فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 400

أكثر في الناس من مرض التعطيل. وأيضًا فإن الله سبحانه أخبر أن له الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمدَ في الأولى والآخرة وله الحكم ونحو ذلك من أنواع المحامد، والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله. وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال وهي أمور وجودية، فإن الأمور العدمية لا حمد فيها ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق. والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد والكمال من كل كامل وهو المطلوب.

قال الشيخ (123) -رحمه الله- على قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبية: قد بينا أن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلًا، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص فيكون كمالًا من وجه دون وجه؛ كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه؛ لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص، والتعالي والتكبر والثناء على النفس وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية كقوله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} ، وقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، وقوله: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} [البقرة: 284] ، وقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} [العنكبوت: 4] ، وقوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] ، وقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، وقوله: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2، 3] ، وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه، وهو في ذلك صادق في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال، وهو أيضًا من كماله؛ فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضًا من كماله، وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه كان مفتريًا كاذبًا، والكذب من أعظم النقائص والعيوب، وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقًا. بل قد يحمد منه إذا كان في ذلك مصلحة كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) (124) ، وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية فيذم لفعله ما هو مفسدة لا لكذبه.

والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه، بل له الحمد على كل حال، فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود، وأما على قول من يقول: الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر، وأما على قول الجمهور من أهل السنة والقدرية فإنه إنما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل فأخباره كلها وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة، واقعة على وجه الكمال الذي يستحق عليه الحمد.

وله من الأمور التي يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه تبارك وتعالى فالكبرياء والعظمة بمنزلة كونه حيًا قيومًا قديمًا واجبًا بنفسه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما سواه؛ فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو كيف يكون كمالًا من غيره، وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريًا منازعًا للربوبية في خواصها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يقول الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته) (125) وجملة ذلك أن الكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره. فادعاؤه منازعة للربوبية وفرية على الله.

ومعلوم أن النبوة كمال للنبي وإذا ادعاها المفترون كمسيلمة، وأمثاله؛ كان ذلك نقصًا منهم، لا لأن النبوة نقص، ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت