادها..[وَمَا
الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ]. وهنا جاء المقابل الأخروي هذه المرة في القرآن
الكريم بصيغة فريدة.. لا مثيل لها، جاء طلب المسابقة إلى المغفرة والجنة،
ووصف الجنة بما قال عز وجل: [عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] فوصفها
بالعرض دون الطول. ذلك هو الزمان الأخروي السعيد، والعمر الجميل المديد.
تلك هي الحياة.. (خالدين فيها أبدًا) . إن (الطول) - كما ذكرنا - مفهوم محدود
معدود. والجنة لا حد لها، ولا عد. إنها (الحيوان) . فلا يليق بوصفها من ألفاظ
الامتدادات إلا (العرض) ؛ إذ بالعرض تعيش اللحظة الواحدة أكثر من مرة. أما
الطول فلا يتيح لك من اللحظة الواحدة إلا خطوة واحدة، تخطوها إلى أمام؛
لتصبح بعد ذلك من (الماضي) ، فلا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، كما قال
الحكماء. وأما العرض فهو امتداد أفقي في الزمان الفسيح؛ إذ تتمتع بالمتعة الواحدة
أبدًا، وتعيش الشعور الواحد أبدًا، وتغرف من اللحظة الواحدة معنى الخلود.
صورته في الدنيا هي (بركة العمر) ؛ حيث يبارك الله العمر القصير ولا يكون
العمر إلا قصيرًا ويزكيه؛ فينجز المؤمن فيه من الصالحات ما يمكنه بإذن الله من
الخلود في الجنة. وصورته في الآخرة: حياة سعيدة مطلقة في الزمان، سابحة في
الجمال، تنعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فما أبلد من يستنزف طول عمره على حساب عرضه! ولا يسابق إلى هذا إلا
من عرف الله ابتداء، ثم اكتشف هذا المعنى اللطيف (للحياة) ، وذاق جماله،
فسابق إليه. وإنما [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] .
فكيف السبيل إلى ذلك، وكيف المسير؟ ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة
القرآنية. فيه بيان طريق العمل، ورسم معالم السلوك. حتى إذا وجدت ما وجدت،
وعرفت من ربك ما عرفت، أبت عليك معرفتك، وما فاضت به عليك من جمال
الأخوة الكونية؛ إلا أن تسعى بهذا الخير إلى الناس كل الناس.. داعيًا إلى الله
ومعرفًا به. لا يمكن لعارف بالله حقًا إلا أن يكون داعية إليه. وهل يستطيع المحب
أن يكتم من محبته شيئًا؟ إن الوجدان ليضيق عن كتمان جمال تشرق أنواره على
الكون كله! .. ولا يمكن للنور إلا أن ينير!
* إن الدعوة إلى الله إنما هي تعريف بالله.. فتأمل!
فكيف إذن يكون التعريف بالله؟ ذلك ما تبينه آيات الدعوة إلى الله من سورة
(فصلت) ، ذات (القواعد العشر) . إنها خلاصة القول فيه، وجماعه؛ فقد فصلت
المنطلقات تفصيلًا، وحددت الغايات تحديدًا، وضبطت الوسائل ضبطًا. إنها منهج
متكامل بذاتها في الدعوة إلى الله. وإن الناس اليوم لو أخذوا بها وحدها في هذا
الشأن لكفتهم. اقرأها أولًا، ثم لنتعاون معًا على تدبرها آية آية إن شاء الله؛ عسى
أن نصل إلى رسم منهاج قرآني للدعوة إلى الله. قال تعالى:[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي
كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي
أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى
اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ
صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: 30-36) .
هذه هي القواعد العشر في الدعوة. فأحصِ معي أصولها من خلال هذه
الآيات واحدة واحدة، وتدبر:
1 - [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ] .
2 - [ثُمَّ اسْتَقَامُوا] .
3 - [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] عدها واحدة إلى قوله تعالى:
[نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ] .
4 - [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه] .
5 - [وَعَمِلَ صَالِحًا] .
6 - [وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] .
7 - [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ] .
8 - [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] .
9 - [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] .
10 - [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] .
هذا هو الظاهر الجلي، ولكن يجوز أن تجد أكثر؛ فالقرآن بحر زاخر
بالكنوز، لا يحصي معانيه إلا الله جل جلاله.
-أما القاعدة الأولى: فهي أن (قول: ربنا الله) إعلان للتوحيد. تدبر..
إنه (قول) . وهذا شيء مهم في حد ذاته، (فقوله) ذلك إعلان له، ودعوة إليه،
وترسيخ له في المجتمع. ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله: أن
يقول له في الإسلام شيئًا لا يسأل عنه أحدًا بعده؛ فقال له صلى الله عليه وسلم:
«قل آمنت بالله فاستقم» [4] ، وفي رواية أخرى: «ثم استقم» . هكذا (قل)
تصريحًا لا تلميحًا، إعلانًا وإشهارًا لا تورية وتقية، [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن]
(النحل: 106) . فإنما أصل الدين إعلان توحيد الله، ورفع راية(لا إله إلا
الله). فارفعها يا صاحِ عاليًا عاليًا، ارفعها فوق كل راية؛ حتى لا تظهر فوقها
راية، [وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال: 39) . قل: «آمنت بالله» حيثما
حللت وارتحلت، قلها في كل مكان.. أعلن تدينك ولا تخفه، أشهر سلوكك
الإسلامي، وانتماءك الحضاري، وصبغتك الربانية، وكونك من أمة محمد صلى
الله عليه وسلم. عش بهذا المنطق، وبهذا الشعور واعتز به، ولا تخجل «إنك
على صراط مستقيم» . إنه مبعث الفخر إذا افتخرت الأمم بتفاهاتها المادية،
وخزعبلاتها الفكرية، هذا دين رب الكون كله فاعتز به.[وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: 8) .[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللَّهُ]تلك هي القاعدة الأولى، فاحفظها بوجدانك؛ فقد جعلها الله أول شرط
الفلاح. فاعرف ربك وعرِّف به على ما فصلنا في البلاغ الثاني من هذا الكتاب،
تكن قد قلت: ربنا الله.
-وأما القاعدة الثانية: فهي الاستقامة على قولك ربنا الله.. [ثُمَّ اسْتَقَامُوا] ،
أي الالتزام بما أقررت، والوفاء بما شهدت به على نفسك، وشهد به عليك الله،
والملائكة، والناس أجمعون. ذلك صراط مستقيم أقررت به، فاستقم عليه عقيدةً
وسلوكًا، ظاهرًا وباطنًا، خوفًا ورجاء؛ تكن من الصادقين؛ ذلك أن الاستقامة على
توحيد الله معرفةً وتعريفًا في ربوبيته وألوهيته، وما تفرع عن هذه وتلك، من
معان رفيعة سامية، كعبادته تعالى بما له من أسماء حسنى وصفات عُلا، إثباتًا لها،
ودعاءً بها، وسيرًا إليه في أنوارها.. كل ذلك وما في معناه من مقتضياته يجعلك
مسلمًا حقًا، ويحقق وعد الله فيك من الأمن في الدنيا والآخرة. وبيانه كما يلي:
-القاعدة الثالثة: التبشير وعدم التنفير. وذلك ببناء الكلام في الدعوة إلى
الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قصد تحبيب العباد في رب العباد.
إذ على ذلك ينبني مفهوم الخوف والرجاء. انظر كيف بشر الله من استقام على
ذلك بالجنة وبالولاية الربانية الحقة، والنجاة من غضبه وعذابه. إنه شعور جميل
جدًا. شعور بالأمن الروحي، والسلام الوجداني، يفيض بالقلب المؤمن الصادق.
إن العبد ليجد جمال الكرم الإلهي في نفسه، ونور رحمته ينبعث من صدقه، في
توجهه وسيره إلى الله، مع خوفه من زوال ذلك؛ مما ينشط حركة سيره، وسرعة
إقباله على ربه رغبًا ورهبًا. فـ (البشرى) هي أعظم ما يحب الإنسان أن يسمع
في حياته. وهي أرفع منازل الدعوة إلى الله، وأرقاها غاية ووسيلة. إلا أنه معلوم
شرعًا وعقلًا أن البشرى لا تتحقق إلا إذا لابسها خوف عدم حصول المرتجى.
فالتخويف أساس لتحقيق التبشير؛ ولذلك قلما ذكر الترغيب في القرآن إلا ذكر معه
الترهيب؛ فهما حقيقتان متلازمتان. إلا أن ضابط ذلك وجماعهما هو التحبيب. أي
لا يجوز أن يُفَرِّط المرء في أحدهما، أو يُفْرِط بما يؤدي إلى تنفير النفس عن
المقصود، وتيئيسها من الله والعياذ بالله. بل يجب أن يكون التخويف على قدر ما
يحبب العباد في رب العباد؛ فههنا ميزان من الحكمة قلَّ من يحسنه من الناس.
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله: «ويندرج الخوف والرجاء في الحب» [5] .
فاجعل التبشير بالخير في الدنيا والآخرة جوهر خطابك للناس، واجعل النذارة
له مصدقة؛ حتى لا تتواكل الأنفس، وتتراخى عن أداء حق الله. واقصد إلى
تعريف الخلق بالله؛ فإنهم إن عرفوه حقًا أحبوه؛ فتعلقوا بعبادته آنئذ خوفًا وطمعًا.
ففي الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا وأبا موسى إلى
اليمن؛ قال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» [6] ،
وفي مسلم: أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم وَمُعَاذًا إلى الْيَمَنِ. فَقَالَ» ادْعُوَا النّاسَ، وَبَشّرَا وَلاَ تُنَفّرَا، وَيَسّرَا
وَلاَ تُعَسّرَا « [7] .
ومن ألطف النصوص في هذا المعنى ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه
قال:» إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: «إن رحمتي سبقت
غضبي» [8] . فهذا رب العالمين يعلمنا أن نجعل خطاب الرحمة سابقًا في دعوتنا،
ونجعل لذلك النذارة خادمة للبشارة؛ لأن الكل مشمول بقصد المحبة. وما أجمل
وصف الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، في ذلك، وهو سيد الدعاة إليه:[لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ]
(التوبة: 128) . فأشد الناس خوفًا من الله هو أشدهم محبة له. بهذا المنطق وجب
أن تبني خطابك أيها الداعية؛ فما تفرد النذير في موطن من الكتاب والسنة إلا لحكمة
خاصة.
-القاعدة الرابعة: الدعوة إلى الله لا إلى ذات الهيآت والمنظمات. تدبر
قوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ] ، فهو أولًا متفرع عن (القول)
الأول: [قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ] وفي سياقه. فإعلان التوحيد بالتعرف على الله
والتعريف به، أمر متضمن لما نحن فيه: (قول الدعوة إلى الله) فليس الداعي
الحق إلى الله إلا معرفًا به؛ ولذلك كان هذا أحسن ما يعلنه العبد في طريق عبادة الله
في الأرض: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا ... ] . ثم هو (دعوة إلى الله) على غرار قوله
في سياق آخر مما سبق بيانه:[قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: 108) .
فهي دعوة إلى (الله) جل جلاله وجماله، توحيدًا وتفريدًا وتجريدًا؛ رغبة
ورهبة.. فتدبر.. لا ضير أن تنظم عملك ضمن أي تنظيم دعوي، ما دامت
أصوله العقدية سليمة، وما دام منهجه الدعوي مستقيمًا على الكتاب والسنة، ولكن
احذر أن يختلط عليك الأمر، فتدعو الناس إلى التنظيم بدل دعوتهم إلى الله، فتكون
قد اتخذت التنظيم آنئذ وثنًا يعبد من دون الله الواحد القهار. اجعل الله غايتك على
كل حال. واتخذه هدفًا لدعوتك: تتعرف عليه وتعرف به؛ تكن أحسن القائلين في
الدين. اجعل تنظيمك أو جماعتك خادمة لله، ولا تجعل الله خادمًا لتنظيمك أو
جماعتك، فتدبر.. تلك لطيفة من لطائف قوله تعالى:[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا
إِلَى اللَّه] (فصلت: 33) . وقد فصلنا الكلام في هذا المعنى بكتابنا(البيان
الدعوي)، معززًا بأدلته الوافية هناك، فارجع إليه إن شئت، والله الهادي إلى
الحق، ولا حق سواه.
-القاعدة الخامسة: في أن العمل الصالح أساس الدعوة إلى الله، وعلى
رأسه الصلاة. ولذلك قال: [وَعَمِلَ صَالِحًا] عطفًا على إحسان القول. فلا قول
حسن إلا إذا انبنى على عمل صالح، ثم انبثق عنه عمل صالح. فويل لمن ناقضت
أفعاله ما أظهر للناس من أقواله. إن الاستقامة التي اشترطت على الذين قالوا ربنا
الله هي هنا قد سيقت مساقًا دعويًا ظاهرًا، بمعنى أنه يجب أن تنتبه إلى أن الداعي
إلى الله يدعو بقوله وبفعله، كما أن المفتي يفتي الناس بقوله وبفعله أحب أم أبى؛
فسلوكه الفعلي مناط اتباع؛ تلك سنة الله في الخلق. فاجعل عملك صالحًا حتى
تكون به مصلحًا؛ ويأجرك الله مرتين.
-القاعدة السادسة: إعلان الانتماء لكل المسلمين، والحرص على عدم
تفريق وحدتهم العامة. [وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: 33) فـ (من)
هذه تفيد التبعيض كما هو معلوم عند اللغويين. والمعنى: أنك واحد من المسلمين،
جزء من كل. فالدعوة إلى الله هي دعوة إلى الله، وانتماء عام لكل المسلمين. وفي
ذلك راحة من مضايق الهيآت والجماعات. فما أجمل أن تجيب الداعي إلى الله
إذا سئلت: (من أي جماعة أنت؟) فتقول: (من المسلمين) ؛ ذلك الحق من رب
العالمين، (فماذا بعد الحق إلا الضلال) !
-القاعدة السابعة: [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَة] . هذا مبدأ ثابت من
مبادئ القرآن، فاثبت عليه. لا يستوي الخير والشر، لا يستوي الحق والباطل،
لا يستوي المعروف والمنكر، لا يستوي الكلام الطيب والكلام الخبيث. ونتيجة
ذلك دعويًا: لا تستوي الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، والدعوة إليه بالتي هي
أخشن. لا يستوي في ميزان الله من يقرب الناس من الله ويعرفهم بجماله وجلاله،
ومن ينفرهم عنه ويجهلهم بقدره، وإن ظن أنه بذلك يحسن صنعًا، فلا تغتر به.
هذا كتاب ربنا واضح في المسألة وضوح الشمس في رابعة النهار، وتلك سنة نبينا
قاطعة بأن المنهج الدعوي الإسلامي إنما هو ما اتسم بالحلم والأناة، والتيسير على
الناس في طريق تعريفهم بحقوق ربهم. ذلك هو الحق الثابت أبدًا:[وَلاَ تَسْتَوِي
الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَة].
-القاعدة الثامنة: دفع الشر بالخير. وهي تفسير للقاعدة السابقة، وبيان لها،
وتحقيق خاص لمناطها العام:[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]. فالعلاقة بين القاعدتين هي العلاقة بين المبدأ الكلي والتطبيق
الجزئي؛ كما هي العلاقة بين المطلق والمقيد؛ وذلك مثلًا حيث يواجهك الخصوم
في الدعوة إلى الله من أهلك وعشيرتك، أو حكومتك، أو يحاصرونك؛ فاقتد
برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تلتفت إلى غيره، إياك أن تغلبك الرغبة
الجامحة في الانتقام؛ لا يستفزنك تحرشهم، ولا يثيرنك جهلهم وعنتهم، وخاصة
أن مناط الأحكام في الدعوة في هذا الزمان غالب أمره أنه يتنزل في بلاد المسلمين،
ويخاطب من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فكيف تنزع إلى العنف
الجاهلي؟ حاشا الجهاد في سبيل الله إنك إن تفقد منهج القرآن، وتخطئ سنة
الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله؛ تفقد صفة الداعي إلى الخير؛
والله أمرك أن تدعو إلى الخير، كما بينت لنا الآية قبل:[وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الخَيْر] (آل عمران: 104) ، وتفقد صفة الداعي إلى الله، فلا تكون داعية
إلا إلى نفسك. حذارِ من التشنج، حذارِ من الغضب لنفسك. ما دمت قد جعلت
نفسك لله فاجعل الكل لله، ولا تتحرك في الدعوة إليه تعالى إلا بما تقدر أنه لله.
[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (فصلت: 34) تلك مقدمة مسلَّمة في منهج الله،
نتيجتها واضحة حاسمة، هي: [فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]
(فصلت: 34) . تلك هي الحكمة المذكورة بوضوح في قوله تعالى:[ادْعُ إِلَى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: 125) . عجيب كم ضل كثير
من الدعاة مع الأسف عن منهج الله لما هجروا القرآن إلى غيره من الأهواء،
مستجيبين لردود الأفعال. ألا ما أوضح القرآن، لو يدَّكرون..[وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ
لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: 17) ، ولكن الضلال عمى. اقرأ يا صاحِ مرة
أخرى.. وتدبر:[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ]. ذلك هو الأصل في المنهج الدعوي، وما سواه جزئي حادث، ولكل
حادث حديث. وإنما العبرة عندنا في هذا الكتاب تقعيد الأصول.
-القاعدة التاسعة: في الصبر على الأخذ بالمنهج القرآني؛ ذلك أنه يحمل
النفس على معاشرة الناس فيما تكره من تحمل الأذى في الله، ودفع الشر بالخير،
ودفع الجَهَلَةِ بالحكمة والموعظة الحسنة، ودفع العداء بالتي هي أحسن. كل ذلك
شديد على النفس؛ لأنها جبلت على محبة ذاتها، والانتقام لها؛ ولذلك قال في
القاعدة التالية: [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] . فدرِّب
نفسك على الصبر حيث يجب الصبر، وعلِّمها كيف تكبح جماحها؛ حتى لا ترد
الجهلَ بالجهل، والشرَّ بالشر، فتزيغ عن الصراط المستقيم.
-القاعدة العاشرة: الحذر من الشيطان. وههنا لطيفة من اللطائف؛ ذلك أن
بعض المسلمين قد يغيب عنه في فتنة الانغماس الاجتماعي أن الشر من الشيطان.
حقيقة كبرى قد تنسى.. اذكر هذا جيدًا وجدد إيمانك به. إن الشيطان الملعون خَلْقٌ
من خَلْقِ الله، بل هو شر خلق الله، إنه ليس وهمًا ولا خيالًا، إنه حقيقة.
إنه يسعى لتضليل عباد الله، وأنت واحد ممن يستهدفه الشيطان بغوايته، وكل
الناس معرض له. فتدبر.. يجب أن تعرف الشيطان وحيله الخبيثة؛ فالمؤمن
الكيِّس الفطن هو من يسأل عن الشر مخافة أن يلحقه؛ فاسأل عنه حتى تعرفه؛
فإنك إن تجهل به تقع في أحابيله. والله عز وجل عرفنا به في غير ما آية من
القرآن، فقال تعالى:[يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ
يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا
جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: 27) . وقال عز وجل في
وجوب اتخاذ الشيطان عدوًا:[إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ
لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: 6) وقال:[لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ
عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ
وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا
مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ
يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا] (النساء: 118-121) .
* اعرف عدوك تنتصر عليه!
اعرف الشيطان حتى تعرف طبيعة العلاقة بينه وبين المسلم عمومًا، وبينه
وبين الداعية إلى الله خصوصًا. إنك إذ تدعو إلى الله تقوم بهدم ما بناه إبليس اللعين؛
فتزداد عداوته لك أضعافًا مضاعفة، ولكنك إن اعتصمت بالله واستعذت به فلن
يصل إليك، فلا سلطان له على عباد الله الصالحين.
إن أسهل ما يمكن أن يزرعه في قلبك هو أن يشغلك بالحسن دون الأحسن،
فإذا استجبت له نزل بك دَرَكة، فدَرَكة؛ حتى يجعلك من الغاوين. ومن هنا قال
عز وجل من بعد ما أرسى قواعد المنهج الدعوي:[وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: 36) .
لقد كان السياق في الحض على الصبر، والثبات على منهج الدفع بالتي هي
أحسن، وعدم الاستجابة لاستفزاز خصوم الدعوة:[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: 34-35) . فقال بعد ذلك مباشرة:[وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ
مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: 36) فجاءت
القاعدة العاشرة في الاستعاذة من نزغ إبليس اللعين؛ خاتمة للقواعد العشر في
المنهج القرآني للدعوة؛ حتى يستشعر الإنسان استقامة ما هو عليه من صراط،
وصواب ما سار عليه من سبيل، وأنه ماضٍ في ذلك على بصيرة يدعو إلى الله.
فمهما حصل من اختلال طارئ، أو ابتلاء سابق؛ فاثبت على منهجك لا تغير ولا
تبدل ما دمت تنهل من القرآن، كتاب الله رب العالمين، وكلما ألقى الشيطان في
روعك من الوساوس ما ألقى؛ [فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] .
* خاتمة:
أحسب أن تلك قواعد وضوابط تضع الداعية على منهج التعرف إلى الله جل
جلاله، والتعريف به. وإن الحركة الإسلامية إذ يكون ذلك هو غايتها، في سائر
أوجه نشاطها الإسلامي؛ فإنها تأمن كل أشكال الشرود والانحراف بين أفرادها
والمتعاطفين معها، إلا ما شاء الله، وتضمن بإذن الله لتوجهها السلامة من الزيغ
عن المقاصد التعبدية، والنجاة من الانجراف إلى المقاصد الدنيوية والمكاسب
الحزبية الضيقة، في أي مجال كانت أنشطتها، سواء في المجال السياسي أو
الاجتماعي أو النقابي أو الإعلامي ... إلخ. ذلك أن توسل العبد بكل أشكال أنشطته
للتعرف على الله والاشتغال بالتعريف به يملأ قلبه جمالًا إيمانيًا قلَّما يجتمع معه حب
الشهوات، وابتغاء الضلالات، مما يجنب الحركة الإسلامية كثيرًا من الويلات
والزلات. ولا نجاة إلا لمن عصمه الله منها.
(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، جامعة المولى إسماعيل، مكناس المغرب.
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أحمد والحاكم بسند صحيح.
(4) رواه مسلم.
(5) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم: 1/ 421، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق زكريا علي يوسف.
(6) متفق عليه.
(7) رواه مسلم.
(8) رواه البخاري.