الخطاب: أبي أقرؤنا، وعلي أقضانا. وهذا قاله بعد موت أبي بكر.
والذي في الترمذي وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت) (75) والحديث الذي فيه ذكر علي مع ضعفه فيه: أن معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام، وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض. فلم قدر صحة هذا الحديث لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علمًا من الأعلم بالقضاء؛ لأن الذي يختص بالقضاء إنما هو فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون الباطن بخلافه؛ كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) (76)
فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه لا يحل الحرام. بل يحرم على المسلم أن يأخذ بقضائه ما قضى له به في حق الغير، وعلم الحلال يتناول الظاهر والباطن فكان الأعلم به أعلم بالدين.
وأيضًا فالقضاء نوعان:
أحدهما: الحكم عند تجاحد الخصمين، مثل: أن يدعي أحدهما أمرًا يكذبه الآخر فيه فيحكم فيه بالبينة ونحوها.
والثاني: ما لا يتجاحدان فيه - يتصادقان - ولكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما؛ كتنازعهما في قسم فريضة أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر أو فيما يستحق كل من الشريكين ونحو ذلك. فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام. فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما ذلك ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما، وإنما يحتاجان إلى حاكم عند التجاحد، وذاك إنما يكون في الأغلب مع الفجور، وقد يكون مع النسيان. فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بر وفاجر. وما يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار. ولهذا كلما أمر أبو بكر عمر أن يقضي بين الناس مكث حولًا لم يتحاكم إليه اثنان في شيء , ولو عد مجموع ما قضي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هذا النوع لم يبلغ عشر حكومات. فأين هذا من كلامه في الحلال والحرام الذي هو قوام دين الإسلام يحتاج إليه الخاص والعام؟
وقوله: (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) (77) ، أقرب إلى الصحة باتفاق علماء الحديث من قوله: (أقضاكم علي) (78) ، لو كان مما يحتج به، وإذا كان ذلك أصح إسنادًا وأظهر دلالة؛ علم إن المحتج بذلك على أن عليًا أعلم من معاذ بن جبل جاهل؛ فكيف من أبي بكر وعمر اللذين هما أعلم من معاذ بن جبل؟ مع أن الحديث الذي فيه ذكر معاذ وزيد يضعفه بعضهم ويحسنه بعضهم، وأما الحديث الذي فيه ذكر علي فضعيف.
وأما حديث: (أنا مدينة العلم) ، فأضعف وأوهى ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (79) ، وبين أنه موضوع من سائر طرقه، والكذب يعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده؛ فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد. ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدًا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن وتلك القرائن إما أن تكون منتفية، وإما أن تكون خفية على كثير من الناس أو أكثرهم؛ فلا يحل لهم العلم بالقرآن والسنة