فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 400

من الزرع. وكرسيه قد وسع السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما فإذا كان لا يؤوده خلقه، ورزقه على هذه التفاصيل؛ فكيف يؤوده العلم بذلك أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم أو إجابة دعائهم؟ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ويرد على من ينفي ذلك من نفاة الصفات فيقول: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر] ، وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء؛ فإنه -سبحانه وتعالى- قال: {وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] الآية، وقد ثبت في"الصحيحين"من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ويقول: أنا الملك. أنا الملك. أين ملوك الأرض؟) (87) وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم (88) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى. ثم يطوي الله الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) .

وذكر -رحمه الله- أحاديث في هذا المعنى ثم قال: فإذا كان سبحانه يطوي السماوات كلها بيمينه وهذا قدرها عنده كما قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم (89) وهو سبحانه بيّن لنا من عظمته بقدر ما نعقله.

إلى أن قال: فَمَنْ هذه عظمته كيف يحصره شيء من المخلوقات سماء أو غير سماء حتى يقال: إنه إذا نزل إلى سماء الدنيا صار العرش فوقه أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به -سبحانه وتعالى-!

فإذا قال: هو قادر على ما يشاء. قيل: فقل: هو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وهو فوق عرشه -سبحانه وتعالى-. وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولى بأن يوصف به مما ليس كذلك. فإن من توهم العظيم الذي لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه الصغير وجعل هذا من باب القدرة والعظمة. فقوله: إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش أبلغ في القدرة والعظمة وهو الذي فيه موافقة العقل والشرع.

إلى أن قال (90) -رحمه الله-: وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقًا فلا يوصف بالسفول ولا علوِّ شيء عليه بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء؛ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- (91) وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية لا النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك، فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، والأدلة العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه، ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب والسنة، بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا يقرون أفعاله من الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه.

ثم تكلم الشيخ (92) عن تفسير من فسر قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] بعمد إلى خلقها بأنه من أضعف الوجوه. فإنه أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض، وكذلك ثبت في"صحيح البخاري"عن عمران بن حصين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض) (93) فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السماوات والأرض؛ فكيف يكون استواؤه عليه عَمْده إلى خلقه له؟ لو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت