فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 400

والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه من عبادة الله وطاعته صار عبدًا له، وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر، وله من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: (إن يسير الرياء شرك) (199)

ثم رجع الشيخ إلى أصل الموضوع الذي يتكلم عنه وهو المقصود بالظلم، فيقول: والمقصود هنا أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر، بل يتناول ما دونه أيضًا. وكل بحسبه كلفظ الذنب والخطيئة والمعصية، فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان كما في"الصحيحين" (200) عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) ، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان] )، فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة، ولكل عمل قسط منه، فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن كان عذابه دون ذلك، ولو زنى وقتل ولم يشرك كان له من هذا العذاب نصيب؛ كما في قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء] ، ولم يذكر:"أبدًا"، وقد قيل: إن لفظ التأبيد لم يجيء إلا مع الكفر، وقال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان] ، فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم يؤمن بالرسول، وسبب نزول الآية كان في ذلك، فإن الظلم المطلق يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه، فمن خالّ مخلوقًا في خلاف أمر الله ورسوله كان له من هذا الوعيد نصيب؛ كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف] ، وقال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة] ، قال الفضيل بن عياض: حدثنا الليث عن مجاهد: هي المودات التي كانت بينهم لغير الله، فإن المخالة تحاب وتواد، ولهذا قال: (المرء على دين خليله) (201) ، فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب، فإذا اتّبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك، إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} [البقرة: 165] ، والذين قدموا محبة المال الذي كنزوه والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك، فلهذا ألزمهم محبوبهم كما في الحديث: (يقول الله: أليس عدلًا مني أن أُولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) (202) ، وقد ثبت في الصحيح: (يقول: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فمن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويُمثل للنصارى المسيح ولليهود عزير، فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) (203) ، فهؤلاء أهل الشرك الأكبر. وأما عبيد المال الذين كنزوه، وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله؛ فأولئك يعذّبون عذابًا دون عذاب أولئك المشركين، إما في عرصات القيامة، وإما في جهنم، ومن أحبّ شيئًا دون الله عُذّب به.

ومعنى كلام الشيخ هنا أن من اشتغل في محاب نفسه عن طاعة الله عذبه الله بهذا الذي اشتغل به عن طاعة الله عقوبة له؛ كما قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ} ، إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

وقال تعالى (204) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة] ، فالكفر المطلق هو الظلم المطلق، ولهذا لا شفيع يوم القيامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت