كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران] .
وأما لفظ الظلم المطلق فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب، قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات] . قال عمر بن الخطاب: نظراؤهم. وكذلك قال قتادة والكلبي: كل من عمل بمثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا. وعن الضحاك ومقاتل: قرناؤهم من الشياطين، كل كافر معه شياطينه في سلسلة، وهذا كقوله: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير] ، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح. قال ابن عباس: وذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة. وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته؛ اليهودي مع اليهود والنصراني مع النصارى. وقال الربيع بن خثيم: يحشر المرء مع صاحب عمله، وهذا كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قيل له: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: (المرء مع من أحب) (183) ، وقال: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) (184) ، وقال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) (185) ، وزوج الشيء نظيره، وسمى زوجًا لتشابه أفراده، كقوله: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] ، وقال: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات] ، قال غير واحد من المفسرين: صنفين ونوعين مختلفين، السماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبرّ والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجنّ والإنس، والكفر والإيمان، والسعادة والشقوة، والحق والباطل، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والحلو والمر، وأشباه ذلك {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] ، فتعلمون أن خالق الأزواج واحد، وليس المراد [يعني بقوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ} ] أنه يحشر معهم زوجاتهم مطلقًا، فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرًا بل كافرًا كامرأة فرعون، وكذلك الرجل الصالح قد تكون امرأته فاجرة بل كافرة كامرأة نوح ولوط، لكن إذا كانت المرأة على دين زوجها دخلت عموم الأزواج، ولهذا كان الحسن البصري يقول: وأزواجهم المشركات، فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار كما دلّ عليه سياق الآية. وقد تقدم كلام المفسرين أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة وأهل الخمر مع أهل الخمر، وكذلك الأثر المرويّ: إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم أو قال: وأشباههم؟ فيجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار؟، وقد قال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا. ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم، وأعوانهم هم أزواجهم المذكورين في الآية، فإن المعين على البرّ والتقوى من أهل ذلك، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك. قال تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} [النساء: 85] ، والشافع الذي يعين غيره فيصير معه شفعًا بعد أن كان وترًا، ولهذا فسرت الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد، والشفاعة السيئة بإعانة الكفار على قتال المؤمنين؛ كما ذكر ذلك ابن جرير وأبو سليمان. وفسرت الشفاعة الحسنة بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعًا أو يخلصه من بلاء، كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد، فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه الله ورسوله من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن يستحق دفع الضر عنه. والشفاعة السيئة إعانته على ما يكرهه الله ورسوله كالشفاعة التي فيها ظلم للإنسان أو منع الإحسان الذي يستحقه، وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين، والسيئة بالدعاء عليهم، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين، وكل هذا صحيح، فالشافع زوج المشفوع له؛ إذ المشفوع عنده من الخلق: إما أن يعينه على بر وتقوى، وإما أن يعينه على إثم وعدوان. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أتاه طالب حاجة قال لأصحابه: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء) (186)