فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 400

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (217) ؛ مجاز. وقوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) (218) إلى آخره حقيقة، وهذا عمدة المرجئة والجهمية والكرامية وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان، ونحن نجيب بجوابين: أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز. والثاني: ما يختص بهذا الموضوع.

فبتقدير أن يكون أحدهما مجازًا، ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل الحقيقة هو المطلق أو المقيد أو كلاهما حقيقة؟ حتى يعرف أن لفظ الإيمان إذا أطلق على ماذا يحمل؟

فيقال: أولًا: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها؛ تقسيم حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة. لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة: معمر بن المثنى في كتابه. ولكن لم يَعْنِ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية.

ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصري وأمثاله: إنها تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها: نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز. وقد تكلم بلا علم، فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا اصطلاح حادث. والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف، وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في"الجامع الكبير"وغيره، ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب"الرد على الجهمية"في قوله:"إنا"و"نحن"ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل فذكر أن هذا من مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في القرآن مجازًا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم، وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في القرآن مجاز كأبي الحسن الخرَزي، وأبي عبد الله بن حامد وأبي الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي.

وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية ومنع منه داود بن علي وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف فيه مصنفًا، وحكى بعض الناس عن أحمد فيه روايتين. وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد إن في القرآن مجازًا، لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة، فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودًا في المائة الثانية. اللهم إلا أن يكون في أواخرها، والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة؛ أي: مما يجوّز في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا ونفعل كذا ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له. وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا في غيره كأبي إسحاق الإسفرائيني. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي، فإنه إذا سلم أن في اللغة لفظًا مستعملًا في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا بقرينة فهذا هو المجاز وإن لم يسمّه مجازًا. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا اللفظ حقيقة ومجازًا؛ قالوا: الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار إذا أُريد بهما البهيمة أو أُريد بهما الشجاع والبليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت