وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولًا لمعنى ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه، وقد يستعمل في غير موضوعه. ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز، فاعترض عليهم بعض متأخريهم، وقال: اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز، فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة. وهذا كله إنما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولًا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صحّ على قول من يجعل اللغات اصطلاحية. فيدعي أن قومًا من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، ويجعل هذا عامًا في جميع اللغات. وهذا القول لا نعرف أحدًا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم ابن الجبائي.
وإنه (219) لا يمكن أحدًا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع. وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، فإن ادّعى مدّعٍ أنه يعلم وضعًا يتقدم ذلك فهو مبطل، فإن هنا لم ينقله أحد من الناس.
ولا يقال: نحن نعلم ذلك بالدليل فإنه إن لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك، بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض، وقد سمى ذلك منطقًا وقولًا في قول سليمان: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} [النمل: 16] ، وفي قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] ، وفي قوله: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] ، وكذلك الآدميون. فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى؛ أي: أراد به المتكلم ذلك المعنى، ثم هذا يسمع لفظًا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم. بل ولا أقفوه على معاني الأسماء، وإن كان أحيانًا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها، كما يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها، وإن باشر أهلها مدة علم ذلك بدون توقيف من أحدهم، نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه. كما يولد لأحدهم ولد فيسميه اسمًا إما منقولًا وإما مرتجلًا. وقد يكون المسمِّي واحدًا لم يصطلح مع غيره، وقد يستوون فيما يسمونه. وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابًا أو يبني مدينة ونحو ذلك فيسمي ذلك باسم؛ لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة. وقد قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن] ، {قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 21] ، وقال: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى] ، فهو سبحانه يلهم الإنسان النطق كما يلهم غيره، وهو سبحانه إذا كان قد علَّم آدم الأسماء كلها وعرض المسميات على الملائكة كما أخبر بذلك في كتابه، فنحن نعلم أنه لم يُعلِّم آدم جميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلمون إلا بها فإن هذا كذب ظاهر، فإن آدم -عليه السلام- إنما ينقل عنه بنوه، وقد أغرق الله عام الطوفان جميع ذريته إلا من في السفينة، وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح، ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم، فإن اللغة الواحدة كالفارسية والعربية والرومية والتركية فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله، والعرب أنفسهم لكل قوم لغات لا يفهمها غيرهم، فكيف يتصور أن يُنقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة، وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل، وإنما النسل لنوح وجميع الناس من أولاده وهم ثلاثة: سام وحام ويافث؛ كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} [الصافات] ، فلم يجعل باقيًا إلا ذريته، وكما روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أن أولاده ثلاثة) (220) . رواه أحمد وغيره. ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله ويمتنع نقل ذلك عنهم، فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه. وإذا كان الناقل ثلاثة فهم قد علموا