فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة؛ كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه، وليس مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (إنما هو الشرك) ، أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام، الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بدّ لهم من دخول الجنة. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما هو الشرك) (214) ، إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده: أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة فهو مهتدٍ إلى ذلك. وإن كان مراده جنس الشرك فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلفُ يُدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار.
انتهى كلام الشيخ في هذا الموضوع المهم، وهو بيان أنواع الظلم وحكم كل نوع وما يترتب عليه من الأحكام، وأن المعاصي كلها ظلم، ولكن هذا الظلم يتنوع فمنه ظلم لا يغفر إلا بالتوبة منه وهو الشرك، وظلم داخل تحت المشيئة قابل للمغفرة أو التعذيب بحسبه ولا يخلد صاحبه في النار، بل يكون مآله إلى الجنة بسبب توحيده وهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي التي هي دون الشرك، وهذا الذي ذكره الشيخ في هذا النوع هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج الذين يكفرون بالكبائر التي دون الشرك وخلافًا للمعتزلة، الذين يقولون: إن صاحبها في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر، وخلافًا للمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية. وأما ظلم العبد للناس فإنه لا يغفر إلا بمسامحة المظلومين، وإلا فإنه لا بدّ من القصاص للمظلومين من الظالم.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: ومن هذا الباب لفظ الصلاح والفساد، فإذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير، وكذلك الفساد يتناول جميع الشر، وكذلك اسم المصلح والمفسد، قال تعالى في قصة موسى: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] ، {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] ، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة] ، والضمير عائد على المنافقين في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة] ، وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن سيكون بعدهم، ولهذا قال سلمان الفارسي: إنه عنى بهذه الآية قومًا لم يكونوا خلقوا حين نزولها، وكذا قال السدي عن أشياخه: الفساد: الكفر والمعاصي، وعن مجاهد: ترْك امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والقولان معناهما واحد. وعن ابن عباس: الكفر. وهذا معنى قول من قال: النفاق الذي صافوا به الكفارُ وأطلعوهم على أسرار المؤمنين. وعن أبي العالية ومقاتل: العمل بالمعاصي، وهو أيضًا عام كالأولين. وقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] ، فسر بإنكار ما أقروا به؛ أي: إنما نفعل ما أمرنا به الرسول، وفسر بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح. وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق، فإنهم يقولون هذا وهذا. يقولون: الأول لمن لم يطلع على بواطنهم، ويقولون: الثاني لأنفسهم ولمن اطّلع على بواطنهم. لكن الثاني يتناول الأول، فإن من جملة أفعالهم إسرار خلافِ ما يظهرون، وهم يرون هذا صلاحًا. قال مجاهد: أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد. وقيل عن السديّ: إنّ فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد. وقيل: أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا، فإن