فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 400

الدولة إن كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أمنوا بمتابعته، وإن كانت للكفار فقد أمنوا بمصافاتهم، ولأجل القولين قيل في قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة] ، أي: لا يشعرون أن ما فعلوا فساد لا صلاح. وقيل: لا يشعرون أن الله يُطلع نبيه على فسادهم، والقول الأول يتناول الثاني فهو المراد، كما يدل عليه لفظ الآية. وقال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف] ، وقال: {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] ، وقول يوسف: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] ، وقد يقرن أحدهما - أي الفساد والصلاح- بما هو أخص منه؛ كقوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة] ، قيل: بالكفر، وقيل: بالظلم، وكلاهما صحيح. وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] ، وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] ، وقتل النفس الأول من جملة الفساد، لكن الحق في القتل لولي المقتول، وفي الردة والمحاربة والزنا: الحق فيها لعموم الناس. ولهذا يقال: هو حق الله، ولهذا لا يُعفى عن هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام.

قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] ، قيل: سبب نزولها العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال. وقيل: سببه ناس معاهدون نقضوا العهد وحاربوا. وقيل: المشركون، فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين. وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطّاع الطريق من المسلمين، والآية تتناول ذلك كله، ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء، فإنه يسقط عنه حق الله، وكذلك قرن الصلاح والإصلاح بالإيمان في مواضع كثيرة؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] ، {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] . ومعلوم أن الإيمان أفضل الإصلاح وأفضل العمل الصالح؛ كما جاء في الحديث الصحيح أنه قيل: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله) (215) ، وقال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه] ، وقال: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [مريم: 60] ، وقال: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] ، وقال في القذف: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران] ، وقال في السارق: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39] ، وقال: {وَاللَّذَانَ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16] ، ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة القاذف أن يصلح، وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة، وبذلك أخذ أحمد من توبة الداعي إلى البدعة يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل.

يتكلم الشيخ (216) -رحمه الله- عن الحقيقة والمجاز ومدى صحة وجود المجاز في اللغة بالمعنى الذي يذكره البلاغيون، فيقول -رحمه الله-: فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلام كل أحد بين ظاهر لا يمكن دفعه، لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان على الأعمال مجاز،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت