فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 400

وتمام الكلام يبين أن الآية [يعني قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا} ] وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره، فهي أيضًا متناولة ما دون ذلك. وإن قيل فيها: {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} [الصافات: 22] ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تَعسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) (187) وثبت في الصحيح أنه قال: (ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يفرّ منه وهو يتبعه حتى يطوّقه في عنقه) . وقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] ) (188)

يواصل الشيخ (189) الكلام على قوله تعالى: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل) (190) ، قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وكذا قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره، وقد قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة] ، وفي حديث عدي بن حاتم (191) ، وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وكان قد قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: (أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلون؟) قال: قلت: بلى، قال: (فتلك عبادتهم) .

وكذلك قال أبو البَحْتَري (192) : أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله أطاعوهم. ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا. فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة للرجال، وتلك عبادة للأموال"يعني قوله: تعس عبد الدرهم (193) والدينار. . . الحديث"، وقد بيَّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فهذا من الظلم الذي يدخل في قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الصافات] فإن هؤلاء الذين أمروهم بهذا هم جميعًا معذبون، وقال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء] ، وإنما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع في معصية الله، فهم الذين سبقت لهم الحسنة، كالمسيح والعزير وغيرهما، فأولئك {عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] . وأما من رضي بأن يعبد ويطاع في معصية الله فهو مستحق للوعيد ولو لم يأمر بذلك، فكيف إذا أمر؟ وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله، وهذا من أزواجهم، فإن أزواجهم قد يكونون رؤساء لهم، وقد يكونون أتباعًا، وهم أزواج وأشباه لتشابههم في الدين، وسياق الآية يدل على ذلك، فإنه سبحانه وتعالى قال: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات] . قال ابن عباس: دلوهم، وقال الضحاك مثله، وقال ابن كيسان: قدموهم. والمعنى: قودوهم؛ كما يقول الهادي لمن يهدي. ولهذا تسمى الأعناق الهوادي لأنها تقود سائر البدن، وتسمى أوائل الوحش الهوادي.

وقوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} [الصافات] ، أي: كما كنتم تناصرون في الدنيا على الباطل بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت