لأهله كما نفى الشفاعة في هذه الآية، وفي قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر] ، وقال: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء] ، وقوله: {إِذْ نُسَوِّيكُم} ، لم يريدوا أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه، فإن هذا لم يقله أحد من بني آدم، ولا نقل عن قوم قط من الكفار: أنهم قالوا: هذا العالم له خالقان متماثلان، حتى المجوس القائلين بالأصلين: النور والظلمة متفقون على أن النور خير يستحق أن يعبد ويحمد، وأن الظلمة شريرة تستحق أن تذم وتلعن. واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة؟ على قولين: وبكل حال لم يجعلوها مثل النور من كل وجه، وكذلك مشركو العرب كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السماوات والأرض، بل كانوا مقرّين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض وما بينهما، كما أخبر الله عنهم في غير آية؛ كقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت] .
وذكر الشيخ (205) -رحمه الله- آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله في خلق السماوات والأرض ولا خلق شيء، بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط؛ كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس: 18] ، وقال عن صاحب يس: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ} [يس] ، وقال تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] ، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة] ، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ] ، فنفى عمّا سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونًا لله ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب؛ كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقال تعالى عن الملائكة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] ، وقال: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم] ، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. وأما ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يكون، فأخبر (206) : (أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولًا، فإذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، يقال له: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي، فيحدّ له حدًا فيدخلهم الجنة) ، وكذلك في الثانية، وكذلك في الثالثة. وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) (207) ، فتلك الشفاعة هي لأهل الإخلاص بإذن الله، ليست لمن أشرك بالله، ولا تكون إلا بإذن الله، وحقيقته أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك، وينال المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون -صلى الله عليه وسلم-، كما كان في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم وتلك شفاعة منه لهم، فكان الله يجيب شفاعته ودعاءه.
ثم عاد الشيخ إلى الموضوع الذي يتكلم عنه وهو الظلم، فقال: وإذا كان كذلك فالظلم ثلاثة أنواع: فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه، وظلم الناس بعضهم بعضًا لا بد فيه من إعطاء المظلوم حقه، ولا يسقط