وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها، لا الرسول ولا غيره، ويظنون أن هذا معنى قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] ، مع نصرهم للوقف على ذلك. فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلَّغ قرآنًا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وأن جبريل كذلك وأن الصحابة والتابعين كذلك. وهذا ضلال عظيم. وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول -صلى الله عليه وسلم-. ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف والتبديل وظن أهل التجهيل. والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
انتهى المقصود من كلام الشيخ -رحمه الله-، وقد بيَّن لنا -رحمه الله- مراجع التفسير المعتمدة الصحيحة للرجوع إليها في تفسير كلام الله خصوصًا في أمر العقيدة، بدلًا من تفاسير علماء الكلام التي شحنوها بعقائدهم الفاسدة وجدلياتهم الباطلة، حتى ضللوا كثيرًا من المسلمين، وحجبوا عنهم علم السلف من الصحابة والتابعين من القرون المفضلة، فلنرجع إلى الكتب الأصيلة في دراستنا ومقرراتنا الدراسية ومطالعاتها حتى نأخذ العلم الصحيح من مصدره الصافي. نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الهداية.
وقد حدث في الآونة الأخيرة ناشئة تفسر القرآن بغير علم ولا رجوع إلى كتب السلف بل إلى النظريات الحديثة المتناقضة؛ مما يسمونه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم. وهذا قول على الله بلا علم نسأل الله العافية والسلامة.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وأما قول المعترض (81) : إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر، فيقال له: الجواب عن هذا كالجواب على قولك: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه؟ وذلك إنه إذا جاز أن ينزل ولا يخلو منه العرش فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك، بناء على أن هذا نزولٌ لا يقاس بنزول الخلق، وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع:
أحدها: أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت؛ فإن كان مما تحتج به حجة صحيحة من المعقول لزم بطلان النفي فيلزم الإثبات إذ الحق لا يخلو عن النقيضين، وإن كان باطلًا لم يبطل به الإثبات فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعية النبوية. وهذا كما إذا قال: لو كان فوق العرش لكان جسمًا وذلك ممتنع. فيقال له: للناس هنا ثلاثة أقوال: منهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم. ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم. ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول: هو جسم ولا ليس بجسم. ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات لأن كليهما بدعة في الشرع. ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم. فإن فسر بما يجب التنزيه للرب عنه نفاه وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك. وإن فسر بما يتصف به الرب لم ينف ذلك المعنى، فالجسم في اللغة هو البدن. والله منزه عن ذلك. وأهل الكلام قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة. وكثير منهم ينازع في كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا، بل أكثر العقلاء من بني آدم عندهم أن السماوات ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، فكيف يكون رب العالمين مركبًا من هذا وهذا؟ فمن قال: إن الله جسم وأراد بالجسم هذا المركب فهو مخطئ في ذلك. ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله فقد أصاب في نفيه عن الله، لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده.
ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مُرَكِّب أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع أو أنه يقبل التفريق. والله منزه عن ذلك كله.