فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 400

بذلك كان مذمومًا ممقوتًا، وهذا يقتضي أن الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق، وهذا لا ينافي أن ما كان كمالًا للموجود من حيث هو موجود فالخالق أحق به، ولكن يفيد أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه إذا وصف الخالق منه، فالذي للخالق لا يماثله الذي للمخلوق، وهذا حق. فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء، فليس له سمي ولا كفؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق. فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما ثبت للمخلوق عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها.

وملخص ذلك أن المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه أحيانًا ونحو ذلك.

وقال (126) -رحمه الله-:

قال الله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف] ، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى} [طه] ، وقال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الحشر: 24] ، والحسنى: المفضلة على الحسنة، ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: ليس له من الأسماء الحسنى إلا الأحسن، ولا يدعى إلا به. وإما أن يقال: لا يدعى إلا بالحسنى وإن سمي بما يجوز وإن لم يكن من الحسنى، وهذان قولان معروفان. وإما أن يقال: بل يجوز في الدعاء والخبر، وذلك أن قوله {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ، وقال: {ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، أثبت له الأسماء الحسنى وأمر بالدعاء بها؛ فظاهر هذا أن جميع الأسماء الحسنى، إلى أن قال (127) : ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى. وأما الأخبار عنه فلا يكون باسم سيئ لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه. مثل اسم شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت، وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد فهو من الأسماء الحسنى. وكذلك المريد والمتكلم فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم فليس ذلك من الأسماء الحسنى، بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك فإن ذلك لا يكون إلا محمودًا.

وهذا كما في حق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63] ، فأمرهم أن يقولوا: يا رسول الله. يا نبي الله كما خاطبه الله بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال: 64] ، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة: 41] ، لا يقول: يا محمد. يا أحمد. يا أبا القاسم، وإن كانوا يقولون في الإخبار كالأذان ونحوه: أشهد أن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] ، وقال: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ، وقال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب: 40] ؛ فهو سبحانه لم يخاطب محمدًا إلا بنعت التشريف كالرسول والنبي والمزمل والمدثر، وخاطب سائر الأنبياء بأسمائهم مع أنه في مقام الإخبار عنه قد يذكر اسمه.

فقد فرق سبحانه بين حالتي الخطاب في حق الرسول وأمرنا بالتفريق بينهما في حقه، وكذلك هو المعتاد من عقول الناس إذا خاطبوا الأكابر من العلماء والأمراء والمشائخ والرؤساء؛ لم يخاطبوهم ويدعوهم إلا باسم حسن، وإن كان في حال الإخبار عن أحدهم يقال: هو إنسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق ومربوب ومصنوع وابن أنثى، ويأكل الطعام ويشرب الشراب، لكن كل ما يذكر من أسمائه وصفاته في حال الإخبار عنه يدعى به في حال مناجاته ومخاطبته، وإن كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت