وقد قام مقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقام الإسلام فلم يخل بشيء منه، بل أدخل الناس من الباب الذي خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين. فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه أحد حتى قام الدين كما كان، وكانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم بعد هذا سموا عمر وغيره أمير المؤمنين، قال السهيلي وغيره من العلماء: ظهر قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] في أبي بكر خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم انقطع هذا الاتصال اللفظي بموته فلم يقولوا لمن بعده: خليفة رسول الله.
وأيضًا فعلي بن أبي طالب تعلم من أبي بكر بعض السنة بخلاف أبي بكر فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب؛ كما في الحديث المشهور الذي في السنن حديث صلاة التوبة عن علي قال: كنت إذا سمعت من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثًا ينفعني الله به بما شاء أن ينفعني. فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر - وصديق أبو بكر - عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له) (70) ، ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليًا كعلقمة والأسود وشريح القاضي وغيرهم؛ كانوا يرجحون قول عمر على قول علي، وأما تابعو أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر.
وإنما الكوفة ظهر فيها فقه علي وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته، وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر لا في فقه ولا علم ولا غيرهما، بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر إلا من كان علي ينكر عليه ويذمه مع قلتهم في عهد علي وخمولهم.
وكانوا ثلاث طوائف:
طائفة غلت فيه كالتي ادعت فيه الإلهية، وهؤلاء حرقهم علي بالنار. وطائفة كانت تسب أبا بكر وعثمان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليًا ذلك طلب قتله فهرب منه.
وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر قال: لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حديث: المفتري (71) وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من رواية رجال همدان خاصة التي يقول فيها علي:
ولو كنت بوابًا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام من رواية سفيان الثوري عن منذر الثوري وكلاهما من همدان، ورواه البخاري (72) بسنده عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: من خير الناس بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ فقال: يا بني أو ما تعرف؟ فقلت لا! فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر.
يواصل الشيخ (73) ـ رحمه الله ـ الكلام في بيان فضل أبي بكر وعمر على غيرهما من هذه الأمة في العلم والدين وتقديمهما على غيرهما في الخلافة والمرتبة ويرد على أحاديث مروية لا تصح فيقول:
وأما قوله: (أقضاكم علي) (74) فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد المشهورة، لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف وإنما يروى من طريق من هو معروف بالكذب، ولكن قال عمر بن