فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 400

وقال تعالى: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم] ، يقول تعالى: إذا كنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم؛ فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد. وهذا كقوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} [النحل] ، حيث كانوا يقولون الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصًا وعيبًا، والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه. وقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ، وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم. وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر] ، فبين أن البصير أكمل، والنور أكمل والظل أكمل، وحينئذٍ فالمتصف به أولى {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] ، وقال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] ؛ فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي والرب أحق بالكمال. وقال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس] ؛ فبيّن سبحانه بما هو مستقر في الفطر: أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره؛ فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل، دون الذي لا يهتدي إلا بغيره، وإذا كان لا بد من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل. قال تعالى في الآية الأخرى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه] ؛ فدل على أن الذي يرجع إليهم القول ويملك الضر والنفع أكمل منه. وقال إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: 42] ، فدل على أن السميع البصير الغني أكمل وأن المعبود يجب أن يكون كذلك. ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال؛ كعدم التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات. وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب. وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات. فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى وعاب عابديها. ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا وعبادةً لغير الله؛ إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئًا. والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه. فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما إثبات صفات الكمال ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو ردًا على المشركين، والشرك في العالم أكثر من التعطيل.

ولا يلزم في إثبات التوحيد المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، ولا يلزم من الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر، والقرآن يُذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون وأمثاله، ويُذكر فيه الرد على المشركين، وهذا أكثر؛ لأن القرآن شفاء لما في الصدور ومرض الإشراك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت