فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 400

فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك؛ كله دال على هذا المعنى. وقد ثبت لفظ الكامل فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} ، أن الصمد هو المستحق للكمال. وهو السيد الذي كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤود. وهو الله -سبحانه وتعالى-، وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفء ولا كمثله شيء، وهكذا سائر صفات الكمال. ولم يُعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل.

قال الشيخ: وقد بينا في غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها، والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له ونفي النقائص عنه مما يعلم بالعقل، وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع، الذي هو الإجماع، وأن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق الذي نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري والقاضي وأبي بكر وأبي إسحاق ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له، بالأدلة العقلية وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية، ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة. إلى أن قال (120) -رحمه الله-: والمقصود هنا أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل وأن نقيض ذلك منتف عنه. فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل والشرع دون تلك؛ خلاف ما قاله المتكلمون. إلى أن قال (121) الشيخ -رحمه الله-:

فإذا كان الكمال للممكن الوجود ممكنًا؛ فإمكانه لواجب الوجود أولى؛ لأنه إذا أمكن الكمال للمفضول فإمكانه للفاضل أولى؛ لأن ما كان ممكنًا لمن هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى؛ ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق. والذي جعل غيره كاملًا هو أحق بالكمال منه، فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة، والذي علَّم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة. (122) -رحمه الله-:

وقد بيّن الله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره، وأن غيره لا يساويه في الكمال في مثل قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل] ، وقد بيّن أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم، وقال تعالى: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل] ؛ فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله وذاك لما يعبد من دونه، وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل] ، وهذا مثلٌ آخر. فالأول مثل العاجز عن الكلام وعن الفعل، والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم فهو عادل في أمره مستقيم في فعله؛ فبيّن أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم؛ فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودًا وقد يكون مذمومًا، فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت