فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 400

وقد يراد بالجسم والمتحيز ما يشار إليه، بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في الدعاء وأنه يقال: هو هنا وهناك، ويراد به القائم بنفسه، وهو عند السلف وأهل السنة ترفع إليه الأيدي في الدعاء وهو فوق العرش.

إلى أن قال (82) -رحمه الله-:

وإنما المقصود التنبيه على أن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كان معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراد أولئك، كلفظ الجسم والجهة والحيز والجبر، ونحو ذلك، بخلاف ألفاظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه.

إلى أن قال (83) -رحمه الله-: والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلًا. إلى أن قال (84) -رحمه الله-: وأما النزول الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه، وجميع ما وصف به الرب -عز وجل- نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص، وأما قربه مما يقرب منه فهو خاص لمن يقرب منه كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى سماء الدنيا لأجل الحجاج وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وقد تكون ليلًا في بعض البلاد فإن تلك البلاد لم يدن إليها ولا إلى سمائها الدنيا وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحجاج، وكذلك نزوله بالليل، وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسَبُ لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رزين للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة بدر) . قال: يا رسول الله كيف ونحن جميع وهو واحد؟ فقال: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله. هذا القمر كلكم يراه مخليًا به. فالله أكبر) (85) وقال رجل لابن عباس -رضي الله عنه-: كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة. قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة!

وكذلك ما ثبت في"صحيح مسلم" (86) عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال العبد: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل) ، فهذا يقوله سبحانه وتعالى لكل مصل قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك. وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصي عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك. فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة، وكذلك سمعه لكلامهم، يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم، يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين؛ فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله. وهو الذي يرزق هذا كله. وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له. وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت