فهرس الكتاب

الصفحة 4957 من 5925

الورقة الأخيرة

أ. د. ناصر بن سليمان العمر [*]

كثير من الناس يأتي عليه زمن يحصل فيه على الرقم (واحد) ولكنه سرعان

ما يتحول فيما بعد إلى أرقام تالية ومنازل متأخرة، بل ربما طواه النسيان فخرج

عن نطاق الأرقام.

ولكن أن يستمر إنسانٌ ما في أن يكون الرقم (واحد) ، في كل الأحوال

والظروف، في حياته وحين وفاته؛ فذاك أمر يستحق التأمل والنظر.

يكبر الرجل صاحب الرقم (واحد) إذا كان صحيح البدن، كامل الأعضاء،

قوي البنية، سليم الأركان، ولكن يزداد إعجابك به إذا كان رجلًا مقعدًا، بل مصابًا

بالشلل الرباعي منذ شبابه، عدا أمراض الكبر وعلل الهرم وتوالي المحن، بينما

عقله من أقوى العقول؛ وتلك هي حال شيخنا شيخ المجاهدين: أحمد ياسين؛

رحمه الله.

فهذا الرجل، منذ شبابه، كان الرقم (1) في محيطه الذي كان يعيش فيه،

ومع اتساع دائرته شيئًا فشيئًا، من المحيط المحلي، إلى المحيط الإقليمي، إلى

المحيط العالمي، ظل ذلك الرقم ملازمًا له ملازمة الظل لصاحبه.

رجل واجه المرض، والنفي ثم السجن - وأي سجن وحسبك أنه سجن

اليهود - ثم واجه التحديات التي توالت بعد ذلك، مما تخور أمامه عزائم الرجال،

وبقي رغم ذلك كله رمزًا يتربع على ذلك الرقم العجيب، ويحتفظ بالمنزلة رقم

(1) فيا تُرى ما السر في ذلك؟

إن لذلك أسبابًا معتبرة، وعوامل مؤثرة. فلم تكن إنجازاته تلك نتيجة لوراثةٍ

مدّعاة، أو تسلطٍ تخضع له رقاب الرجال، بل كان جراء صفات جِبِلِّيَّة ومواهب

مكتسبة أهَّلته لذلك، ومن قبلها توفيق الله وفضله وكرمه[وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ

اللَّه] (النحل: 53) وفي الحديث الصحيح: «اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو

بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك» [1] .

أما تلك الصفات فمن أهمها:

أولًا: الهمة العالية، والعزيمة الشامخة التي لا تهين عند الأزمات، ولا تشيخ

مع مرور الزمن.

ثانيًا: تحديد الهدف الأسمى، والغاية العظمى التي يسعى إليها، مع وضوح

ذلك الهدف وسمو تلك الغاية.

ثالثًا: التربية الجادة الشاملة، التي تجمع بين القول والعمل، والأخذ والعطاء،

والقدوة والاقتداء.

رابعًا: قوة الإيمان، ورسوخ القناعة بالأهداف والغايات. قناعة لا تزعزعها

الأزمات، ولا تؤثر فيها بُنَيَّات الطريق.

خامسًا: حسن التعامل مع الوسائل، والواقعية والتدرج في تحقيق الأهداف،

وسرعة الحركة عند مواجهة الأزمات، مع قدرة فائقة في الالتفاف عليها وإخضاعها

لتحقيق الغايات، لتكون قوة دافعة لا عقبة مانعة.

سادسًا: التجرد والإخلاص، وإنكار الذات والتخلي عن شهوات الدنيا،

وحظوظ النفس، وبهذا يكون القائد رابحًا على أي حال وفي أي وضع كان، في

سرَّائه وضرَّائه، يُسره وعُسره، غناه وفقره، ليله ونهاره، وتبعًا لذلك يكون

منشرح الصدر، ظاهر التفاؤل، لا يدب اليأس إلى قلبه ولا التشاؤم والقنوط إلى

نفسه، يرى بنور الله، ويسير في هداه.

سابعًا: سلامة المنهج، واستقامة الطريق، وتحرير الأهداف من محدثات

الأمور، ونقاء الوسائل من البدع ومسالك التأول والترخُّص بلا دليل.

ثامنًا: القدوة والأسوة، في القول والعمل، في النية والاعتقاد، في المظهر

والمخبر، في اليقظة والمنام، في السلوك والممارسة.. تواضع بلا ذلة، وعزة بلا

تكبر، وكرم دون إسراف، واقتصاد دون تقتير، توسط في الأمور كلها، دون

الغالي وفوق الجافي؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

تاسعًا: وقبل ذلك وبعده هو بشر، يخطئ ويتوب، ويذنب ويستغفر، ويجنح

ويعود، يعثر فينهض، ويسقط فيقوم، ليس بالمعصوم ولا بالمذموم، تضيع

هضاب سيئاته بين جبال حسناته، وتغوص في بحور شمائله ومناقبه عثراتُه.

عاشرًا: وأخيرًا هو واحد في عصبة، وعصبة في واحد، الشورى منهجه،

والعزم والجد ديدنه، لا يتراجع تراجع الضعفاء والمهزومين، ولا يمضي مضي

المعاند بعد أن يستبين، ولا يتردد تردد الجبناء والموسوسين، شعاره[وَشَاوِرْهُمْ

فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ](آل عمران:

وبعد: فهنيئًا لأولئك الرجال الذين كان شعارهم:[سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن

رَّبِّكُمْ] (الحديد: 21) . إلى أولئك الذين ضربوا في كل غنيمة بسهم، وظلوا

على ذلك حتى لقوا وجه ربهم؛ فلعلهم فازوا بالوعد الإلهي:[يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ

المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي

جَنَّتِي] (الفجر: 27-30) .

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا ثابتين غير مغيِّرين ولا مبدِّلين من الذين أثنيت

عليهم واصطفيتهم فقلت:[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم

مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] (الأحزاب: 23) .

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

أجمعين.

(*) المشرف على موقع المسلم على الشبكة العالمية.

(1) رواه أبو داود، رقم 4411، دون عبارة (أو بأحد من خلقك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت